مصطفى عاشور
صورة أرشيفية من مؤتمر باندونج

انتهت الحرب العالمية الثانية بكل مآسيها وأحزانها، وشهد العالم تشكل نظام دولي جديد يتسم بالقطبية الثنائية؛ حيث ظهرت على المسرح العالمي الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وبدأ العالم يدخل مرحلة جديدة من تاريخه عُرفت بالحرب الباردة، فتشكلت أحلاف عسكرية استقطب فيها كل من المعسكرين الشيوعي والرأسمالي الدول التي تدور في فلكه، وفي ظل هذا الاستقطاب الشديد كانت بواعث حركة عدم الانحياز تولد؛ فمنذ مطلع الخمسينيات شهد العالم أكبر حركة تحريرية في تاريخه المعاصر تمثلت في استقلال جزء كبير من المستعمرات في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وبدأت هذه الدول تطالب بمكان لها في المسرح العالمي، وجمعتها قواسم مشتركة أهمها: معارضتها لسياسة الارتباط بأي من المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، ورغبتها في الوقوف بعيدًا عن سياسات الحرب الباردة وتكتلاتها وأحلافها، وسعت هذه الدول لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإيجاد أسس جديدة للعلاقات الدولية تضع نهاية للسيطرة الأجنبية بكافة صورها وأشكالها.

مؤتمر باندونج

سعت الدول الآسيوية إلى تشكيل منظمة إقليمية تجمعها، وعقدت مؤتمر العلاقات الآسيوية في “نيودلهي” عام (1376هـ = 1943م)، إلا أن تباين وجهات النظر بين الوفود حال دون تشكل هذه المنظمة، ثم ما لبثت الهند وباكستان وإندونيسيا أن دعوا إلى الدعوة لعقد مؤتمر في باندونج، اتسعت قاعدة عضويته لوفود أفريقية وآسيوية، وبدأ المؤتمر في (26 شعبان 1374هـ = 18 من إبريل 1955م)، واستمر لمدة ستة أيام، وحضرته وفود (29) دولة، وكان هذا المؤتمر بمثابة نقطة الانطلاق الأولى لحركة عدم الانحياز، وساد بين الحضور روح من التفاهم أُطلق عليها آنذاك “روح باندونج”، غير أن مفهوم عدم الانحياز إلى أي من القوتين العظميين لم يكن في حد ذاته هو المعيار الذي مع هذه الوفود، إذ كان بينها بعض الدول التي ترتبط بتحالفات وثيقة مع الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفيتي؛ فكانت هناك الصين ذات الارتباط الوثيق بالاتحاد السوفيتي، واليابان ذات الولاء للولايات المتحدة، ومع تراشق الاتهامات الحادة بين بعض الوفود المشاركة خاصة بين الصين وباكستان حول تزايد الخطر الشيوعي، أكد للوفود أهمية وضرورة عدم الانحياز لأي من القوتين؛ وهو ما يفسر أعمال دعوة بعض الدول المرتبطة بتحالفات مع المعسكر الشيوعي أو الرأسمالي للحضور في مؤتمر بلجراد سنة (1381هـ = 1961م)، ولم تحُل الانتماءات السياسية المتعارضة بين الدول الحضور في باندوج دون صياغة عشرة مبادئ تُعد ميثاقا للعلاقات بين هذه الدول، تتلخص في احترام حقوق الإنسان، وسيادة جميع الدول ووحدتها، وعدم التدخل في شئونها، وتسوية المنازعات بالطرق السلمية، وتنمية المصالح المتبادلة بينها والتعاون.

ونتج عن مؤتمر باندونج توطيد العلاقات الشخصية بين بعض زعماء الدول الحضور؛ فقد كان باندونج أول رحلة للرئيس المصري “جمال عبد الناصر” خارج مصر بعد نجاح ثورة يوليو، فتوطدت العلاقات بينه وبين الزعيم الهندي “نهرو”.

وترجع تسمية عدم الانحياز إلى خطاب ألقاه نهرو في (شعبان 1373هـ = أبريل 195م) حيث رأى في عدم الانحياز هوية مستقلة ودورًا إيجابيًا نشطًا، وليس موقفًا سلبيا إزاء  التكتلات الخارجية.

ومع امتداد النصف الثاني من الخمسينيات تبلورت لحركة عدم الانحياز قيادة ثلاثية ضمت: نهرو، والرئيس اليوغسلافي تيتو، وجمال عبد الناصر، واستفادت هذه القيادات من تصدرها لحركة عدم الانحياز في خدمة تطلعاتها القومية؛ فتيتو وجد في الحركة عنصرًا مؤازرًا له بعد قطيعته مع الاتحاد السوفيتي، أما نهرو فوجد فيها عونًا له في مواجهة التهديدات الصينية، وضغوط الأحلاف العسكرية الأمريكية في آسيا. أما عبد الناصر فكان يحتاج إلى مساندة عالمية له أثناء صعوده إلى السلطة -خاصة أنه حديث عهد بها- يضمن له استقلال مصر.

قمة بلجراد

وقد لعب الرئيس تيتو دورًا بارزًا في انعقاد قمة بلجراد عام (1381هـ = 1961م) الذي يُعتبر الانطلاقة الحقيقية للحركة؛ إذ أرسل وفودًا عالية المستوى إلى بعض الدول لدعوتها لهذا المؤتمر، وقام هو بنفسه بزيارة دول أخرى، والتقى قياداتها، وبعد مساعٍ حثيثة افتتحت الجلسات الأولى لمؤتمر بلجراد؛ حيث اكتسبت خلاله الحركة السمات التنظيمية المؤسسية، وأصبحت منذ ذلك الحين إطارًا ونهجًا لدول العالم الثالث، وحضر هذه القمة (11) وفدًا لآسيا، ومثلهم لأفريقيا وكل من قبرص ويوغسلافيا، ولم يمثل أمريكا اللاتينية إلا كوبا فقط، واختلفت وجهات نظر وفود الزعامات في بلجراد حول القضايا تبعًا لاهتماماتها؛ فالهند ركزت على قضايا الحرب والسلام في ظل توتر علاقاتها مع الصين، والدول الأفريقية ركزت على قضية تصفية الاستعمار. أما العرب فاستأثرت قضية فلسطين باهتمامهم، وفي خضم هذه المآرب والأهداف المختلفة لعب تيتو دور المنسق حتى يضمن الحد الأدنى من التوافق الذي يوفر للحركة الوليدة ضمانا الاستمرارية والتواصل وما تزال القضايا المطروحة أثناء قمة بلجراد تتصدر جدول أعمال قمم عدم الانحياز التالية وأبرزها إدانة التفرقة العنصرية، والإقرار بحقوق الشعب الفلسطيني، وقضايا نزع السلاح، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها وحتمية صياغة شروط جديدة وعادلة تحكم التجارة الدولية.

وقد حرص الرئيس تيتو خلال هذه القمة على نفي سمة التكتل عن حركة عدم الانحياز، مؤكدًا أنها لا تشكل كتلة ثالثة إلى جانب كتلتي الشرق والغرب، ولكنها إطار تنظيمي وعقائدي يحتوى دولاً تنأى بنفسها عن مغبات الأحلاف العسكرية، وتسعى إلى انتهاج سياسة خارجية نابعة من إرادتها ومصالحها العليا ومحررة من أية التزامات أو قيود خارجية.

العضوية وإصدار القرارات داخل حركة عدم الانحياز

افتقرت مجموعة عدم الانحياز منذ مؤتمر بلجراد إلى ميثاق يقنن أصولها، ويحدد معايير عضويتها، وافتقرت –أيضًا- إلى قيادة عليا توجهها، واستمر عدم وجود سكرتارية دائمة لها يعهد إليها بالمهام الإجرائية، حتى إنشاء مكتب تنسيق عدم الانحياز عام (1393هـ = 1973م)، والذي يضم ممثلين عن (74) دولة عضوة، ويجتمع بانتظام في نيويورك بقصد البتّ في كيفية تنفيذ قرارات مؤتمرات القمة السابقة، والإعداد للقمة اللاحقة، التي عادة ما تنعقد كل ثلاث سنوات، ويتم فيها اختيار رئيس المؤتمر الذي يكون عادة رئيس الدولة المضيفة، وفيما بين انعقاد مؤتمرات القمة يلتقي وزراء خارجية دول عدم الانحياز سنويًا في نيويورك عقب انتهاء الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد فقدت الحركة منذ نشأتها وحتى الآن كثيرًا مما تحلت به سابقًا من تجانس ووضوح في المسئولية، ويرجع ذلك إلى ارتفاع عدد الأعضاء من (25) عضوا إلى (102) عضوا يمثلون دولا متفاوتة الأهداف والأيديولوجيات؛ لذلك أغفل أسلوب التصويت بالأغلبية عند اتخاذ القرارات، ونتج عن ذلك ضرورة إعطاء الكلمة لكل وفد من الوفود؛ بغية رصد آرائها، والتعرف على مواقفها كشرط أساسي لصياغة القرارات على نحو يرضي الجميع، وهو ما يُعرف بأسلوب “الاتفاق العام”، وهو يطيل فترة المناقشات التي تستمر قرابة الأسبوع، ويعتمد نهج الحلول الوسط، يُضاف إلى أسلوب الاتفاق العام اعتماد دول الحركة طريقة إبداء التحفظات، ولوحظ أن إبداء التحفظات يتخذ خطا تصاعديًا في الحركة.

أما العضوية في حركة عدم الانحياز، فتخضع لتفسيرات مرنة؛ نظرًا لغياب ميثاق أو قواعد إجرائية مكتوبة، وقصد من هذا الأمر توسيع قاعدة العضوية، ورغم ذلك فقد صيغت بعض المعايير الأساسية لعضوية عدم الانحياز سنة (1381هـ=1961م) بالقاهرة، ووضعت لها خمسة ضوابط رغم مطالبة الهند بأن تكون العضوية مفتوحة وميسرة، وتتلخص هذه المعايير في ضرورة اتباع سياسة مستقلة قوامها التعايش السلمي، وعدم الانحياز لأي من الكتلة الدولية، ومساندة حركات التحرر، وعدم الانخراط في الأحلاف العسكرية المرتبطة بصراعات القوى العظمى، ونبذ أسلوب مواثيق الدفاع الثنائية، ورفض إقامة قواعد عسكرية أجنبية، ولعل من يتأمل هذه المعايير يخلص إلى أن من الضروري إسقاط العضوية عن غالبية الدول الأعضاء في حركة الانحياز، وذلك لأن غالبية هذه الدول كان وما يزال مرتبطًا بارتباطات عسكرية وثيقة بأي من القوى الكبرى.

وبصفة عامة، حكمت الرغبة في فتح باب العضوية أمام أكبر عدد ممكن من الأعضاء قضية العضوية في الحركة؛ بحيث لم يُستثنَ من تلك العضوية إلا الأعضاء في حلفي الأطلنطي ووارسو، ولعل عدم التمكين من صياغة شروط قاطعة للعضوية كان وراء ما تعانيه الحركة من أزمة تحزب وشللية أديا إلى اختلاف في رؤية الحركة حتى لمفهوم عدم الانحياز، حتى قيل: إن كل دولة عضوة في حركة عدم الانحياز منظورها الخاص للمفهوم بحسب ما تعانيه من مشاكل وصعاب، وبناء عليه قيل بصعوبة صياغة أيديولوجية موحدة لدول عدم الانحياز؛ إذ منها ما يأخذ بالنظام الرأسمالي، ومنها النظم المحافظة، ومنها الشيوعيون، غير أن دول عدم الانحياز لا تعير الأيديولوجية أهمية كبرى، وتوجه كل اهتمامها للقضايا السياسية والمشاكل الاقتصادية.

القوى الكبرى وحركة عدم الانحياز

وصف أنصار حركة عدم الانحياز حركتهم بأنها ضمير الإنسانية، ورأوا في الحركة ثورة على فكرة أن القوة هي الحق، وأن اللعبة السياسية هي لعبة الأقوياء، دون غيرهم، ومع احتدام الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة اتبعت بعض دول الحركة نهجًا نفعيًا في صداقة أي من القطبين لتعظيم منافعها والمساومة عليها، وشهد تاريخ الحركة انتقال بعض الدول من الصداقة الأمريكية إلى السوفيتية، والعكس لذلك بعض الدول الكبرى إلى نهج عدم الانحياز باعتباره نهجًا ابتزازيًا، ونعته السياسي الأمريكي جون فوستر دالاس باللاأخلاقية، وتردت العلاقات بين الولايات المتحدة ومجموعة عدم الانحياز في كثير من الفترات، أما الاتحاد السوفيتي فقد تمكن من كسب ود غالبية دول عدم الانحياز بضربه على نغمة الاستقلال والتحرر الوطني ومناهضة الاستعمار، وحرص السوفيت على التقاء مواقفهم مع أهداف وغايات الحركة فوق منابر هيئة الأمم المتحدة، وحرصت الدبلوماسية السوفيتية على استقطاب زعماء الحركة إليها في مصر والهند والجزائر وكوبا وغيرها من الدول، وأغدقت عليهم المعونات الاقتصادية والعسكرية، ودعتهم إلى زيارات متكررة لموسكو، والواقع أن القيادة السوفيتية رأت في حركة عدم الانحياز أداة مساومة لها مع الغرب للضغط عليه ولتحقيق أهداف موسكو في المقام الأول، وبالتالي فقد كان مدى حجم التشجيع السوفيتي للحركة يتوقف في المقام الأول على دفء أو فتور العلاقة مع الغرب، ولم تكن المسألة بالنسبة للسوفيت مبدأ بقدر ما كان التطلع إلى إقامة مناطق نفوذ، وفتح مناطق حيوية للمصالح السوفيتية.

