ناهد إمام – الكويت

26/07/2001 

“جاسم” طفل عمره تسع سنوات، لا يتناول وجبة العشاء يوميا، فيكفيه الإفطار والغداء. “مبارك” طفل آخر لا يتجاوز عمره 10 سنوات، يقول عن نفسه: “زملائي في المدرسة يضحكون مني ويعيرونني بقولهم: “يا بدون”. أما محمد (13 سنة) فهو يحاول أن يجمع قيمة الرسوم المدرسية من خلال عمله الصيفي لدفعها للمدرسة، وإلا فإن الطرد والتشرد في انتظاره.

اللافت للنظر

في الكويت، وحيث يستمر القيظ لِمَا بعد العصر، كنت أرى هؤلاء الأطفال في إشارات المرور يتصببون عرقا، ويتجولون بين السيارات الفارهة المكيفة لبيع زجاجة من العطر.. ورغم أن الظاهرة بادئة في الظهور والانتشار، فإنها تلفت الانتباه بقوة في بلدٍ واقعُه هو ارتفاع المستوى الاقتصادي والوفرة النفطية.

بيقين ليس معه شك، هؤلاء الأطفال ليسوا كويتيين، هكذا كنت أتحدث إلى نفسي.. اقتربت منهم قليلا، فقالوا لي: “نعم نحن بدون”!!

قد يأتي عليّ الدور

ومع “جاسم” صاحب الوجه الطفولي الشاحب يحكي قصته فيقول: والدي يعمل موظف بدالة، ولا يتقاضى شهريا أكثر من 150 دينار، وهي قيمة راتبه عن دوامين (فترتين)، ولي من الإخوة والأخوات أربعة غيري، وبالكاد يكفينا الطعام الذي يحضره والدي للإفطار والغداء، وأحيانا الغذاء فقط.. ويقاطعه مبارك قائلا: وأنا أيضا والدي لا يعمل حاليا، ومنذ أن وُلدت بالكويت كنت أسمع كلمة “بدون” كثيرا في بيئتي، وعندما ذهبت إلى المدرسة بدأت أشعر بالتفرقة، وكلمات زملائي تطاردني، وكأنهم يشتمونني بقولهم: “يا بدون”. ويتفق معه “محمد”، ويضيف: أخي الأكبر طرد من المدرسة العام الماضي؛ لأن والدي لم يستطع دفع الرسوم لنا جميعا، وأنا أخاف أن يأتي عليّ الدور في العام القادم!!.

نحن.. البدون

هؤلاء الأطفال وغيرهم هم أطفال الشوارع في الكويت من فئة غير محددي الجنسية، والتي تُعرف هنا بـ “البدون”، لا تجد من بينهم الطبيب أو المهندس أو أيا من أصحاب المراكز العلمية والاجتماعية، وإنما هم للوظائف الدنيا أو يغلب عليهم الأمية!.

ويبلغ عددهم بالكويت طبقا لبيانات هيئة المعلومات المدنية 220 ألف نسمة في يونيو 1990 انخفض إلى حوالي 118 ألف نسمة وفقا لآخر الإحصائيات في إبريل 1993 منهم 55% من دون سن الخامسة عشرة، ويصل معدل الإعالة في عائلاتهم إلى 7 أفراد في المتوسط، وتبلغ نسبة من هم دون التعليم المتوسط 87% من هذه الفئة ليحتلوا بذلك كله أدني درجات السلم الاجتماعي في الكويت، مقارنة بالكويتيين والوافدين المقيمين.

القزم أصبح عملاقا

“هذا ما كنا نتوقعه”.. هكذا جاء تعليق الدكتور “يوسف غلوم” الأستاذ بكلية العلوم الاجتماعية- قسم الاجتماع، معلقا على ظاهرة أطفال الشوارع من البدون في الكويت، ويقول: “لا بد من ظهور المشكلات السلوكية لمن ينتمي إلى شريحة يعاني أبناؤها من انعدام الموارد الخاصة بالموارد التعليمية، وعدم توفير الرعاية الصحية اللائقة، بالإضافة إلى سكنهم في مناطق مكتظة بالسكان، ولا تتوافر بها الخدمات الإنسانية، وهذه المناطق هي: الجهراء – الصليبية – جليب الشيوخ، هذا غير المعاناة النفسية من جراء الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، فلا مانع عندها إذن من أن يستخدم الأب ابنه لتحصيل القوت؛ فهؤلاء تنقصهم حتى ضروريات الحياة الأساسية في بلدٍ، الطبيعي فيه هو الوفرة الاقتصادية، وقد ينبح هؤلاء الأطفال في استدرار عطف الآخرين، فيعطونهم، ولكن يظل الحقد موجود؛ لأن الفوارق الطبقية شاسعة جدا.

ويضيف الدكتور غلوم قائلا: أخشى أن يؤدي الإمساك بهؤلاء الأطفال من قبل الشرطة، ومنعهم من التجول ببضاعتهم الخفيفة تلك بين المارة، إلى حدوث ما هو أخطر من ذلك، فقد يكون هؤلاء مشروعات للمخدرات والسرقة والجرائم في المجتمع حاليا ومستقبلا إذا لم نجد لهم ولذويهم حلولا وبدائل أكثر عدلا وواقعية.

غادرت الدكتور يوسف وفي طريق العودة رأيت مرة أخري جاسم ومبارك ومحمد وما زلت كلمات جاسم الطفولية وبلهجة كويتية ترن في أذني وهو يقول معاتبا: “ليش تكلميني أنا تعالى، أروايك الكويتي من سني ما يعرف غير ما أبي .. وكيفي!! “أى ما أبغي= ما أريد”.

وليبقي أطفال الشوارع في الكويت هم أطفال البدون حتى إشعار آخر.

اقرأ أيضًا: