نهال محمود مهدي

صلاح الدين يلماز
صلاح الدين يلماز

فيما تفرد الدول العربية والإسلامية يوما واحدًا هو الثاني عشر من شهر ربيع الأول من كل عام هجري، للاحتفال بمولد الهادي البشير محمد صلى الله عليه وسلم، تخصص تركيا -بكل ما تحمله من خصوصيات- أسبوعًا كاملاً للاحتفاء بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم.

وفي محاولة منا للوقوف على تلك التجربة المميزة، والتعرف عليها عن قرب، التقت شبكة “إسلام أون لاين.نت” الداعية الإسلامي التركي صلاح الدين يلماز، رئيس إدارة الشئون الدينية بمدينة (مزادغي) بمحافظة (مردين)، التابعة لهيئة الشئون الدينية العليا بتركيا؛ ليحدثنا عن التجربة بشيء من التفصيل… فكان هذا الحوار:

احتفال رسمي

* بداية ماذا يمثل الاحتفال بالمولد النبوي في تركيا بشكل عام؟

احتفالنا بالمولد النبوي في تركيا كل عام شيء أساسي، إلا أن الاحتفال في السنوات الأخيرة أصبح يتم بشكل رسمي، وبصورة واضحة، فقد أعلنت رئاسة الشئون الدينية في تركيا هذا “الأسبوع” مناسبة عامة يحتفل فيها الجميع، ويتكون “الأسبوع” من برنامج كبير ومتنوع يعمّ كل محافظات الدولة التركية.

* حبذا لو تفضلت بالحديث عن تلك المظاهر…

أولاً يتم تحديد الأسبوع الذي سيحتفل به وهو الأسبوع الذي يضم مولد النبي صلى الله عليه وسلم -ويعرف بالأسبوع السعيد-، فعلى سبيل المثال هذا العام بدأت الاحتفالات من يوم السبت العاشر من ربيع الأول، وستمر بيوم الإثنين يوم المولد وتستمر حتى يوم الجمعة 16 ربيع الأول بمشيئة الله تعالى.

وأهم مظاهر الاحتفال هي المحاضرات التي يتحدث فيها الأساتذة والشيوخ، وهي شقان: شق يقدم لعامة الناس وفي جميع أنحاء تركيا يحاضر من خلاله الشيوخ في موضوعات معاصرة كما يتناولون سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.. حياته، وأخلاقه، حديثه صلى الله عليه وسلم، والشق الآخر مختص بأبحاث تُقدّم ويتدارسها العلماء من خلال مؤتمرات ومنتديات تتناول مشكلات بلاد المسلمين وعلاجها.

مستوى آخر من الاهتمام بالمولد النبوي يتم من خلال تنظيم وزارة الشئون الدينية للمسابقات بين الطلاب في المدارس الإعدادية والثانوية، حيث يتسابق الطلاب فيما بينهم ليحصل الفائز الأكثر معرفة بحياة نبيه صلى الله عليه وسلم على هدايا الوزارة القيمة.

مشهد مهيب

* ماذا عن يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم تحديدًا؟

في نفس اليوم المعين لمولد النبي صلى الله عليه وسلم وخاصة في الليل يجتمع المسلمون رجالاً ونساء وأطفالاً في المساجد بعد صلاة العشاء، وكم يبدو المشهد مهيبًا ورائعًا عندما تعمر المساجد بالمصلين وتمتلئ عن آخرها على خلاف سائر الأيام، وتبدأ مراسم الاحتفالات بالخطب والمدائح وتوزيع الحلوى والهدايا على الحضور وخاصة الأطفال.

* هل للمؤسسات الأهلية المختلفة دور في هذه الاحتفالات؟

بداية أحب أن أوضح لك معلومة غاية في الأهمية قبل الإجابة عن دور المؤسسات، فقد شرفت تركيا في القرن العشرين بعالم فاضل وهو فضيلة الشيخ سعيد النورسي، أشهر علماء تركيا، وصاحب المؤلفات الشهيرة المعروفة بـ”رسائل النور”.

هذا العالم ضحّى بحياته من أجل الإسلام، فقد أعاد وصل النموذج الإسلامي في تركيا بعد قطعه؛ لذا نجد هنا العديد من المؤسسات التي أسسها مريدون وأتباع له انتهجوا نفس منهجه.

ولهذه الجمعيات برامجها أيضًا، ومنها على سبيل المثال ما تدعو إليه بعضها من أن يقوم القادرون بإعداد موائد كبيرة تعرف بـ(المولد) يُدعى إليها الجميع بلا استثناء، وقبل أن تبدأ تلك الوليمة يقوم أحد الأئمة أو فقهاء الحضور بإلقاء كلمة يعرض من خلالها ما تيسر من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وحياته ومعجزاته.

