10/7/2001

محمد جمال عرفة – القاهرة

 

مبنى نقابة الصحفيين

تقتطع النقابات مساحة هامة في الحياة العامة المصرية تمارس فيها دورًا مؤثرًا لا يمكن إغفاله، فهذه التشكيلات التي تعبِّر عن مختلف الفئات المهنية تحظى بثقل يفوق حضور الأحزاب التقليدية في الخارطة السياسية المحلية. وإن أمكن تعميم هذا الاستنتاج على عموم الأطر النقابية في مصر، فإنّ الأمر سيكون أكثر وضوحًا إذا ما تعلّق بنقابة الصحفيين التي شهدت أوائل يوليو 2001 انتخابات؛ لاختيار نقيب جديد فاز فيها النقيب الحالي إبراهيم نافع للمرة السادسة.

فما هي خلفيات نشأة نقابة الصحفيين في مصر؟ وما طبيعة الأزمات التي عصفت بهذه النقابة التي تُوصف بأنها “مؤشر الحريات في مصر”؟ وماذا عن المواقف الحكومية والحزبية من نقابة الصحفيين التي تُعَدّ من أهم الأطر النقابية المصرية وأكثرها سخونة؟ وكيف نظر الصحفيون المصريون إلى ملف الحريات الذي يعنيهم بالدرجة الأولى؟

سنحاول الإجابة على هذه التساؤلات عبر المحاور التالية:

تاريخ الممارسة الصحفية في مصر

عرفت مصر الطباعة، ومعها الصحافة، لأول مرة في نهاية القرن الثامن عشر، عندما دخلت المطبعة إلى مصر أثناء الحملة الفرنسية، ولكن ذلك لم يكن إيذانًا بالانطلاق الفوري “للصحافة المصرية” بالمعني الحقيقي للكلمة؛ إذ إنّ أول صحيفة أصدرها الفرنسيون في مصر في ذلك الوقت كانت صحيفة بلغتهم وخاصة بهم، وحملت اسم “لوكورييه دي ليجيبت”، كما أصدروا أيضًا مجلة “لاديكاد إجيبسين”؛ لتكون مخصصة لعلماء الحملة الفرنسية، هذا بالإضافة إلى عشرات المنشورات باللغة العربية التي أصدرتها مطبعة الحملة الفرنسية.

وبعد مُضِي ربع قرن على جلاء الفرنسيين عن مصر، وبعد أن أصبحت مصر تمتلك مطبعة كبيرة، أصدرت حكومة “محمد علي” باشا والي مصر آنذاك أول صحيفة مصرية حقيقية رسمية باسم “الوقائع المصرية”، التي لا تزال موجودة حتى الآن وتُنشر فيها قرارات الحكومة والرئاسة المصرية والقوانين، ولكنها توزَّع بشكل محدود على بعض المكتبات والمصالح الحكومية.

وصدر العدد الأول من جريدة الوقائع في الثالث من كانون الأول (ديسمبر) 1828؛ لتصبح أول صحيفة مصرية وعربية وإسلامية، وصدرت الصحيفة باللغتين العربية والتركية، وكانت تُوزَّع على موظفي الدولة، وضباط الجيش، وطلاب البعثات.

وشهدت “الوقائع المصرية” قفزات متلاحقة؛ بدأت بتطويرها بشكل كبير على يد رفاعة الطهطاوي عام 1842؛ لينهض بها بشكل واضح في الشكل والمضمون والأسلوب، حتى أن رجال الدولة آنذاك خشوا منها، فنفوا الطهطاوي إلى السودان. كما توقفت الصحيفة في عهد الخديوي سعيد باشا بين عامي 1854 و1863، وتوقفت معها صحيفتان أخريان عسكرية وتجارية كانتا قد صدرتا بعد الوقائع بسنوات.

واستدعى الاحتلال البريطاني لمصر ابتداء من سنة 1882 وما بعدها ازدهارًا حقيقيًّا للصحافة المصرية؛ إذ نشطت الصحافة الشعبية التي تنتقد الممارسات الاحتلالية وتحثُّ على الاستقلال، وانتهى عهد الصحافة الحكومية عندما تحولَّت “الوقائع المصرية” بدورها على يد الشيخ محمد عبده إلى صحافة شعبية يومية.

وكانت أول الصحف الشعبية التي ظهرت في مصر هي “وادي النيل”، وتتابع إصدار الصحف غير الحكومية، وكان أهمها: “الأهرام” التي أسسها سليم وبشارة تقلا عام 1876، و”الوطن”، ثم “مصر”، و”التجارة”.

كما اشتهرت صحيفة “التبكيت والتنكيت” التي أصدرها عبد الله النديم عام 1881، وتحولت إلى لسان حال للثورة العُرابية المصرية لينقلب اسمها إلى “الطائف”.

ومن أشهر الصحف التي وقفت ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر “المؤيد” لصاحبها الشيخ علي يوسف، و”المقطم” و”اللواء” اللتان أصدرهما الزعيم مصطفى كامل.

وفي أعقاب ثورة 1919 التي قادها سعد زغلول صدرت العديد من الصحف والمجلات الشعبية والحزبية، أشهرها: “الأخبار”، “السياسة”، “البلاغ”، “كوكب الشرق”، “الجهاد”، “المصري”، “الكشكول”، “آخر ساعة”.

أما المرحلة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى ثورة 1952 فقد شهدت صدور العديد من الصحف؛ التي لا يزال بعضها موجودًا حتى الآن مثل “أخبار اليوم”، “اللواء الجديد”، “الإخوان المسلمون”، “آخر لحظة”، “الكاتب المصري”، “الكتاب”.

وقد نشأت نقابة الصحفيين المصرية في 31 آذار (مارس) 1941، وكان عدد الأعضاء الذين حضروا الاجتماع الأول لها 110 أعضاء من بين 120 عضوًا هم إجمالي أعضاء النقابة في ذلك الوقت.

ويربو العدد الحالي لأعضاء النقابة على أربعة آلاف صحفي، منهم حوالي ثلاثة آلاف من العاملين، وأما العدد المتبقي من الأعضاء فهو من الصحفيين المتقاعدين.

ولم يَكُن للنقابة حتى نهاية العام 1941 مقرًّا يجتمع فيه أعضاؤها، فكانت تعقد اجتماعاتها في دُور الصحف، مثل “الأهرام” و”البلاغ” و”المصري”. ولكنها افتتحت في 11 شباط (فبراير) 1944 أول مقرٍّ رسمي لها بالقاهرة، ثم انتقلت في 31 آذار (مارس) 1949 إلى مبناها الحالي الذي هُدم وجارٍ بناؤه الآن على أحدث مستوى، ويُنتظر افتتاحه في العام القادم 2002 في شارع عبد الخالق ثروت بوسط القاهرة.

الصحفيون المصريون وملف الحريات

ارتبط تاريخ الصحافة ونقابة الصحفيين المصريين بالحريات بشكل وثيق، خاصة أنّ مهنة الصحافة تطوَّرت أساسًا في مصر مع فترات الازدهار الوطني ومحاربة القوى الاستعمارية في عهد محمد علي وما بعده، وكذلك في عهد الاحتلال الإنجليزي لمصر والدعوات للاستقلال والحرية للشعب المصري.

ولذلك ارتبط تطور النقابة بقضية الحريات، ولم يشهد تاريخها سوى الانتقال من طور في النضال من أجل الحريات، وخاصة الصحفية منها، إلى طور آخر. ودخلت النقابة بسبب ذلك مراحل من الصدام مع الحكومات المختلفة دفاعًا عن حرية الصحافة والصحف والصحفيين، خصوصًا في أعقاب ثورة 23 تموز (يوليو) 1952 التي شهدت نوعًا من تقييد حرية الصحافة وإغلاق عشرات الصحف المستقلة، بدعوى أنها صحف أحزاب ما قبل الثورة الملغاة في العهد الجديد.

خلال ذلك؛ كانت التطورات التي طرأت على أوضاع الصحافة والصحفيين دليلاً على استمرار القيود على الممارسة الديمقراطية أو انفراجها، ومؤشرًا على الحالة الديمقراطية في البلاد.

وكان قد تميّز العهد الناصري بسيطرة التيار اليساري والقومي على الوسط الصحفي والنقابي عمومًا، بفعل المدِّ الاشتراكي الذي اجتاح المنطقة والعالم في ذلك الوقت، بينما كان التيار الإسلامي قد تلقَّى ضربات شديدة في ذلك العهد الذي ازدحمت فيه السجون بالمعتقلين السياسيين، وتم فيه إعدام العديد من القياديين الإسلاميين.

لقد ظلَّ مجلس النقابة حكرًا على التيارين القومي واليساري طوال فترة حكم الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، وأما في عهد الرئيس حسني مبارك فقد طرأ تحول غير مسبوق عندما أصبح هناك عضوان من الإسلاميين في مجلسها من بين اثني عشر عضوًا.

وارتفع حضور الإسلاميين في انتخابات مجلس النقابة الأخيرة عام 1999 إلى ثلاثة أعضاء في المجلس. وكان يمكن أن يفوز في تلك الجولة إسلامي رابع هو الصحفي محمد عبد القدوس، عضو جماعة الإخوان المسلمين ونجل الكاتب الشهير إحسان عبد القدوس، لولا اعتذاره عن عدم الترشيح في هذه الانتخابات. وبهذا أصبح للإسلاميين ربع مقاعد المجلس الحالي ولأول مرة منذ نشأة النقابة.

ومع تولي الرئيس أنور السادات الحكم في 1970 بدأ نوع آخر من الصدام بين السادات، الذي كان في العهد الناصري صحفيًّا ورئيسًا لتحرير صحيفة “الجمهورية” الرسمية الموجودة حاليًا، والعناصر اليسارية في الصحف، بسبب نقد الأخيرة لخطواته التي اعتبرتها مخالفة للمرحلة الناصرية.

وترتب على هذا الصدام تحويل عدد غير قليل من هؤلاء الصحفيين إلى وظائف حكومية بعضها لا علاقة له بالصحافة، لكنّ انفراجًا نسبيًّا طرأ عقب حرب تشرين أول (أكتوبر) 1973 وإطلاق سياسة “الانفتاح” على المسارين الاقتصادي والسياسي.

ويمكن القول: إن الحريات الصحفية عادت نسبيًّا مع نشأة الأحزاب المصرية في النصف الأول من السبعينيات، عندما سُمح بصدور صحف للأحزاب التي نشأت في ذلك الوقت مثل صحف “الأحرار”، “الأهالي”، “الشعب”، “الوفد”، وهي التي تتبع لأحزاب الأحرار الليبرالي، ثم التجمع اليساري، ثم العمل ذي التوجه الإسلامي، ثم الوفد، على التوالي.

وتميزت هذه المرحلة كذلك بالسماح بإصدار عدد من المجلات الإسلامية واليسارية المرتبطة بأشخاصها، والتي أُغلق بعضها عقب وفاة أصحاب تراخيصها مثل “الاعتصام”، و”الدعوة”، وكانت الأخيرة تصدر عن جماعة “الإخوان المسلمون”، واضطرت لمتابعة صدورها خارج مصر.

ومع دخول مصر حقبة التطبيع مع الدولة العبرية، عقب اتفاقيات كامب ديفيد 1977، بدأ صدام بين الصحف الحزبية والإسلامية من جهة، والسلطة من جهة أخرى؛ بسبب النقد اللاذع لمعاهدة الصلح المثيرة للجدل.

وترتب على ذلك عودة التضييق إلى هامش الحريات الصحفية المتاح، مثل مصادرة أعداد بعض الصحف والمجلات، مثل “الأهالي” اليسارية و”الدعوة” الإسلامية، وانتهى الأمر إلى إغلاق هذه الصحف في أيلول (سبتمبر) 1981 ضمن قرارات الرئيس السادات الشهيرة التي تضمنت اعتقال المئات من رموز الحركات اليسارية والإسلامية والمستقلين في مصر.

وعندما تولَّى الرئيس محمد حسني مبارك السلطة في 1981 عقب اغتيال الرئيس السادات في حادثة المنصَّة الشهيرة، أبدى قدرًا كبيرًا من المرونة مع الحريات عمومًا، وسمح بعودة الصحف المصادرة والصحفيين المفصولين، وبممارسة النقد بشكل لم يكن متاحًا منذ ثورة 1952. بيد أنّ الصحفيين ظلوا يَشْكون من قيود مفروضة على حرية الصحافة؛ أبرزها قانون الطوارئ، واستمرار حبسهم؛ استنادًا لقوانين جنائية بعضها صدر في عهد الاحتلال الإنجليزي لمصر، فضلاً عن عدم السماح بصدور الصحف المستقلة المملوكة لأشخاص وإغلاق الصحف والمجلات التي تُوفِّي أصحابها.

وكانت أبرز الأزمات التي ظهرت بين النقابة والحكومة في العقدين الماضيين قد تمثلت في: أزمة قانون تشديد عقوبات جرائم النشر، وصدور القانون الموحَّد للنقابات المهنية، وفرض القيود على الصحف المستقلة والحزبية، إلى جانب أزمة “سن الـ 60″، علاوة على استمرار سياسة اعتقال الصحفيين على خلفية مهنتهم.

القيود القانونية والتشريعية على الصحافة

ويمكن تقسيمها إلى:

1 – أزمة القانون رقم (93):

كان إدخال الحكومة لتعديلات على قوانين الصحافة في العام 1993 إيذانًا باندلاع أزمة ضارية هي الأعنف منذ سنوات طويلة سبقت ذلك، فالتعديلات التي أقرَّها مجلس الشعب بشكل مفاجئ وصادق عليها الرئيس مبارك تقضي بإتاحة هامش كبير للحد من حرية الصحافة، وبفرض إجراءات استثنائية في التعامل مع قضايا النشر، ما رآه عموم الصحفيين آنذاك “عدوانًا على حريتهم في مزاولة المهنة”.

واستغرقت الأزمة سنتين من المواجهات التي تضمنت الحملات المتبادلة بين الصحفيين والحكومة، ودخول الأحزاب المعارضة على الخط، وعقد الاجتماعات الاحتجاجية الحاشدة، ولقاء ممثلي الصحفيين بالرئيس مبارك، بالإضافة إلى احتجاب أبرز صحف المعارضة في خطوة احتجاجية، وآل الأمر إلى إلغاء للتعديلات المثيرة للجدل، وعودة الصفاء النسبي إلى الأجواء بين الحكومة ومزاولي مهنة المتاعب.

2 – أزمة القانون الموحد للنقابات المهنية:

أثار القانون رقم 100 لسنة 1993، المسمَّى “ضمانات ديمقراطية التنظيمات النقابية المهنية”، والذي أصدره مجلس الشعب المصري على عجل يوم 16 شباط (فبراير) 1993 ضجة كبرى في الأوساط النقابية والسياسية.

وتعود مساعي إقرار هذا القانون إلى العام 1988، بمبررات على رأسها حسم فوضى الصراعات داخل بعض الأطر النقابية، والتغلب على صعود الإخوان المسلمين في هذه الأطر.

وفي أتون الأزمة؛ عقدت بعض النقابات جمعيات عمومية عاجلة للمناقشة والرد على القانون الجديد، ودخلت النقابات في مرحلة تحدٍّ ظاهر بإعلانها رفض القانون الجديد واللجوء للطعن فيه أمام المحكمة الدستورية العليا والتمسك بتطبيق القانون القديم، بل إن بعض النقابات مثل نقابة المهندسين دعت إلى عقد انتخابات للتجديد النصفي لمجلسها وفق القانون القديم، فيما عقد الصحفيون عدة جلسات واجتماعات لرفض القانون الذي أُقرّ في نهاية الأمر، وجرت بموجبه دورتا انتخابات لنقابة الصحفيين حتى الآن.

