مصطفى عاشور

 

سليم تقلا

تعد جريدة الأهرام أعرق وأقدم جريدة عربية ما زالت مستمرة حتى الآن، رغم مرور أكثر من مائة عام على مولدها بالإسكندرية. وقد عاصرت هذه الجريدة العريقة ثلاثة قرون، ولدت في أحدها، وعاشت في الآخر، وما زالت مستمرة في الثالث، بفضل تقاليد أرساها الآباء المؤسسون لها، وسار على هداها من جاء بعدهم، وهو ما كفل لها الحياة في كل العصور، والتعايش مع كل الأنظمة، بأسلوب متزن غلّب فيه روادها الأوائل تقاليدَ المهنة وأصول العمل الصحفي على أثواب الحزبية والمذهبية والأيدولوجية والالتصاق المبالغ فيه بالسلطة، وهو ما حقق لها الصمود أمام عاديات الزمن، وتقلب الأنظمة، وغياب الحرية الذي عانت الصحافة منه طويلا.

واستطاعت الأهرام بفضل هذه السياسة الإبحار وسط الأمواج العاتية، وهي تدرك أن فهم متطلبات العصر وإجادة التعامل معها، هو السر الدفين الذي كفل لها البقاء، والحكمة التي افتقدتها كثير من الصحف التي كانت أعلى صوتا، وأكثر توزيعا ولكنها قبرت مع وفاة مؤسسيها؛ فصارت أثرا بعد عين، وتاريخا يُستدعى من باطن الأرشيف الذي يعلوه الغبار.

الأهرام.. ديوان الحياة

بشارة تقلا

وصف الدكتور طه حسين الأهرام بأنها “ديوان الحياة المعاصرة”؛ فالأهرام ليست صحيفة امتد بها العمر حتى شاخت ووصلت من الحياة إلى أرذل العمر، ولكن مرور الزمن كان يزيدها أصالة، ومن ثم فهي صحيفة تحمل على ظهرها تاريخا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، محليا ودوليا؛ فشمولها للأحداث جعلها ديوانا للأحداث بلغة عصرها وانفعالاته واهتماماته.

وتشير بعض الدراسات التاريخية إلى أن ظهور الصحافة قد أدى إلى القضاء على مرحلة في التأريخ تسمى بـ”الكتابة الإخبارية”، وهي الكتابة التي تقوم على تتبع الأخبار وفقا لتسلسلها الزمني، وكان آخر كتابين في هذا الفن من التأريخ قد ظهرا قبل مولد الأهرام بقليل، وهما “الكافي في تاريخ مصر القديم والحديث” لميخائيل شاروبيم، و”حقائق الأخبار في دول البحار” لإسماعيل سرهنك، ثم جاءت الصحافة -وعلى رأسها الأهرام- واحتلت مكانة التأريخ الإخباري دون منازع، فكانت مرحلة فارقة في التدوين التأريخي.

.. رحلة حياة

ولدت الأهرام بالإسكندرية في شارع البورصة المتفرع من ميدان القناصل (المنشية حاليا) في يوم السبت (15 من رجب 1293هـ = 5 من أغسطس 1876م) على يد الأخوين الشاميين: بشارة تقلا وسليم تقلا، وكانت الإسكندرية في ذلك الوقت تعج بالأوروبيين والشوام، كما كانت أحد المراكز التجارية المهمة على البحر المتوسط.

وقد بدأت الأهرام في الصدور أسبوعيا، وتعهد مؤسسها بعدم الخوض مطلقا في “الشئون البولوتيقية” أي الشئون السياسية، غير أنه لم يستطع الوفاء بهذا التعهد، وهو ما عرّضه للاصطدام مع السلطة.

في عددها الأول دعت الجريدة “أصحاب الأقلام البليغة أن يزينوا من وقت لآخر الجريدة بما يسطرونه من بديع الكتابة والحكم والفوائد التي يلتذ باجتنائها كل ذي ذوق سليم”، ولم يمض وقت طويل حتى اجتذبت صفحات الأهرام كُتابا من ذوي الرأي كتبوا على صفحاتها، ومنهم الإمام محمد عبده الذي كان حينئذ أحد مجاوري الأزهر، وكتب في البدايات عن “التمدن البشري”.

اختارت الأهرام يوم السبت لصدورها الأسبوعي، لكن صعوبة وصول الجريدة إلى الشام في وقت مبكر نسبيا -نظرا لبعض الأمور الملاحية- جعلها تصدر يوم الجمعة في بعض الأحيان، وبعد مرور نحو شهرين على صدور الأهرام أصدر الأخوان “تقلا” جريدة يومية تسمى “صدى الأهرام” في (21 من رمضان 1293هـ = 10 من أكتوبر 1876م)، وهي تعد أول جريدة يومية تصدر في مصر.

وكانت الأهرام الأسبوعية قد بدأت بأربع صفحات، يبلغ طول الصفحة 43 سم، وعرضها 30 سم، واستخدمت في بدايتها خطا كبيرا في الكتابة، ثم تحولت إلى خط أصغر؛ لتتمكن من نشر أكبر كمية من الموضوعات، وركزت اهتمامها على الأخبار الخارجية؛ إذ عاصرت الجريدة في تلك الفترة الحرب التركية- الروسية، وكانت ميالة في تغطيتها للدولة العثمانية.

أفسحت الأهرام الأسبوعية صفحاتها لمقالات الإمام محمد عبده الإصلاحية، ومقالات “جمال الدين الأفغاني”، و”جمعية الأحباء” التي رأسها “يعقوب صنوع”، والتي طالبت بالعناية بالتربية والتعليم.

استحدثت الأهرام في تلك الفترة المبكرة سنة (1297هـ = 1879م) بعض الفنون الصحفية التي لم تكن تعرفها الصحافة المصرية، ومنها “الحديث الصحفي” مع كبار السياسيين ورجال الفكر، وكان من أبرز تلك الأحاديث الحوار الذي أجراه “بشارة تقلا” مع للثورة العرابية وزعيمها أحمد عرابي.

وقد بدأت الأهرام في مهاجمة الاحتلال الإنجليزي في (ربيع أول 1301هـ= يناير 1884م) ووقفت ضد سياسة إخلاء السودان من الجيش المصري، وتعطلت شهرا عن الصدور بسبب هذا الموقف، وناصرت الزعيم الوطني مصطفى كامل، وفتحت صفحاتها لنشر مقالاته، كما حاربت الإنجليز في خططهم في قناة السويس والتعليم، وكان لها أثر كبير في رفض أعضاء “مجلس شورى القوانين” لميزانية الدولة في (1311هـ= 1893م)، ونادت في “ثورة 1919” بأنها صحيفة مصرية للمصريين، وفتحت صفحاتها للكتابة الوطنية. واعتبر البعض أن الفترة التي عاصرت ثورة 1919 كانت استثنائية في حياة الأهرام؛ لأنها كانت لسان “حزب الوفد المصري”، إلا أنها كانت تنطلق من موقف وطني قومي وليس حزبيا.

بعد الحرب العالمية الأولى وفي فترة ما بين الحربين زادت الأهرام من عدد صفحاتها، وتوسعت في معالجة كافة الموضوعات، وأنشأت لأول مرة شبكة من المراسلين لها في أنحاء مختلفة من العالم، وسبقت جميع الصحف باستعمالها ماكينات طباعة متقدمة سنة (1339هـ= 1920م)، كما أفسحت صفحاتها للشعراء، مما أذاع صيتهم؛ فنشرت معظم إنتاج “خليل مطران” و“أحمد شوقي”، وسمت ديوانه بالشوقيات، ولقبت حافظ إبراهيم بـ “شاعر النيل”، و”خليل مطران” بـ “شاعر القطرين”.

وقد تعاقب على رئاسة تحرير الأهرام عدد من الرواد الكتاب والأدباء، منهم: سليم تقلا، وبشارة تقلا، وخليل مطران، وداود بركات الذي أمضى محررا ورئيسا لتحريرها (35) عاما، وكان يعد مرجعا لكل حادث في مصر منذ احتلالها، وجبرائيل تقلا الذي نقل الأهرام نقلة كبيرة، واستخدم أرباح الأهرام في تدعيم وجودها الصحفي بشراء أحدث المطابع، وقام بتجديد الصحافة شكلا وموضوعا وطباعة، والذي قيل عنه: “كانت الأهرام تسبق الصحف الأخرى بعشر سنوات، وكان تقلا باشا يسبق الأهرام نفسها بمائة عام على الأقل”.

ويعتبر جبرائيل تقلا من أهم مَن أثر في مسيرة “الأهرام”؛ لأنه وضع لها عددا من التقاليد ما زالت تسير عليها حتى الآن، منها أن تكون جريدة لجميع المصريين وليست جريدة سلطة أو حزب، ولا تهبط في خصومتها إلى حد الإسفاف والقدح الشائن.

ورأس تحرير الأهرام أيضا “أنطوان الجميل” الذي كان يؤمن بالوقوف في الوسط إذا تنافرت الأحزاب، وضرورة أن يمتلك الصحفي الحس الأدبي، ووجوب الأمانة الصحفية قبل السبق الصحفي؛ إذ كان شعار “الصحافة أولا” في الأهرام هو الغالب فيها، فـ”لم يكن للأهرام طعم ولا لون خاص، ولكن كانت تجمع في صفحاتها كل الألوان والأطعمة، تقدمها في براعة ورقة وأمانة”. ورأس تحريرها أيضا “أحمد الصاوي” و”عزيز مرزا” و”محمد حسنين هيكل” و”علي أمين” و”أحمد بهاء الدين” و”يوسف السباعي”، و”علي حمدي الجمال”، و”إبراهيم نافع”.

.. تقاليد وعراقة

الصفحة الأولى من العدد 609 الصادر يوم 21 أبريل 1879م

نشأت مع ميلاد الأهرام مجموعة من التقاليد الأصيلة التي سارت عليها، ولم تتخطها طوال تاريخها الطويل ومع تقلبات العصور، وهو ما منحها الاعتراف بقدرها وثقة القراء والمثقفين في آرائها، فهي جريدة محافظة ذات أصالة في الشكل والموضوع، تحافظ على وقارها، فلا توجد صور فاضحة أو نكات خارجة، أو نقد مقذع أو هجوم عدائي، ولكن كان الاعتدال والاتزان هما بضاعتها التي روجتها في عمرها المديد، ولعل هذا مما جعلها مفتوحة أمام جميع الكتاب والآراء، يلتقون على صفحاتها ولا يختلفون في احترامها وإجلالها، فكانت لسان جميع الأحزاب والسياسيين، أو هي لسان مصر بجميع تياراتها.

كذلك التزمت الأهرام بعدم التورط في الصراعات الحزبية والسياسية، حتى قيل عنها بأنها “صحيفة بلا موقف”، ولعلها في ذلك كانت تؤثر المهنة وتقاليدها على الحزبية وإثارتها، وهو سعي جعل الجريدة تأخذ في مسيرتها الطويلة الصفة المؤسسية التي يطول عمرها وتزداد عراقتها، يضاف إلى ذلك أن الاتزان في المدح والقدح كان منهجها القويم، فلم توجد لها عداوات صارخة، وهو مبدأ أرساه “سليم تقلا” في وصيته لكل محرر جديد بقوله: “إذا رأيت كلمة تقولها يخسر معها شخص قرشا وتربح الأهرام آلافا، فلا تقلها، ولو خسرت الأهرام فوق الربح المنتظر أضعافا”.

.. مؤسسة نموذج

وقد خطت “الأهرام” منذ منتصف الخمسينيات من القرن الماضي خطوات واسعة في تدعيم وجودها كصحيفة قومية تعبر إلى حد كبير عن رأي الدولة، بعد عملية تأميم الصحافة وإلحاق ملكيتها بالدولة، ومن ثم كان البعض يتلمس رأي وموقف الدولة المصرية من خلال صفحات الأهرام.

وعندما انتقلت الأهرام إلى مبناها الجديد في “شارع الجلاء” في (2 من ذي القعدة 1387هـ= 1 من فبراير 1968) شهدت توسعا كبيرا وتدعيما لوجودها المؤسسي؛ فوسعت خدماتها، وأنشأت عددا من المراكز المتخصصة، منها “مركز الأهرام للإدارة والحاسبات الإلكترونية” و”مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية” في (1388هـ=1968م)، و”مركز الميكروفيلم” في (المحرم 2139هـ= مارس 1969م) الذي يحتفظ بأعداد “الأهرام” منذ نشأتها، ومركز الترجمة والنشر في (1395هـ= 1975م) الذي تصل فيه عدد اللغات التي ينقل إليها ومنها 14 لغة في جميع فروع المعرفة والعلم، وهو مركز اعتمدته “الأمم المتحدة” والمنظمات التابعة لها في ترجمة وثائقها ودراساتها، كما أنشأت الأهرام عددا من المؤسسات التجارية، منها “وكالة الأهرام للإعلان” و”مطابع الأهرام التجارية”.

وافتتحت الأهرام مبنى آخر جديدا في شارع الجلاء في عام (1414هـ= 1993م). وتصدر مؤسسة الأهرام عددا من الجرائد والمجلات، منها: الأهرام اليومية، والأهرام الدولية، والأهرام المسائي، والأهرام ويكلي باللغة الإنجليزية، والأهرام إبدو باللغة الفرنسية، ومجلة الشباب، والأهرام الاقتصادي، والأهرام الرياضي، والسياسة الدولية، ونصف الدنيا، وعلاء الدين، وأحوال مصرية، والديمقراطية، ولغة العصر، والبيت. وتتبع الأهرام المجلس الأعلى للصحافة التابع لمجلس الشورى.

المراجع:

  • يونان لبيب رزق ـ الأهرام ديوان الحياة المعاصرة ـ مركز تاريخ الأهرام، القاهرة، 1993.

  • أنور الجندي ـ الصحافة السياسية في مصر منذ نشأتها إلى الحرب العالمية الثانية ـ مطبعة الرسالة ـ القاهرة ـ 1962.

  • أديب مروة ـ الصحافة العربية منذ نشأتها وتطورها ـ دار مكتبة الحياة ـ بيروت ـ 1961.

  • رمزي ميخائيل جيد ـ تطور الخبر في الصحافة المصرية ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ـ 1985.