مستقبل حركة عدم الانحياز

لا شك أن الحركة استطاعت أن تحقق بعض الإنجازات، لعل أهمها أنها لعبت دورا تاريخيًا من أجل تحرير بعض شعوب العالم الثالث، ودفعت المجتمع الدولي إلى تأسيس المنظمات الاقتصادية لمساعدة دول العالم الثالث مثل الأونكتاد واليونيدو، ولعل أهم دور لعدم الانحياز هو في داخل الأمم المتحدة؛ حيث شكلت دول الحركة كتلة تصويتية بلغت ثلثي الأعضاء، استطاعت أن تحدد جدول أعمال المنظمة الدولية الذي أصبح نوعًا من التكرار لأجندة عدم الانحياز، ولكن مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وانتهاء الحرب الباردة في مطلع التسعينيات ثار جدل واسع داخل الحركة وخارجها حول مستقبل الحركة في المرحلة المقبلة وانقسم هذا الجدل إلى وجهتي نظر مختلفتين هما:

– أنه لا مستقبل لحركة عدم الانحياز، لأنها وليدة مرحلة الحرب الباردة، وهي كغيرها وليدة مرحلة يجب أن تنتهي بانتهائها، بالإضافة إلى فشلها النسبي خلال مرحلة الحرب الباردة، وحجم التناقضات بين أعضائها، وعدم فاعليتها في السياسة العالمية، وافتقارها إلى البناء التنظيمي، والهيكل المؤسسي.

أما الاتجاه الآخر فيرى أن الحركة تستحق التمسك بها رغم سلبياتها، ولكن شريطة أن تتكيف مع الظروف الدولية الجديدة، ومتطلبات النظام الدولي الجديد الذي يختلف عن نشأتها الأولى، وأن ما تعيشه معظم دول الحركة من مشاكل تنموية واستنزاف لمواردها الأساسية، وازدواجية في المعايير الدولية للقوى الكبرى،  يبرر إحياء وتنشيط حركة عدم الانحياز، ويرى أنصار هذا الاتجاه أنه لا يعني سقوط الحدود الأيديولوجية بين الشرق والغرب عدم وجود دور تقوم به الحركة، فالمشكلة ليست في فقدان الدور بل في التغير في طبيعته، فبعد أن كان الجانب السياسي يمثل أساس نشأتها، أصبح الطابع الاقتصادي يطرح نفسه الآن بشدة، بالإضافة إلى بروز قضايا ذات طابع عالمي تؤثر على الدول النامية مثل الإرهاب، وقضايا البيئة والمخدرات وغسيل الأموال.

ومن ثم فإن الحركة مطالبة بإعادة تحديد الدور الذي يمكن أن تلعبه في الفترة المقبلة من حيث كونها ممثلا لمصالح العالم الثالث السياسية والاقتصادية، كما أنها مطالبة بتحقيق التعاون بين دولها فيما يعرف بتعاون الجنوب الجنوب، ومجابهة الصراعات الداخلية بينها وبين دولها في ظل تصاعد المشاكل العرقية والحروب الأهلية، ونزاعات الحدود، وهذه الأمور وغيرها تتطلب صياغة مفهوم جديد لعدم الانحياز يسمح بتحقيق الحد الأدنى لمصالح دولة الحركة، والخروج من إطارها القديم إلى واقعها الحالي.

أهم المراجع:

  • حركة عدم الانحياز في عالم متغير ـ مطبوعات منظمة تضامن الشعوب الإفريقية والآسيوية ـ القاهرة ـ 1992.
  • درية شفيق بسيوني ـ عدم الانحياز بين تجريد المبادئ وديناميكية الحركة ـ مجلة السياسة الدولية ـ عدد (96) إبريل 1989.
  • ريهام باهي ـ حركة عدم الانحياز بين الجمود والتجديد ـ السياسة الدولية عدد (134) ـ أكتوبر 1998.
  • مختار شعيب ـ حركة عدم الانحياز والنظام العالمي الجديد: البحث عن دور ـ السياسة الدولية ـ عدد (129) ـ يوليو 1997.