3 – فرض القيود على الصحف المستقلة والحزبية:

شهد العام 1994 خلافًا حادًّا بين المجلس الأعلى للصحافة، وهو هيئة رسمية تابعة لمجلس الشورى ويرأسها رئيس مجلس الشورى ذاته، وغالبية الصحفيين؛ إذ دبّ الخلاف في شهر أيلول (سبتمبر) 1994 حينما أصدر المجلس قرارًا تضمن بأن تبحث لجنة الصحافة والصحفيين مدى التزام الصحيفة ببرنامج الحزب ومبادئه، وذلك بالنسبة للصحف التي حصلت على تراخيص من الخارج وتصدر في مصر.

بدورهم؛ رأى الصحفيون في القرار وصايةً من المجلس الأعلى للصحافة على الصحافة الحزبية، وذلك على خلاف ما ينص عليه الدستور من أنّ “الصحافة سلطة شعبية مستقلة (..)، وأنّ حرية الصحافة مكفولة، والرقابة عليها محظورة، كما أنّ إنذارها أو وقفها أو إلغاءها بالطريق الإداري محظور”.

وعقد مجلس نقابة الصحفيين في أعقاب الضجة اجتماعًا طارئًا برئاسة النقيب إبراهيم نافع طالب فيه بإطلاق حرية إصدار الصحف، وحماية حقها في التعبير الحرّ؛ لأنها الضمان للاستقرار السياسي.

كما طالب مجلس النقابة بعدم اتخاذ أية تعديلات قانونية تمسّ الصحافة والصحفيين بعيدًا عن مجلس النقابة، وناشد المجلس كافة الهيئات المعنية عدم التدخل في سياسات الصحف أو فرض قيود جديدة مخالفة للقوانين واللوائح المنظمة التي كفلتها.

4 – اندلاع أزمة “سن الـ 60”:

اندلعت أزمة أخرى للصحفيين مع المجلس الأعلى للصحافة حينما قدم مشروع قانون رقم 2 لعام 1995 لمجلس الشعب، الذي ينصّ على السماح لرؤساء التحرير ورؤساء مجالس إدارات الصحف بالبقاء في مناصبهم حتى سن الخامسة والستين بدلاً من الستين.

وتجمع مئات من الصحفيين إثر هذه الخطوة في اعتصام بالنقابة لمعارضة مشروع القانون الجديد باعتباره يحرم الصحفيين الشبان من إمكانية إدارة صحفهم في مستقبل قريب.

وتفاقمت الأزمة عندما قام خمسة من أعضاء مجلس النقابة بتقديم استقالاتهم من مناصبهم النقابية سخطًا على مناقشة مشروع القانون المذكور في مجلس الشعب، ثم عقد الخمسة مؤتمرًا صحفيًّا في النقابة فور صدور القانون الجديد؛ لإعلان أسباب تقديم استقالاتهم، فيما انتقد نقيب الصحفيين القانون الجديد رغم استفادته شخصيًّا منه؛ مشيرًا إلى أنه سيؤدي إلى حدوث تصادم بين المجلس الأعلى ومجلس الشورى عند اختيار رئيس التحرير ورئيس مجلس الإدارة.

ونظرت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع برئاسة المستشار طارق البشري في هذا القانون، وانتهت إلى أنه لا يجوز التمديد لرؤساء مجالس إدارات المؤسسات الصحفية الذين سبق لهم أن بلغوا سن الستين قبل العمل بالقانون 2 لسنة 1995 بشأن سلطة الصحافة، ولو كانوا قد استمروا بالتمديد قبل العمل بهذا القانون، كما أنه لا يجوز التعيين منذ البداية ابتداءً في المؤسسات الصحفية بعد سن الستين إلا بطريق التمديد للسن لمن يعمل أصلاً بالمؤسسات الصحفية.

اعتقال الصحفيين على خلفية المهنة

لم تتوقف في السنوات الماضية عمليات اعتقال الصحفيين، والتحقيق مع رؤساء تحرير الصحف؛ بسبب موضوعات صحفية منشورة، بل وتم في العام 2000 إغلاق صحيفة “الشعب” المعارضة التابعة لحزب العمل ذي التوجه الإسلامي، بدعوى وجود تنافس على رئاسة الحزب استدعى تدخل القضاء.

وكان قد سبق ذلك أن وجّه رئيس الجمهورية اتهامًا محددًا لصحفيي جريدة الشعب بأنهم يؤيدون الإرهاب خلال مقابلة أجرتها معه صحيفة “نيويورك تايمز”، ونشرتها صحيفة “الجمهورية” القاهرية في 13 تشرين أول (أكتوبر) 1993.

وشملت هذه المضايقات عددًا من الصحفيين المؤيدين للحكومة والمعارضة على السواء، فيما نال صحفيو جريدة “الشعب” النصيب الأكبر في الاعتقال والتحقيق.

فقد تم احتجاز الراحل عادل حسين الأمين العام لحزب العمل ورئيس تحرير صحيفة “الشعب” السابق في تشرين الأول (أكتوبر) 1993 ومعه اثنان من الصحفيين بالجريدة، هما صلاح بديوي وعلي القماش؛ بسبب موضوعات منشورة، وخضع المحتجزون للتحقيق.

وانتقد مجلس النقابة في بيان له “ممارسات نيابة أمن الدولة التي لم تراعِ الضمانات التي كفلها قانون النقابة رقم 76 لسنة 1970، والذي ينص على عدم الحبس الاحتياطي للصحفي أو الإفراج عنه بكفالة مالية”، على حد تعبير المجلس الذي ناشد في بيانه الصادر في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 1993 “كافة الجهات عدم المساس بأمن الصحفيين وحرياتهم أو فرض قيود على أفكارهم وآرائهم”.

كما أدانت لجنة الحريات بالنقابة ممارسات أمن الدولة، ورأت فيها “انتهاكًا خطيرًا وغير مسبوق لحرية الصحافة التي كفلها الدستور”، ودعت للكفِّ عن هذه الممارسات “وإلا استخدم الصحفيون وسائلهم المشروعة، بما فيها الاعتصام والإضراب عن الطعام”، كما قالت.

واشتكى ممثلو الصحفيين من “عدة مخالفات للقواعد المتبعة” تخللت التحقيقات مع الصحفيين التابعين لجريدة “الشعب”، فقد تطرق وكيل النيابة إلى الموقف السياسي للصحفيين المحتجزين وأفكارهم بما يخالف الدستور، وقد تم الإفراج عن الصحفيين المحتجزين فيما بعد بكفالات مالية تتراوح ما بين خمسمائة وألفي جنيه.

كما حققت النيابة مع مجدي حسين رئيس تحرير الشعب بسبب مسؤوليته عن نشر الموضوعات التي حققت فيها النيابة مع الصحفيين، والتي تتصل بوازرة الزراعة ومدى تعاونها مع الدولة العبرية، بالإضافة إلى قضية الإرهاب. وأُنزلت بمجدي حسين عقوبة السجن لمدة عامين ومعه الصحفي صلاح بديوي ورسَّام الكاريكاتير عصام حنفي في قضية وزير الزراعة يوسف والي، بعد أن اتهمته جريدة “الشعب” بالخيانة لتعامله مع تل أبيب، واستيراد بذور فاسدة منها.

وتعدى الأمر سجن الصحفيين في جرائم نشر عبر القضاء العادي؛ ليتم حبسهم عبر القضاء العسكري أيضاً، ففي أيار (مايو) 1994 حكمت محكمة عسكرية على الصحفي عبد الستار أبو حسين المحرر العسكري لجريدة “الشعب” المعارضة بالسجن لمدة عام وغرامة مالية بسبب “مخالفة صحفية”. وقد استمر حبس الصحفي عبد الستار ثلاثة أشهر فقط، بعد أن تم تخفيض مدة العقوبة التي قضاها في سجون مدنية وعسكرية. وبدورها احتجت النقابة على هذا الإجراء وعقدت اجتماعات للاحتجاج على حبس الصحفي، ومحاكمته أمام محكمة عسكرية لأول مرة، ورأت في الأمر مخالفة لكل ضمانات وقوانين الصحافة.

