مفهوم الفـقــه:

لم تكن كلمة “فقه” – بالمعنى الاصطلاحي المعروف الآن – شائعة لدى الصدر الأول من هذه الأمة؛ بل كانوا يستعملون كلمة “الفَهم”، لكنهم إذا وجدوا الأمر دقيق المسلك ربما عُنُوا بـ “الفقه” بدلاً من “الفهم”. وقد أشار ابن خلدون في مقدمته إلى ذلك بقوله: “الفقه معرفة أحكام الله في أفعال المكلفين بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة، وهي مستقاة من الكتاب والسنة وما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلة، فإذا استخرجت الأحكام من تلك الأدلة قيل لها (فقه)”.[ ابن خلدون: المقدمة ص445].

ولم تكن تسمية “الفقهاء” شائعة أيضاً، بل كان أهل الاستنباط من الصحابة يُعرفون باسم “القرَّاء” تمييزاً لهم عن الأميين الذين لم يكونوا يقرءون. وفي هذا يقول ابن خلدون: “… ثم عظمت أمصار الإسلام، وذهبت الأمية من العرب بممارسة الكتاب، وتمكن الاستنباط، ونما الفقه وأصبح صناعة وعلماً، فبدلوا باسم الفقهاء والعلماء من القراء”[ المصدرالسابق نفسه ص446].

مفهوم الأقليات:

أما كلمة “الأقليات” فهي مصطلح سياسي جرى في العرف الدولي، يُقصَد به مجموعة أو فئات من رعايا دولة من الدول تنتمي من حيث العِرق أو اللغة أو الدين إلى غير ما تنتمي إليه الأغلبية.

وتشمل مطالب الأقليات عادة المساواة مع الأغلبية في الحقوق المدنية والسياسية، مع الاعتراف لها بحق الاختلاف والتميز في مجال الاعتقاد والقيم.

وتتأسس قيادات للأقليات – في كثير من الأحيان – تحاول التعبير عن أعضاء الأقلية من خلال الأمور التالية:

1 – إعطاء تفسير للأقلية التي تنتمي إليها عن جذورها التاريخية، ومزاياها ومبررات وجودها، لتساعد الأقلية على الإجابة على سؤال “مَن نحن”؟ وضمناً عن سؤال “ماذا نريد”؟

2 – تجميع عناصر الأقلية وإقامة روابط بينها.

3 – تبني الرموز الثقافية المعبرة عن خصوصية الأقلية.

4 – تحقيق أمن معاشي وتكافل اجتماعي كما في الحالة اليهودية.

مفهوم: فقه الأقليات:

إن الحديث عن فقه الأقليات يثير عدداً من الأسئلة المنهجية، منها:

1 – إلى أي العلوم الشرعية أو النقلية ينتمي هذا الفقه؟

2 – بأي العلوم الاجتماعية يمكن لهذا العلم أن يتصل، وما مقدار تفاعله مع كل منها؟

3 – لماذا سُمِّي بـ “فقه الأقليات”؟ وإلى أي مدى تُعتبَر هذه التسمية دقيقة؟

4 – كيف نتعامل مع القضايا التي يثيرها وجود المسلمين بكثافة خارج المحيط الجغرافي والتاريخي الإسلامي؟

وللإجابة على هذه التساؤلات نقول: لا يمكن إدراج “فقه الأقليات” في مدلول “الفقه” كما هو شائع الآن – أي فقه الفروع – بل الأولى إدراجه ضمن “الفقه” بالمعنى العام الذي يشمل كل جوانب الشرع اعتقاداً وعملاً، بالمعنى الذي قصده النبي- صلى الله عليه وسلم- في قوله: “من يُرِدِ الله به خيراً يفقهه في الدين” [صحيح البخاري، كتاب العلم، الحديث69. وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، الحديث1719]، ومن هنا كانت ضرورة ربط هذا الفقه بالفقه الأكبر وضعاً للفرع في إطار الكل، وتجاوزاً للفراغ التشريعي أو الفقهي. ومعنى هذا أن فقه الأقليات هو فقه نوعي يُراعي ارتباط الحُكم الشرعي بظروف الجماعة وبالمكان الذي تعيش فيه، فهو فقه جماعة محصورة لها ظروف خاصة، يصلح لها ما لا يصلح لغيرها، ويحتاج متناوله إلى ثقافة في بعض العلوم الاجتماعية، خصوصاً علم الاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية والعَلاقات الدولية.

تفكيك السؤال:

وإذا ثار سؤال ذو صلة بفقه الأقليات على لسان فرد، أو دار على ألسنة جماعة، فإن المفتي المعاصر يحتاج إلى تجاوز الموقف الساذج البسيط الذي يحصر الأمر بين سائل ومجيب: سائل يعوزه الاطلاع الشرعي، ومجيب يعتبر الأمر منتهياً عند حدود الاستفتاء والإفتاء. فهذا موقف غير علمي ورثناه عن عصور التقليد، وكرسته عقلية العوام التي استسهلت التقليد واستنامت له.

والمطلوب تبني موقف علمي يبحث في خلفية السؤال والسائل، والعوامل الاجتماعية التي ولدت السؤال وأبرزت الإشكال، وهل هو سؤال مقبول بصيغته المطروحة، أم يتعين رفضه بهذه الصيغة، وإعادة صياغته في صورة إشكال فقهي، ثم معالجته في ضوء رؤية شاملة تستصحب القواعد الشرعية الكلية، والمبادئ القرآنية الضابطة، وتراعي غايات الإسلام في الانتشار والتمكين على المدى البعيد؟

ومن هنا نستطيع أن نفهم نهي القرآن المجيد عن أسئلة معينة من شأن إثارتها والإجابة عنها أن تؤدي إلى مشكلات اجتماعية خطيرة؛ لأن تلك الأسئلة صاغتها ظواهر سلبية، فإذا أُجِيب عنها في ذلك السياق استحكمت تلك الظواهر وتمكنت. كما نستطيع في ضوء ذلك فهم نهي الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن “قيل وقال، وكثرة السؤال…”.

فإذا سأل سائل – مثلاً – هل “يجوز” للأقليات المسلمة أن تشارك في الحياة السياسية في البلد المقيمة فيه، بما يحفظ لها حقوقها، ويمكنها من مناصرة المسلمين في بلدان أخرى، ويبرز قيم الإسلام وثقافته في البلد المضيف؟ فإن الفقيه الواعي بعالمية الإسلام وشهادة أمته على الناس،وبالتداخل في الحياة الدولية المعاصرة لن يقبل السؤال بهذه الصيغة؛ بل سينقله من منطق الترخص السلبي إلى منطق الوجوب والإيجابية، انسجاماً مع ما يعرفه من كليات الشرع وخصائص الأمة والرسالة.

تابع في نفس الموضوع: