علاء سعد حسن – 33 عامًا – مصر

لا يستطيع أن يتمالك نفسه، ولا أن يكف داخله عن هذا الغليان الرهيب، منذ سمع منها هذا الاعتراف المريع، عاد إلى بيته حزينًا مكدودًا، يشعر بالانكسار، يريد أن يدفن وجهه بين كفيه ويبكي، بل يريد أن يختبئ في حضن أمه، ويذرف دموعه في صدرها، لكن لا… أمه لن تفهم هذا الموقف.. قد يتأزم بشكل يستحيل معه الحل، فليلجأ إلى أبيه؛ فهو سره وستره، وسينصحه بحكم خبرته.. هل يستطيع أبوه أن ينقذه ؟ نعم، بالتأكيد.. آه، لكنه لا يمكن أن يفضحها، أو أن يزرع بذور الشك النابتة في أعماقه، في قلب شخص آخر، حتى ولو كان أباه.

ماذا تفعل يا عماد؟! ازدادت الدنيا ظلامًا في وجهه، فتوضأ، ثم دخل غرفته وأغلقها خلفه بالمفتاح، لا يمكن في هذا الموقف العصيب أن يلجأ لأحد إلا إلى خالقه ومولاه، يشكو إليه ويستخيره، هو القادر وحده على أن يهديه إلى القرار السليم، وهو وحده سبحانه الستار الذي لن يفضحها.. سيسترها كما سترها كل هذه السنوات. وصلّى عماد ركعتين خاشعتين لله تعالى، ركعتان غلب عليهما البكاء، بل النشيج والنحيب، وانقضت الصلاة، وبدأ يهدأ قليلا، وأخذ يستعرض حياتهما معًا حتى هذه اللحظة.

عرفها في الكلية، أيام الدراسة الجامعية.. كانت تصغره بعامين.. لفتت نظره بخمارها الهادئ ولباسها الساتر، وأخلاقها المتميزة وحيائها الظاهر.. لم تكن جميلة جدا، ولكنها كانت مريحة.. أخذ يراقبها طوال سنتي الدراسة الباقية له في الجامعة.. أصبح حلم حياته أن يرتبط بها.. بعد التخرج والانتهاء من أداء الخدمة العسكرية تقدم لخطبتها، والتحق مرة أخرى بالكلية بقسم الدراسات العليا، وكانت هي في السنة النهائية.. كان يأمل أن يراها في الجامعة، وأن يتحدث إليها في ساحات الجامعة الواسعة، كما يفعل كل عاشقين، لكنها هربت منه، فتأكد أنها لن تسمح له بمحادثتها إلا في منزلهم مع وجود المحرم.

ومضت فترة الخطوبة، وهو يتلظى شوقًا لسماع كلمة حلوة من فمها. وذات مرة قال لها: أنت بخيلة جدًّا يا عفاف، أنت لم تذكري اسمي على لسانك منذ خطوبتنا ولو مرة واحدة. فأطرقت إلى الأرض وتورد وجهها، وزادته حمرة الحياء جمالا وفتنة.

وتم عقد الزواج، وأراد أن يأخذ منها ما حرمته إياه طوال هذه السنين قبل الخطوبة وبعدها، واستطاع أخيرًا بعد حيلة ومكر، أن يختلس منها قبلة.. وبكت عفاف وتشنجت كأنها أصيبت بضربة على رأسها، وليست قبلة على شفتيها.. أشفق عليها، وعاد وهو حزين، فقد حرمته كل أحلامه الطائشة حينًا، والمنضبطة بالشرع أحيانًا، لكنه استطاع خلال فترة العقد أن يكتسب صداقتها، وعرف مدى سذاجتها وبراءتها بالتجربة والمشاهدة، لا بالكلام وحده.

ومرت فترة العقد، وأصبح الزفاف بعد ثلاث ليال، وأراد أن يمهد لها أشياء حتى لا تفسد عليه ليلة أخرى من ليالي العمر المعدودة.. تجاذبا أطراف الحديث، وتطرق إلى النصائح التي يجب أن تكون سمعتها من نساء عائلتها، وهاله اصفرار وجهها، وحدثته وهي تتمالك دموعها بصعوبة بالغة عن حديث خالتها لها، وقالت برعب وقلق: تحدثت عن دماء، وقطعة قماش بيضاء نظيفة، وعن… فلماذا كل هذا؟

قال لها: أنا لن أستخدم قطعة القماش البيضاء هذه.. فثقتي بك أكبر من ثقتي بنفسي. وسألته: ماذا يعني كل هذا؟ اضطر أن يحدثها عن البكارة؛ فانفجرت باكية، وقالت من بين دموعها وجسدها كله يرتجف: لقد حدث لي حادث منذ سنتين…

وتوترت أعصابه كلها وهو يسمع بقية حديثها: كنت فوق سطح المنزل لإطعام خروف العيد، وجاء أخي من الخلف وأخافه؛ فهاج الخروف، وهمَّ أن ينطحني، فارتددت بسرعة هاربة، فاصطدمت بالباب الحديدي صدمة هائلة، وأُغمى علي لحظات، ثم أفقت على نزيف، ولم أستطع أن أُطْلِع أحدًا على الأمر، وأنا لا أعلم حتى اليوم من أين نزفت هذه الدماء.

تاريخها كله ينطق بالطهر والبراءة، وحديثها له كاد أن يذهب بعقله، الشك قاتله، وجاءه صوت من أعماقه: توكل على الله تعالى؛ فهو حسبك ونعم الوكيل، توكل على الله ولا تتراجع، فثقتك فيها من ثقتك في نفسك، ولقد نهى الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن مداهمة الرجل أهله ليلاً من شك وريبة.. لماذا الشك، وقد راقبتها عدة سنوات، فلم تجد أكثر منها براءة؟ لعلها أذنبت ثم تابت؛ فهل تحاسبها على ذنب قَبِل الله تعالى منه التوبة؟ ماذا أجبرها على أداء دور الفتاة المحجبة الملتزمة، والمجتمع لا ينكر على الكاسيات العاريات؟ أتصدق التجربة والاختبار طوال هذه السنوات، أم تصدق دليلاً ماديًّا قد يكون له ألف سبب وسبب؟

مئات الأفكار.. عمليات الترقيع.. الفتيات اللاتي يفقدن بكارة أحاسيسهن دون أن يفقدن بكارتهن الجسدية.. كاد الصداع يمزق رأسه، غلبه النوم، استيقظ وقد قرر التوكل على الله.

ليلة الزفاف نسى كل شئ.. كان همه أن يزيل عن عفاف وحشتها وتوجسها، وهو يشعر بتوترها، اصطحبها إلى كل ركن من أركان الشقة ليشاهداها معا من جديد، وتناولا معا عشاءً خفيفا أعده هو بنفسه، وطلب منها أن يصليا لله ركعتين في بداية رحلة الحياة، وشعرت بعد الصلاة أنه يريد منها شيئًا، لكنه ينتظر؛ فبادرته هي..

نهض وهو يتمتم: يا ربي لك الحمد، لم تتركني فريسة للأوهام، وصمم على أن يصلي الفجر في المسجد شكرًا على هذه النعمة.


النقد والتعليق:  

أهلا بك يا علاء، ونشكرك أن أسعدتنا بهذه القصة “صراع”؛ لأن لها معنا ذكرى.. فعند عرض أقصوصة “ليلة الزفاف” لأول مرة اعترض عدد من زائرينا؛ لأنها تتبنى وجهة نظر يراها البعض غير متماشية مع مبادئ أو أخلاقيات إسلامية، ولكني أفصحت عن وجهة نظري، وهي أنني أريد من ينقد العمل أو لا يعجبه؛ فليرد عليه، ولكن ليس بالحظر والمنع، ولكن بإبداع في اتجاه آخر يريده هذا الناقد؛ فليس معقولا أن نظل مكتوفي الأيدي أمام بعض ما لا يعجبنا من أفكار، ونكتفي بأن نقول: إن هذا لا يليق، ونحن في مقاعد المتفرجين.. بل ينبغي علينا أن نشمر عن أذهاننا، ونشحذ أقلامنا، ونسكب أحبارنا لنناقش ما لا يعجبنا من أفكار وأطروحات.