وخلال نفس الشهر أيضًا جرى اعتقال الصحفي بوكالة أنباء الشرق الأوسط إبراهيم سعد؛ إذ احتجز عدة أيام بمبنى مباحث أمن الدولة بعد اقتحام منزله والقبض عليه، وتعرض لمعاملة سيئة، وعقدت لجنة الحريات بالنقابة مؤتمرًا لمناصرته في السابع من حزيران (يونيو) 1994.

كما خضع صحفيون في صحف “الأهرام”، و”العربي”، و”الأحرار”؛ للتحقيق بسبب قضايا نشر، وتم حبس بعضهم احتياطيًّا، فيما اشتكى عشرات الصحفيين من الاعتداء عليهم بالضرب وتكسير الكاميرات أو انتزاعها منهم عند تغطية أحداث معينة بواسطة رجال الشرطة.

الصحفيون المصريون والقضايا الداخلية والخارجية

شأن غالبية نقابات الرأي كان على نقابة الصحفيين أن تدلي برأيها في العديد من القضايا الداخلية والخارجية التي مرَّت عليها في الآونة الأخيرة، خصوصًا القضايا الخارجية، مثل قضيتي فلسطين، والتطورات في الخليج ابتداء من صيف العام 1990، فضلاً عن قضايا أخرى، مثل حروب البوسنة، والشيشان، وكوسوفا.

كما أصدرت النقابة بيانات أخرى حول قضايا داخلية مثل إلغاء العمل بقانون الطوارئ والقوانين المقيدة للحريات كافة، والسماح بحرية تكوين الأحزاب، وإصدار الصحف وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. كما أصدرت بيانات تندد بمحاولة اغتيال الرئيس مبارك في أثيوبيا، أو تضييق أجهزة أمنية على صحفيين والتعرض لهم، وأحداث داخلية أخرى.

أما على الصعيد الخارجي فقد كان للنقابة العديد من المواقف، خصوصًا أن هناك لجنة للشؤون العربية والدولية تعبِّر عن موقف النقابة في هذا الشأن عبر استضافة العديد من الشخصيات العربية والعالمية، وعقد العديد من الندوات حول قضايا دولية عديدة.

وفي هذا الصدد أدارت النقابة العديد من الندوات، واستضافت شخصيات عربية وأجنبية للحديث عن قضايا فلسطين، والشيشان، وحرب الخليج، وكوسوفا، والبوسنة.

واستحوذت قضية فلسطين على غالبية الاهتمام باعتبارها القضية المركزية العربية، وإصدار بيانات في المناسبات الهامة، مثل ذكرى اغتصاب فلسطين، والقيام بإضرابات رمزية للصحفيين، والتضامن مع الصحفيين الفلسطينيين الذين تستهدفهم قوات الاحتلال.

كما تم استضافة ضباط وشعراء بوسنيين للحديث عن البوسنة، ومسؤولين دينيين من كوسوفا والشيشان للحديث عن قضايا البلدين، إلى جانب استقبال سفراء العديد من الدول؛ للحديث عن قضايا معينة مثل الهند وباكستان، ومع ذلك فقد ظلَّت قضايا كبيرة مثل فلسطين وحرب الخليج الثانية مثار جدل كبير استلزم صدور بيانات عنها من مجلس النقابة ككل.

وفي هذا الصدد أصدرت النقابة بيانات تنديد بالغزو العراقي للكويت، كما استضافت ندوات للدفاع عن أبناء العراق ضد الحصار الغربي الظالم، وفي أغلب الأحيان كان يتم عرض صور فوتوغرافية، ومعارض كاريكاتير، وعرض أفلام فيديو من مواقع الأحداث المضطربة.

اقرأ أيضًا: