محطات في المعتقلات.. “الهايكستب” فالباخرة عايدة إلى “الطور”

وضعنا في سيارات الشرطة الكبيرة، التي نقلتنا إلى القاهرة، ووضعنا في معتقل الهايكستب، في ضواحي القاهرة، الذي جُمعت فيه أعداد كبيرة من الإخوان، وفي الصباح نقلونا إلى مدينة السويس حيث كانت تنتظرنا الباخرة (عايدة).

ركبنا الباخرة، وقلنا ما قال سيدنا نوح عليه السلام: {بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} (هود: 41)، كما قرأنا قول الله تعالى لنوح: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} (المؤمنون: 28، 29)، وعرفنا أن الباخرة ستنقلنا إلى جبل الطور، فاستبشرنا به خيرا؛ لأن هذا الجبل الذي آنس موسى -عليه السلام- من جانبه نارا، {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} (طه: 11-13).

ومضت السفينة تمخر عباب خليج السويس، متجهة إلى الطور، وقد شغل الإخوان أنفسهم بما حلا لكل منهم؛ فهذا يتلو القرآن، وهذا يقرأ كتابا في يده، وهذا يذكر الله، وهذا يتحدث مع أخ له أو بعض إخوة له.

ثم حدث فجأة هرج ومرج في الباخرة لا أدري ما سببه!، وقد شكا قائد السفينة من ذلك، وهنا ظهر شاب قصير القامة، أبيض الوجه، مشرق القسمات، حاسر الرأس، يلبس ثوبا أبيض، فتكلم بكلمات موجزة بليغة وقوية، طالبا من الإخوان: أن يلزموا الهدوء، ويحترموا النظام، حتى يصلوا إلى تلك الأرض التي انطلقت منها شرارة الوحي المقدس، لتحرير أمة مستعبدة، واستمع إليه الإخوان كأن على رؤوسهم الطير، واستجابوا لندائه بسرعة وطواعية، وسألت أحد إخوان القاهرة: “من هذا المتحدث؟” فقال لي: “ألا تعرفه؟! إنه الشيخ الغزالي”.

وكانت فرحتي لا تقدر حين علمت أن الشيخ الغزالي معنا.. هذا الشيخ الذي قرأت له، وأحببته من بعيد، فهاأنذا اليوم أراه وجها لوجه؛ فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، فهذه أولى ثمرات هذه المحنة، التي نرجو أن تكون منحة، بفضل الله تعالى.

إلى معتقل الطور

وعندما وصلت الباخرة (عايدة) إلى الطور نزلنا منها، لنوضع في الأماكن التي أُعدت لتكون معتقلاتنا، وهي الأماكن التي كان يحجز فيها الحجاج قبل نزولهم إلى مصر، لتكشف عليهم السلطات الصحية، فتستوثق من خلوهم من الأمراض الخطيرة المعدية، التي قد تكون تسربت إليهم من حجاج آخرين جاءوا من قارات العالم.

وكان المكان مقسما إلى (حذاءات)، وكل حذاء مقسم إلى (عنابر)، والعنبر قاعة أو حجرة واسعة.

وقد حللنا في الأحذية الثلاثة؛ حذاء رقم (1)، وحذاء رقم (2)، وحذاء رقم (3)، أما حذاء رقم (4) فكان فيه قليل من الشيوعيين سبقونا إليه، وكان حظي أن أكون في حذاء رقم (2).

إمامنا الشيخ الغزالي.. كم سعدت بصحبته!!

بمجرد نزول الإخوان إلى أحذيتهم، كان أول ما فكروا فيه: أن ينشئوا في كل حذاء مسجدا، ويختاروا له إماما يؤم الإخوة في الصلوات الخمس.

ولم يكن المسجد إلا قطعة أرض معلمة ببعض الحجارة المحددة لمساحة المسجد، وتحدد محراب الإمام.

ومن حسن حظي أن كان إمامنا الشيخ محمد الغزالي؛ فقد مَنَّ الله –تعالى- عليّ أن كنت مع الغزالي في حذاء واحد، وأن يكون هو إمامنا في كل الصلوات.

وامتثالا للأمر النبوي: “إن كنتم ثلاثة في سفر فأمِّروا أحدكم”، واتباعا لمنهج السلف الذين كانوا في أسفارهم يختارون واحدًا منهم أميرا لهم، ويقولون: “هو أميرنا، أمّره علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-“، اختار الإخوان أميرًا لهم في المعتقل، هو أستاذنا (البهي الخولي) أكبر الدعاة الموجودين في المعتقل، ورفيق الأستاذ البنا، وصاحب (تذكرة الدعاة)، ولكن لم يطُل المقام بالأستاذ البهي، فاستُدعي إلى القاهرة للتحقيق معه في قضية تتعلق بالنظام الخاص، كما استُدعي الأستاذ عمر التلمساني المحامي الشهير إلى القاهرة أيضا، فاختار الإخوان أميرا آخر اجتمعت كلمتهم عليه هو الشيخ محمد الغزالي، الذي كان في بداية السنة الثانية والثلاثين من عمره، وكان يتوقد ذكاء وفتوة وغيرة وعزيمة.

مظاهرة الإخوان ضد سياسة التجويع

وقد لاحظ المعتقلون أن ما يُصرف لنا من أطعمة غير مقبول كَمًّا ولا كيفًا؛ فمن ناحية الكَمّ لا يكاد يعطى كل معتقل ما يشبعه، أو ما يقرب من الشبع، ومن ناحية الكيف كانت الأطعمة غاية في الرداءة.

ومن هنا خطب الشيخ الغزالي خطبة الجمعة، ثم قاد المعتقلين في مسيرة أو مظاهرة، تطالب بحقوقهم المنهوبة، وتشهر باللصوص الذين يتاجرون بأطعمة المعتقلين، وهتف الشيخ الغزالي ورددنا وراءه: “تسقط اللصوصية المنظمة.. تسقط سياسة التجويع”.

وبلغ القائد العسكري للمعتقل -ويسمونه (القومندان) واسمه عباس عسكر- ما جرى بعد صلاة الجمعة، وهيجان المعتقلين ومطالبهم، فجاء إلى المعتقل، ليفاوض ممثلي المعتقلين، ففاوضه الشيخ الغزالي وبعض الإخوة، واتفقوا على أن تتخلى قيادة المعتقل عن التصرف في الأشياء المصروفة للإخوان من قِبل الحكومة، وتسلمها إليهم (عينية)، ويتولى الإخوان طهيها وتوزيعها بأنفسهم.

وكانت معظم الأغذية جافة من الفول والعدس والفاصوليا الجافة والبطاطس، والحلاوة الطحينية، وعلب اللحم المجفف (البلوبيف) ونحوها. وقليل منها ما كان طازجا، ولكن الكميات كانت كافية ومشبعة، وخصوصا في يد الإخوان، وما كان يفضل من طعام يوصي الإخوان بالمحافظة عليه نظيفا ليعطى لأهل هذه المنطقة -أهل الطور- الذين كانوا في غاية الفقر والأمية والجهل، حتى إنهم لا يعرفون بديهيات الدين، ولا أن نبيهم محمد، وكأنهم منسيون في هذا الجزء المهم من الوطن من دولتهم، التي لا تعرف عنهم كثيرا ولا قليلا.

وكان كل حذاء يتسلم حظه من هذه الأطعمة حسب عدد الأفراد الذين فيه، ويتسلم كل عنبر مسؤولية الطهي والتنظيف يوما، ثم يسلمه للعنبر الذي يليه في اليوم التالي دوريا، ولهذا يقال: “عليه الدوري”.

معتقل الطور -أو قل: المخيم الدائم للإخوان-

كيف كنا نقضي يومنا في المعتقل؟

إن يومنا يبدأ من قبل الفجر بأكثر من ساعة، يستيقظ الإخوة تباعا استعدادا لصلاة الفجر، وقيام الليل، وما زلت أذكر أحد الإخوة، كان يمر على العنابر في السحر، وينشد بصوت ندي رخيم:

يا نائمًا مستغرقًا في المنامْ

قم فاذكر الحيّ الذي لا ينامْ

مولاك يدعوك إلى ذكره

وأنت مشغول بطيب المنامْ!

 وحين نسمع صوته ننهض من نومنا لنتوضأ، ويصلي من شاء منا ما يتيسر له، أو يتلو كتاب الله تعالى، أو يذكر الله كثيرا؛ فكانت العنابر إذا مررت عليها قبل الفجر وجدتها تدوي بالذكر وتلاوة القرآن كدوي النحل.

وما إن يؤذن الفجر حتى يهرع الجميع إلى المسجد لصلاة ركعتين قبل صلاة الفرض، ثم يتقدم الشيخ الغزالي ليصلي بنا، ويقرأ من القرآن ما توقف عنده وِرْدُه، كما هي عادته؛ فهو يقرأ من حيث انتهى.

واعتاد الشيخ أن يقنت بعد القيام من ركوع الركعة الأخيرة لا سيما من الصلوات الجهرية قنوت النوازل، الذي شرعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمن نزلت به نازلة من نوازل الدنيا، وكربة من كربها الكبيرة؛ أن يدعو الله في صلواته، كما كان -عليه الصلاة والسلام- يدعو للمستضعفين من أصحابه الذين يُؤذَون في مكة بعد الهجرة، كما كان يدعو على ظالميهم من مستكبري قريش.

وكان قنوت الشيخ أو دعاؤه مختصرا جامعا، يقول: “اللهم افكك بقوتك أَسْرَنا، واجبر برحمتك كَسرَنا، وتولَّ بعنايتك أَمرنا.. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا.. اللهم عليك بالظالمين”. هذا أكثر ما كان يدعو به.

وبعد صلاة الفجر وختام الصلاة نقرأ المأثورات، التي تحدثت عنها من قبل، ثم نجتمع في حلقات دراسة مع المشايخ حول بعض الموضوعات الدينية والعلمية؛ حلقة مع الشيخ الغزالي حول السيرة النبوية، وحلقة مع الشيخ سيد سابق حول الفقه، وأحيانا حلقات أخرى لبعض الأخوان، مثل الأستاذ عبد البديع صقر: “كيف ندعو الناس؟”.

وقبل طلوع الشمس ننفض من هذه الحلقات؛ كي يبدأ نشاط آخر، هو النشاط الرياضي؛ فإذا كانت الصلاة حق الروح، والحلقات الدراسية حق العقل؛ فالنشاط الرياضي حق الجسم، والإسلام يريد الروح النقي، والعقل الذكي، والجسم القوي. ودعوة الإخوان منذ قامت تعمل على تربية الشخصية المسلمة تربية متكاملة: روحيا بالعبادة، وعقليا بالثقافة، وجسميا بالرياضة.

وكان الذي يقود هذا النشاط الرياضي هو الأخ “محمد المهدي عاكف” الذي كان طالبًا في المعهد العالي للتربية الرياضية، وكان يعطينا التمرينات التي يسمونها (التمرينات السويدية)، ثم تمرينات الركض (الجري) والوثب والزحف، وغيرها، نستمر في ذلك صباح كل يوم نحو ساعة.

ثم ننصرف لتناول الفطور، وغالبا ما يكون من الفول أو العدس، أو نحو ذلك، ثم يقوم كل عنبر بتنظيف عنبره وتجميله، وإبرازه بأحسن مظهر ممكن؛ فإن الله جميل يحب الجمال، ويقوم العنبر المكلف بالطهي بواجبه اليومي، وتكون هناك ساعة حرة، كثيرا ما تقضى في القراءة، يعير الإخوان بعضهم بعضا ما معهم من كتب قليلة.

وأذكر أن الشيخ الغزالي كان يقرأ مع بعض الإخوان كتاب (مدارج السالكين، شرح منازل السائرين) للإمام ابن القيم، وكان قد اصطحبه الأخ القديم الشيخ “أحمد عبد الحميد”.

وكنا نحن ندرس معا -أنا والأخ الدمرداش والأخ مصباح- بعض الكتب المقررة علينا في السنة الخامسة الثانوية؛ أملا في أن يتاح لنا دخول الامتحان في وقته.

كما كان بعض الإخوان يقضون هذا الوقت أو بعضه في الزيارات وتعرف بعضهم على بعض؛ توثيقا لروابط الأخوة في الله، والحب في الله، الذي جاءت الأحاديث النبوية الشريفة تنوِّه به، وتشيد بفضل أصحابه، الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، حتى إن المتحابين في الله –تعالى- ليغبطهم الأنبياء والشهداء، وما هم بأنبياء ولا شهداء؛ لمكانهم من الله يوم القيامة، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور.

كما تجد في العنابر في ذلك الوقت من يصلي صلاة الضحى، وبخاصة من لم يُتحْ له أن يصلي قيام الليل لسبب من الأسباب.

فإذا جاء وقت الظهر هرع الإخوان إلى المسجد لصلاة السنة القبلية، ثم أدوا صلاة الظهر جماعة، لا يتخلف واحد إلا من كان مريضا أو له عذر. ثم بعد ختام الصلاة، وصلاة السنة البعدية يعود الإخوان إلى عنابرهم؛ ليتهيئوا لتناول وجبة الغداء.

وبعد وجبة الغداء تكون هناك قيلولة، يستعان بها على قيام الليل، وصلاة الفجر، وقد أشار إليها القرآن في قوله تعالى: {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم منَ الظَّهِيرَةِ} (النور: 58)، ومن لم يكن له رغبة في نوم القيلولة، شغل نفسه بشيء لا يشوش على إخوانه ويقلق راحتهم؛ فكل فرد يعتبر نفسه عضوا في جسم حي، يتأثر به، ويؤثر فيه، إذا اشتكى بعضه اشتكى كله؛ فهو يحرص على راحة إخوانه حرصه على نفسه؛ يسهر ليناموا، ويتعب ليرتاحوا، ويجوع ليشبعوا، ويجود بالشيء لإخوانه وهو محتاج إليه، وبهذا اقتربوا من النموذج الأول الذي تعلم في مدرسة النبوة، ودرج في حجرة الرسالة، وقام بهم المجتمع المثالي، الذي نزل القرآن مشيدا بمكانته ورفعة قدره عند الله حين قال: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (الحشر: 9).

وقبل العصر يهب الجميع مستعدين لصلاة العصر، وبعد صلاة الجماعة تبدأ فترة ثقافية جديدة، محاضرات يلقيها الدعاة من تأملاتهم ومخزون قراءاتهم، أو مما توافر عندهم من مراجع محددة.

وكان من المحاضرات التي استمتعنا بها في تلك الفترة: محاضرات الشيخ الغزالي عن (الإسلام والاستبداد السياسي)، وهي التي ظهرت بعد ذلك في كتابه المعروف بهذا الاسم، وأصله محاضرات الطور.

وكثيرا ما كنا نجتمع لننشد الأناشيد الإسلامية والإخوانية بصوت جماعي مؤثر يهز أوتار القلوب، مثل نشيد (العروبة) الذي أنشأه أديب العربية والإسلام الشاعر الثائر “مصطفى صادق الرافعي”:

ربَّنـا إيـاك ندعـو ربَّنـا

آتِنا النصرَ الـذي وعــدتنا

إننـا نبـغي رضـاك إننـا

ما ارتضينا غيرَ ما ترضى لنا

ونشيد (هو الحق) الذي أنشأه شاعر الإخوان وسكرتيرهم العام الأستاذ “عبد الحكيم عابدين” صهر الأستاذ البنا، وصاحب ديوان (البواكير)، وهو النشيد الذي كان يحفظه الإخوان ويرددونه باستمرار:

هـو الحـقُّ يحشـدُ أجـنادَه

ويعـتدّ للمـوقف الفاصـلِ

فصُـفُّوا الكـتائبَ آســادَه

ودُكُّـوا به دولـةَ الباطـلِ

*********

نبيَّ الهدى قد جفوْنا الكرى

وعِفْنَا الشهيَّ مـن المطعمِ

نهضنا إلى اللهِ نجلو السُّرى

بروعـةِ قـرآنِه الـمحكمِ

ونشهدُ من دبَّ فوق الثرى

وتحتَ السما عـزة المسلمِ

دعاةٌ إلى الحقِّ لسنا نرى

لـه فـديةً دون بذل الدمِ

ومنه في وصف الإخوان:

رقاقٌ إذا ما الدجى زارنا

غمرْنا محاريبَنا بالحـزَنْ

وجندٌ شدادٌ، فمن رامنا

لبأسٍ رأى أُسُـدنا لا تَهِـنْ

ونشيد آخر ألفه الشيخ “أحمد الباقوري”:

يا رسول الله هل يرضيك أنَّا

إخوةٌ في اللـهِ للإسلامِ قُمْنا

ننفضُ اليوم غبارَ النومِ عنَّا

لا نهابُ الموت، لا بل نتمنَّى

أن يرانا الله في ساح الفداء

إن نفسًا ترتضي الإسلام دينًا

ثم ترضى بعده أن تستكينـا

أو ترى الإسلام في أرض مهينا

ثم تهوى العيشَ.. نفسٌ لن تكونا

في عداد المسلمين العظماء

وقد اعترض الإخوة السلفيون من بعد على هذا النشيد: أنه يتوجه بالرضا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والمسلم إنما يعمل لإرضاء الله وحده، ولهذا كان بعض الأخوة يغيّرون في صيغة هذا النشيد، ويقولون: “يا إله الكون هل يرضيك عنا…؟” ولا ريب أن هذا أسلم وأبعد عن كل شبهة، فإنما يكون الرضا لرسول الله مقترنا بالرضا لله لا منفردا، كما قال تعالى: {وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ} (التوبة: 62).

وقد كان من شعارات حسن البنا: “الله غايتنا”؛ أي رضا الله وحده هو غايتنا، وليس رضا أحد سواه، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام: 162، 163).

ومما كنا ننشده أناشيد من شعر الضابط “عبد الباسط البنا”، شقيق الإمام الشهيد الذي اعتقل معنا، وألّف جملة أناشيد منها:

يا ظلام السجن خَيِّمْ نحن لا نخشى الظلامَا

ليس بعـد الليل إلا نورُ فجـرٍ يتسامـى

ومنها:

اللهُ أكبر في سبيل الله أُدخلنا السجونْ

اللهُ أكبر وليكن بعد الحوادث ما يكونْ

لا نستعين بغير ناصرنا، وما نلقى يهون

ومنها:

حسن البنا، حسن البنا ما غاب بطلعته عنا

وبعد صلاة المغرب يتلو الإخوان (مأثورات) المساء، وبعض الإخوان كانوا يتركونها في بعض الأوقات حتى لا يظن وجوبها من ناحية، وعملا بما رجحه الإمام “الشاطبي” من عدم الالتزام بالعبادات على صورة معينة، إلا إذا ألزم بها الشارع، وبعض الإخوة كان يغير في صورة المأثورات، ولا يلتزم الترتيب الذي ذكره الأستاذ البنا؛ لأنه ترتيب غير مقصود، وإنما جاء اتفاقا.

بعد المغرب يتناول الجميع وجبة العشاء من أطعمة خفيفة، مثل الجبنة أو الحلاوة أو الزيتون أحيانا، ونحو ذلك.

ثم نختم اليوم بصلاة العشاء، وبعد صلاة العشاء بقليل يُطلب إلى الجميع النوم، فلا سمر بعد العشاء، إلا أن يكون هناك مناسبة معينة يراد الاحتفال بها، أو حفل سمر خفيف يُراد به الترفيه عن الإخوان، كما ورد: “روحوا القلوب ساعة بعد ساعة؛ فإن القلب إذا أكره عمي”، أو “إن القلوب تملّ كما تملّ الأبدان؛ فابتغوا لها طرائف الحكمة”. وقد كان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا، وكان أصحابه يمزحون، ولهم في ذلك وقائع وطرائف تحكى.

كما كنا نسمع أزجالا طريفة من بعض الإخوان، منها القصيدة الزجلية الشهيرة (ليه وليه) وهو تقول:

ليه وليه، عملنا إيه، يا حكومة يا ظالمة، جرى لك إيه؟

أنا كنت قاعد جُوّا البيت.. دخل عليّ كم عفريت.

وفتشوني وقالوا: جنيت! يا متهم، قلت لهم: إيه؟!

قالوا لي: إنت من الإخوان.. وضبطنا في بيتك قرآن.

ومأثورات وسبحة كمان. مربّي ذقنك. جاوب: ليه؟

بتصلي من غير إذن بوليس. وتصوم الإثنين من غير ترخيص

وعلى صلاة الفجر حريص، والمصطفى بتصلي عليه، ليه وليه.

 ومنها:

في الصبح نفطر عدس وفول… أما الفاصوليا دي على طول.

يـا إخوانا محنة وبكـرة تزول… وكل ظـالم ورده عليه.

لـيــه ولـيــه.

وإلا فالأصل أن ننام مبكرين، لنستيقظ مبكرين، غير متعبين، وهذا هو الأصل في نظام الحياة اليومي عند المسلمين، قبل عصر الإعلام والتلفزيون والمسلسلات.

وكان شعارنا ما تعلمناه في الكتائب الإخوانية: “نم وأنت يقظان، وتيقظ وأنت نائم”، ومعنى “نم وأنت يقظان”؛ أي: عندما يطلب من الجميع النوم فعليك أن تنام؛ أي تتكلف النوم، وإن كنت في الحقيقة يقظان؛ حتى لا توقظ جيرانك أو تقلقهم. ومعنى “تيقظ وأنت نائم”: أن تكون متأهبا -وأنت مستغرق في نومك- لتقوم بخفة عندما ينادي المنادي طالبا اليقظة والقيام.

ليت شعري هل ترى حياة أطيب وأمثل من هذه الحياة؟! وهل ترى مجتمعا أرقى وأتقى من هذا المجتمع؟ وهل ترى يوما حافلا بكل ألوان الحق والخير والجمال والمثالية مثل أيام المعتقلين في الطور؟

لقد حول الإخوان معتقل الطور إلى جامع للعبادة، وجامعة للعلم، وجمعية للتعاون، ومنتدى للثقافة، وناد للرياضة، وملتقى للتعاون والترابط، وبرلمان للتشاور والتفاهم، وعاشوا تلك الفترة من حياتهم متعاونين على البر والتقوى، متواصين بالحق والصبر، متواسين في السراء والضراء، متآخين في الحق والخير، متعاهدين على الثبات على الدعوة في العسر واليسر، ولا عجب أن قلنا بحق: “معتقل الطور هو المخيم الدائم للإخوان المسلمين لسنة 1949؛ السفر والمصاريف، والنفقات، والتكاليف، على حساب الحكومة المصرية!”

ولقد صورت معتقل الطور في قصيدتي النونية التي ألقيتها بعد خروجنا من المعتقل في ميدان السيدة زينب بالقاهرة، وكان منها:

يا قـوم قد أيَّد التاريخ حجتنا وحصحص الحق للمستبصر الآنا

إنا أقمنا على إخلاص دعوتنا وصـدقنا ألف برهـان وبرهـانا

لقد نَفَوْنا فقنا: الماء أين جرى يُحيي الموات ويروي كـل ظمآنا

قالوا: إلى السجن، قلنا: شعبة فُتحت ليجمعونا بها فـي الله إخـوانا

قالوا: إلى الطور، قلنا: الطور مؤتمر فيه نقرر مـا يخشاه أعـدانا

فهـو المصلى نزكـي فيه أنفسنا وهـو المصيف نقـوي فيه أبدانا

معسكر صاغنا جندا لمعـركـة ومعهـد زادنا بالحق عـرفـانا

من حرموا الجمع منا فوق أربعة ضموا الألوف بغاب الطور أسدانا!

رامـوه منفى وتضيقا فكـان لنا بنعـمة الحـب والإيمـان بستانا

هذا هو الطور شاءوا أن ندوب به وشـاء ربـك أن نزداد إيمـانا

كيف حافظنا على نفسيتنا في هذه الظروف؟

وكان مما يشد ظهر الإخوان، ويضيء الطريق أمامهم إيمانهم بأنهم على الحق، وأنهم لم يقوموا بدعوتهم لدنيا أو غنيمة، إنما قاموا قومتهم للإسلام؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلى، لم يرضوا أن يكون لليهودية من يتحمس لها ويعمل لإحياء مجدها، وإقامة دولة لها في عقر دارنا بعد آلاف السنين، وأن يكون للنصرانية من يبشر بها، وينشرها في أنحاء العالم، حتى في بلاد المسلمين، وأن تكون لها جيوش من المبشرين والمبشرات، وأن يكون للشيوعية من يؤمن بها، ويستعذب عذاب السجن والنفي من أجلها، ولا يوجد للإسلام من يحمل دعوته، ويحتضن قضيته، ويحيي أمته، ويرفع رايته!.

لقد قال رجل أجنبي درس الإسلام وأعجب به: ياله من دين لو كان له رجال! فأراد الإخوان أن يكونوا هم هؤلاء الرجال، قد يكونون أخطؤوا أثناء مسيرتهم، أو ارتكبوا بعض ما لم يكن يجوز أن يرتكب، ولكنهم بشر يجتهدون في خدمة الإسلام ليسوا معصومين، وهذا كله لم يمس جوهر الدعوة وأصول الفكرة، وأهدافها الأساسية؛ لهذا كانوا مؤمنين أعمق الإيمان وأوثقه أنهم أصحاب حق، وأنهم منتصرون في النهاية، وأن العاقبة الحسنى لهم، وإن أصابهم ما أصابهم من لأواء؛ فهذه سنة الله في الدعوات {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} (البقرة: 214).

وكانوا يؤمنون -بما تعلموه من كتاب الله- أن النصر أقرب ما يكون، حين تتفاقم الأزمات، وتضيق الحلقات، ويشتد البأس، وصدق الله العظيم إذ يقول: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (يوسف: 110).

كان هذا الأمل الباسم هو الذي يفتح لهم نوافذ النور كلما ادلهمَّ الظلام، وهم يقرؤون قول الله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} (الانشراح: 5، 6)، ويقول ابن مسعود: “لو دخل العسر جحرا لتبعه اليسر حيث كان”. وأقرب ما يكون اليسر إذا غلب العسر وتمادى، كما قال الشاعر:

اشتدي يا أزمة تنفرجي قد آذن ليلك بالبلج

وقال الآخر:

ولـرُبّ نازلةٍ يضيق بها الفتى ذرعًا، وعند الله منها المخرجُ

ضاقت، فلما استحكمت حلقاتُها فُرجت، وكنت أظنها لا تفرجُ

 حياة وحياة

كانت هذه حياة الإخوان في معتقلهم: علم وعمل، وإيمان وأمل، وحب وإخاء، وتلاوة ودعاء، ولا يعرف قيمة هذه الحياة إلا من رأي حياة الشيوعيين بجوارنا في حذاء رقم (4)، وقد ابتلي بعض إخواننا بالعيش معهم عدة أيام، مرت عليه كأنها أعوام.. إنها حياة جافة ليس فيها روح، يائسة ليس فيها أمل، أنانية ليس فيها إخاء، ولا يعرف إليها الإيثار سبيلا، كل يقول: “نفسي نفسي”، يتقاتلون على أدنى شيء، وكيف لا وقد فقدوا النور الذي يهدي، والروح التي تحيي: نور الإيمان، وروح اليقين بالله والدار الآخرة.

إن المؤمن إذا ضاقت به الدنيا، اتجه إلى ربه الذي خلقه وسواه، يدعوه ويتضرع إليه، ويقول: “يا رب، يا رب، يا رحمن يا رحيم، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام”.

يا مـن ألـوذ به فـيما أؤمِّلُـهُ ومن أعـوذُ به مما أحـاذِرُهُ

ولا يجير الناسُ عظمًا أن كاسرُهُ ولا يهيضون عظمًا أنت جابرُهُ

 ولكن الشيوعي القُحّ، الذي يجحد كل ما وراء الحس، وما بعد الطبيعة، ويعيش سجين الفكرة المادية الجدلية أو المادية التاريخية، إلى من يلوذ؟ وبمن يعوذ؟ وبأي حبل يعتصم؟ وإلى أي ركن يرتكن؟ ومن أي كوة تنفذ إليه أشعة الرجاء، وقد سد كل الكوى، وأغلق كل المنافذ، وأطفأ كل المصابيح؛ فأمسى {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى} (الأنعام: 71).

إن الإنسان بلا إيمان يهديه، أشبه بغريق نجا من سفينة تحطمت؛ فهو وإن أحسن السباحة، كيف يغالب البحر، والبحر يغلبه؟ وكيف يصارع الموج، والموج يصرعة؟ إنه سيظل يهبط ويطفو دون أمل في أن يجد شاطئا يرسو عليه، أو قاربا ينجو به، حتى تخور قواه، ويبتلعه اليم.

إن صبر الإخوان على محنتهم، وثباتهم على دعوتهم، وتماسكهم فيما بينهم، واستفادتهم من هذه المحنة ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، كل ذلك لم يأت اعتباطا، بل كان نتيجة تربية إيمانية طويلة المدى، راسخة الدعائم، عميقة الجذور، وصلتهم بكتاب الله تعالى، وسيرة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وصُقلت معادنهم في حلقات (الأسر الإخوانية) وتضامنها وتدارسها وتعاونها، وفي سهرات (الكتائب) التي يقضون فيها الليل معا يصلون العشاء جماعة، ويتعشون عشاء خفيفا، ويتلقون بعض الدروس من بعض الدعاة، ثم يخلدون إلى النوم، مع حراسة دورية، وفي السحر ينهضون لقيام الليل، يبيتون لربهم سجدا وقياما، {يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} (الفرقان: 65). ثم يصلون الفجر في جماعة، ويقرؤون المأثورات، ويستمعون إلى كلمة توجيهية ربانية، ثم يقومون إلى التمرينات الرياضية، ثم يتناولون الفطور وينصرفون.

وفي المخيمات التي تضم أعدادا أكبر وتستمر أياما أطول، ما بين عبادة وثقافة ورياضة، وتعود على حياة الخشونة والقناعة في المأكل والمشرب والمسكن والمنام، متمرنين على حياة الجندية والطاعة والنظام، والتضامن والإيثار.

“العكننة” و”البسابس”.. بالضحك والابتسام كل شيء على ما يرام

ومع هذه الحياة العامرة بالرضا والتفاؤل والأمل، حياة المنفى أو المعتقل الذي حوله الإخوان -بنعمة الحب والإيمان- بستانا كما ذكرت.. كان هناك أفراد قليلون لم يصبروا على المعتقل، ولم يرضوا به، ولم يكيفوا أنفسهم وفقا للحياة الجديدة، والناس تتفاوت طاقاتهم في الاحتمال؛ فمنهم من يقارع الأهوال ولا يبالي، ويواجه الأحداث كالطود الأشم، ومنهم المتوسط الاحتمال، ومنهم من لا يحتمل أي مكروه يصيبه.

وكان من هؤلاء الذين قلّ احتمالهم، وعز عليه فراق أهليهم أخونا وصديقنا الداعية الطنطاوي الأستاذ “حسني الزمزمي”، الذي تحدثت عن موقفه ونحن في سجن طنطا، وقد وصل معنا إلى الطور، ولكنه لم يُخف تبرمه بالمعتقل، وضجره منه، وانضم إليه نفر قليل على شاكلته، سماهم الإخوان (لجنة العكننة) ورئيسها الأستاذ الزمزمي.

والحق أن لجنة العكننة كانت مصدر ترويح وفرفشة للمعتقلين؛ فقد كان الأستاذ الزمزمي رجلا فَكهًا خفيف الروح بطبيعته وبطريقته، وكان إذا ناداه أحد: “يا أستاذ زمزمي”، يرد عليه بقوله: “إن شاء الله خرَّاب يتعمي” و(خراب) هذا لقب (عبد الرحمن عمار) وكيل وزارة الداخلية، الذي كتب المذكرة المسمومة لحل الإخوان، فسماه الزمزمي (خرابا).

وكان له أرجوزة نظمها في “سعد الدين السنباطي” الذي اعتقله في طنطا، ومطلعها:

يا رب أخزِ الظالم السنباطي واجعله في كل الأمور واطي

يا رب واجعل كيده في نحره ورد سـم سـهمه لـصدره

 وكان الإخوة -ولا سيما أهل العلم والأدب منهم- كلما سمعوا أرجوزته أضاف إليها كل منهم بيتا من عنده.

إلا أن العكننة الحقيقية كانت تتمثل في وجود عدد من العملاء والجواسيس، زرعتهم الحكومة وجهات الأمن زرعا في أوساط الإخوان، سماهم الإخوان (البسابس) مهمتهم أن يتجسسوا على الإخوان، وينقلوا أخبارهم أولا بأول إلى الحكومة، وليس عند الإخوان ما يُتجسس عليه؛ فكل أمورهم وأنشطتهم في وضح النهار، ولم يطق هؤلاء البسابس الحياة الروحية للإخوان، واستيقاظهم لصلاة الفجر، وحرصهم على الصلوات، ولهذا سرعان ما انكشف هؤلاء؛ فالإخوان ينهضون للصلاة وهم نائمون، وفي يوم كان الإخوان يصلون وهم يهتفون “عاش جلالة الملك”؛ وهو ما أثار حفيظة الأخ الشهم “إبراهيم كروم” فتوة القاهرة المعروف، الذي جمع عددا من الشباب الأقوياء، وانهالوا على هؤلاء (البسابس) ضربا حتى أصابوهم بجراح، وعملت قضية للحاج كروم، وعلمت أنه حُكم عليه فيها -بعد خروجه من المعتقل- بستة أشهر.