فهم أعمق

حتى الصغار يحتفلون بمولده

* يبدو من حديثك تكثيف الاهتمام بالمولد النبوي الشريف في تركيا في السنوات الأخيرة، فما هي أسباب ومستجدات هذا الاهتمام المميز؟

في السنوات الأخيرة كان لا بد من هذه الاحتفالات وبهذه الصورة المكثفة لأكثر من غرض:

أولاً: لنتعلم كيف نعرف النبي صلى الله عليه وسلم؟، وكيف نستفيد من هذه المعرفة؟ وكيف نفهم؟، لأن العصر تغير والظروف تغيرت فيجب أن نفهم النبي وتوجيهاته ورسالته ونتغير تبعًا لها وبها حتى نواكب هذه المتغيرات المجتمعية.

في مثل هذه الاحتفالات تمتلئ المساجد بالمسلمين في الوقت الذي يعيب علينا البعض هذه الاحتفالات على أساس اعتبارها بدعًا، ولكن الحقيقة نحن نقولها ونعلنها لمَ لا نستغل مثل هذه المناسبات -من خلال ما تحدثه من تجمعات قلما تحدث- لنوضح للناس ما غفل عنهم من سيرة حبيبهم.

الأمر الثاني: المبلغون للدين؛ يجب أن يكون لديهم العلم، وأيضًا القدرة على التبليغ، حتى إن كارثة الرسوم الدانماركية أتصور أن أحد أهم أسباب حدوثها أن الغربيين لا يعرفون نبينا كما نعرفه؛ لأنهم يعرفونه من خلال المستشرقين وليس منا؛ لأننا لا نقوم بواجب التبليغ كما ينبغي.

ولتتضح الصورة أكثر سأضرب المثل بتركيا فهي دولة كلها مسلمون، ولكن هناك الكثيرين من العلمانيين غير الملتزمين، وهناك من هو مسلم بالاسم فقط وهؤلاء من أشد أعداء الإسلام؛ لأنهم لا يعرفون دينهم، والسبب في ذلك أنهم كالأوروبيين يتعلمون اللغة الإنجليزية ويتعرفون على الإسلام من خلال نقد المستشرقين له، ويتعرفون أيضًا على النصرانية من خلالهم، ولكن الحقيقة أن الإسلام ليس سيئًا كما يقولون، وليست النصرانية حلمًا كذلك.

إلى هنا، انتهى حوارنا مع الداعية الإسلامي التركي صلاح الدين يلماز والذي أجريناه معه، على هامش فعاليات المؤتمر الثامن عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية الذي عُقِد بالقاهرة، في الفترة من 6 – 9 إبريل 2006م والذي كان الشيخ يلماز، أحد أعضاء الوفد التركي المشارك بالمؤتمر.

خلفية تاريخية

كانت تركيا مركزًا للحكم العثماني حتى عام 1922م، إلى أن تم إنشاء الجمهورية التركية عام 1923 على يد مصطفى كمال أتاتورك. ويدين غالبية سكان تركيا بالديانة الإسلامية، وحسب الإحصاءات الرسمية فإنهم يشكلون 99.8% من سكان البلاد.

مع ذلك يشير نص المادة 24 من دستور عام 1982 إلى أن مسألة العبادة هي مسألة شخصية فردية. لذا لا تتمتع الجماعات أو المنظمات الدينية بأي مزايا دستورية. وترجع هذه المواقف وتطبيق العلمانية بشكل عام في تركيا إلى الفكر “الكمالي”.

الذي ينسب لمؤسس تركيا الحديثة كمال أتاتورك الداعي للعلمانية، وفصل الدين عن الدولة، حيث ألغى السلطنة، وأعلن تركيا جمهورية وتولّى رئاستها عام 1923م حتى وفاته عام 1938م، وقد تمكن من استبدال أعراف قومية علمانية بالمبادئ الإسلامية، كما استبدل الكتابة في تركيا من الحروف العربية إلى اللاتينية.

والمنشآت الإسلامية ورجال الدين في تركيا يتم إدارتهم من قبل دائرة المسائل الدينية (Diyanet İşleri Bakanlığı) التي تقوم بتوظيف حوالي مائة ألف إمام ومؤذن وشيخ دعوة، كما تقوم بصيانة وإنشاء المساجد. ولا يتم دعم منظمات الديانات الأخرى بشكل رسمي، ولكنهم في المقابل يتمتعون بإدارة ذاتية وحرية في العمل.


صحفية مصرية، يمكنكم التواصل معها، أو مراسلتنا بآرائكم وخواطركم الإيمانية، عبر بريد الصفحة: tazkia@iolteam.com