وقد أوضح الصديق علاء في مقدمة القصة أنه فضّل أن يصوغه في صورة قصة لها ملامح مختلفة وأهداف أخرى.

لاشك أن إعجابنا بهذه الخطوة لا يمنعنا من الأخذ بيد المبدع وتجويد العمل، وحثه على امتلاك زمام الحرفية الفنية.

ومن مزايا العمل الذي بين أيدينا أنه بدأ بلحظة أساسية وحساسة، أو كما نقول: إنه دخل في صلب الموضوع، ولأنه يأخذ القصة من وجهة نظر الشاب؛ فقد بدأ بصراعه مع نفسه، وتأثير الحدث الجلل- معرفة فقدان فتاته لبكارتها- مباشرة؛ مما أدخل القارئ معه في الأحداث.

وأجاد الكاتب كذلك في استخدامه لما يُعرف في القصة والرواية بـ(تيار الوعي)، وهو أن يستخدم الكاتب وسائل تمكن المتلقي من معرفة ما بداخل البطل من أحاسيس ومشاعر.. وتم له ذلك عن طريق أمرين: استخدام الحوار الداخلي مع النفس (المونولوج)، والذي يعبر فيه البطل عن ذهوله من وقع الصدمة عليه، وكذلك استخدامه لأسلوب تتابع وتدافع الذكريات إلى عقله، وهي ذكريات فترة الخطبة والعقد وأول مرة يرى فيها عروسه.

استخدم علاء في السرد طريقتين، ونوّع بينهما بإتقان وإجادة، وهما: طريقة ضمير الغائب، والتي تتم عن طريق راوٍ يسرد الأحداث ويعرف بالشخصيات، وكذلك طريقة ضمير المتكلم، وهو أن يتكلم البطل عن نفسه.

والتنويع بين الطريقتين يسمح بوجود رؤيتين للأحداث: رؤية بعيدة وصفية (رؤية الراوي)، ورؤية قريبة ذاتية، تقترب من المشاعر والعواطف (رؤية البطل).. بما يخلق نوعا من الاقتحام للشخصيات ومعايشة الأحداث، كما أنه يُحمد للكاتب تعبيره عن أحداث الزفاف بتلميح وإخفاء يصل للقراء منه أكثر مما يمكن أن يصل في حالة التصريح.

وهناك بعض الهنّات في العمل منها:

– بعض الكلمات التي أتت في غير سياقها، مثل: الخدمة العسكرية.. وجود محرم… وهذه الكلمات كان يمكن أن يعبَّر عنها بطريقة أكثر ملائمة للغة القصة.

– رسم شخصية الفتاة جاء مشوشا وسلبيا؛ حيث رسمها الكاتب بطريقة وصلت إلينا (سطحية)، وهذا يعاب في القصة القصيرة التي تعتمد على العمق في رسم الشخصيات، وتصوير الأبعاد الثلاثة للشخصية، وعدم الاكتفاء بما كانت تعتمد عليه (الحدوتة) الشعبية أو الأسطورة؛ من أن هناك شخصية طيبة، وأخرى شريرة بهذا التحديد والاختزال وفقط.

فملامح شخصية الفتاة جاءت دائما الهادئة الطيبة البريئة، وهذا عيب كبير لأننا شعرنا كأنها ملاك؛ ولذا فقد فقدت تعاطفنا، وظل التعاطف مع البطل فحسب؛ لأنك نجحت في تصوير الصراع داخله..

كما أن ثمة خلل أخير، وهو حبكة القصة؛ فقد ذكرت في ثنايا العمل تساؤلا أفرغ القصة من مضمونها، وهو: “هل تحاسبها على ذنب قبل الله تعالى منه التوبة؟”؛ مما يورد الشك في ذهن القارئ، خاصة أن الحدث الذي ذكرته الفتاة كمبرر لفقدانها بكارتها غير مقنع من الناحية الدرامية بدرجة كافية؛ فهو مفتعَل بعض الشيء، فأنت قد أظهرت الفتاة في صورة بريئة، فما القيمة الفنية لإقرارك أنها أذنبت ثم تابت؟!

وأخيرا، نحن في انتظار المزيد من إبداعاتك، صديقنا العزيز، ولا تحرمنا من التواصل معك ومع أخبارك الجديدة.