13-04-2004

يشمل هذا الفصل المحاور الأساس التي بنيت عليها استراتيجية التقريب باعتبارها لبَّ عملية التقريب، وغاية مسائله وكنه قضاياه. ولتعدد مجالات التقريب فقد تم تقسيم هذا الفصل، ووفق منظور علمي ومنطقي، إلى ثلاثة محاور :

المحور الأول : نشأة المذاهب والفرق الإسلامية.

المحور الثاني : فضل أصول الفقه في التقريب بين المذاهب.

المحور الثالث : مسائل الفقه الإسلامي وقضاياه.

المحور الأول

نشأة المذاهب والفرق الإسلامية

لإدراك الأسباب التي نتجت عنها الاختلافات المذهبية بين المسلمين، يتحتم استحضار ملخص للواقع الذي عاشوه إثر وفاة النبي# مباشرة، والذي أفرز مشكلات تمحورت حول خلافته#، وصون وحدة الأمة، واستمرار بثّ الدعوة. وإذا كان المسلمون قد تابعوا نشر الدين الإسلامي في المشرق والمغرب، فإنهم بالنسبة لسد فراغ رئاسة الدولة، قد ارتضوا جميعاً بما يجمع كلمة المسلمين، لولا أن تطورت المسألة لنزاعات أثيرت حول الخلافة، جعل الوحدة  الإسلامية تتعرّض للتصدع. من هنا فإن موضوع الخلافات المذهبية يقتضي الوقوف عند مجالات ثلاثة:

1. مجال سياسي.

2. مجال عقـدي.

3. مجال فقهي.

المجال السياسي

معروف أن دوافع الاختلافات السياسية الأولى كانت بسبب موضوع الخلافة، حيث مال كل فريق إلى ما ثبت لديه ورجّحه من الرأي، بينما كان الإمام علي كرم الله وجهه، قد حسم الخلاف بنفسه وقبل الأمر وبايع الخليفة الأول أبا بكر الصديق ثم الخليفة الثاني من بعده عمربن الخطاب، ثم الخليفة الثالث عثمان بن عفان، (رضي الله عنهم جميعاً)، حفاظاً منه على جمع كلمة المسلمين، ووحدتهم، حتى صار الأمر إليه، وقبل إمارة المؤمنين ليسير بهم نحو نصرة الإسلام وخير المسلمين، على أن ظهور الفتنة بإصرار المطالبين بسرعة القصاص من قتلة عثمان قد قسَّم المسلمين إلى فرق متعارضة يمكن أن يقال إنها أهم الفرق الإسلامية :

الأول : الخوارج(1) : وهم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب لرضاه بالصيغة التي تم عليها التحكيم وما نتج عنه، ومن أهم فرقهم :

1. الأزارقة، وهم أتباع نافع بن الأزرق،

2. النجدات، وهم أتباع نجدة بن عامر،

3. الإباضية، وهم أتباع عبد الله بن إباض،  ويرفضون أن يعتبروا من الخوارج، لأن زعيمهم رفض الخروج على الخلافة.

4. الصفرية، وهم أتباع زياد بن الأصفر.

الثاني : الشيعة : ويشكلون حزباً اتخذ أبعاداً مذهبية في أعقاب موت الإمام علي رضي الله عنه وما كان لابنيه الحسن والحسين مع معاوية ويزيد، ويتكون هذا الحزب من المعتقدين في أحقية عليّ وابنيه في الخلافة، أما فرقهم فكثيرة، وأشهرها :

1. الإمامية، وهم القائلون بإمامة علي بن أبي طالب بعد النبي نصاً صريحاً، اعتماداً على ما روي عنه# في غدير خم، حيث قال : >من كنت مولاه فعلي مولاه<، واعتماداً كذلك على أحاديث كثيرة يروونها في فضل الإمام علي ـ كرم الله وجهه.

وللإمامية فرق فروع متعددة، أهمها :

أ) الاثنا عشرية، وهم الذين ساقوا الإمامة من جعفر الصادق إلى ابنه موسى، حتى الإمام المنتظر، وهو الثاني عشر.

ب)الإسماعيلية، وهم الذين ساقوا الإمامة إلى جعفر، واعتبروا أن الإمام بعده ابنه إسماعيل.

2. الزيدية، وهم أتباع الإمام زيد بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهم لا يقولون بالمهدوية والتقية والرجعة، ويجيزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل.

الثالث : المرجئة : وسموا مرجئةً لإرجائهم أمر المختلفين إلى الله.

الرابع : السنة والجماعة : وهم القائلون بأن الرسول# ترك الأمر شورى للمسلمين، ولم ينصّ على خليفة بعينه. وأن أفضل المسلمين بعد الرسول# هم الخلفاء الراشدون وكبار صحابته الذين توفى، صلوات الله وسلامه عليه، وهو عنهم راضٍ. ويمكن القول بأنها تبلورت فرقة كلامية إسلامية مستقلة بعد الوفاق بين الحسن بن علي ـ رضي الله عنه ـ ومعاوية بن أبي سفيان عام الجماعة، ولذا فقد رأى أقـطابها تجنب الخوض في الخلاف، ويمثلهم في ذلك الإمام مالك بن أنس بقوله : >قوم سلمت منهم سيوفنا فلتسلم منهم ألسنتنا< وبذلك اتسعت دائرة المنتمين إليها فكانت أكثر الفرق الإسلامية عدداً.

المجال  العقدي

لم يلبث هذا الاختلاف الذي اصطبغ بالطابع السياسي أن تطور فأصبح عقدياً يمس عقيدة الأطراف المتنازعة وينظر إليها من زاوية الأحقية في الخلافة. ثم أثيرت قضية الإيمان والكفر، في محاولة جدلية لتحديد مفهومهما، من خلال مدى اعتبار الإيمان مجرد تصديق بالقلب وإقرار باللسان واعتبار العمل جزءاً من الإيمان أو عدم اعتباره.

وفي هذا السياق يكون للفرق الموجودة رأيٌ في الموضوع على هذا النحو :

1. الشيعة : وهم وفق ما رأينا أصحاب عليّ وشيعته. وأهم مباحثهم الإمامة.

2. المرجئة: وقد سبق ذكرهم.  والإيمان عندهم يصح بمجرد التصديق.

3. المعتزلة: والإيمان عندهم لا يصح بمجرد التصديق والإقرار، فهم يشترطون العمل، ومرتكب الكبيرة عندهم في منزلة بين المنزلتين.

4. الخوارج: وهم الذين خرجوا على عليّ، ومرتكب الكبيرة عندهم كافر ومعنى ذلك أن العمل عندهم جزء من حقيقة الإيمان كالمعتزلة.

5. السنة والجماعة : والإيمان عندهم باتباع كتاب الله عز وجل وسنة رسوله# في كلّ قضية من قضايا العقيدة، وعدم ردّ أيّ شيء منهما أو تأويله، والالتزام بما كان عليه أصحاب رسول الله#.

انطلاقاً من هذه المواقف السياسية، ونتيجة للتطور الثقافي الذي عرفه المسلمون، بدأ النظر إلى قضايا العقيدة بشيء من التأويل، مما أوجد علماً إسلامياً جديداً هو الذي عرف بـ “علم الكلام” وتمحور حول مسائل الإلهيات والنبوات وغيرها، وأهم المسائل التي اختلفت فيها الفرق مسألتان هما :

1. القضاء والقدر، أي هل الإنسان مخير في أفعاله أم مسير ؟، وهي مسألة وقع النظر إليها في اتجاهات ثلاثة، كل منها كان يعتمد نصوص القرآن الكريم.

الأول : يرى الإنسان حراً في اختيار أفعاله وبالتالي فهو مسؤول عنها.

الثاني : يرى الإنسان مجبراً على أفعاله، ومسيراً فيها، لا حرية له في اختيارها.

الثالث : يرى أن الإنسان مخير في بعض أفعاله ومسير في بعضها الآخر.

ولعلنا نستطيع أن نقول بقصد التعريف لا بقصد الخوض فيه، إنه في نطاق الآراء والمقولات، عن القضاء والقدر، وفي مسائل الوعد والوعيد، تبلور علم الكلام(1) الذي هو أحد العلوم الشرعية، لتناوله أصول العقيدة الإسلامية، في اعتماد على ما هو يقيني بالنص وما هو ثابت بالعقل، مع التوسل بمنهج يرتكز على البرهان، ثم على التفويض والتسليم ببعض الظواهر التي تستعصي على التفسير، أو التأويل أي تأويل النصوص، لا سيما في مجال المتشابه من الآيات القرآنية.

2. الصفات : وقد تم النظر إليها من خلال ما ورد منها في بعض الآيات الكريمة.

وهنا تبلور اتجاهان متميزان :

الأول : يثبت الصفات، والثاني : ينفي الصفات.

هذا، وقد اتخذ بعض أهل السنة(1) موقفاً سلبياً من علم الكلام، ثم استحسن بعض المتأخرين منهم الخوض فيه، ولا سيما مع اتجاه أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (324-260هـ) الذي صاغ العقيدة صياغة وافقت من كان من أهل السنة ميَّالاً للجدل العقلي، وكان في ذلك قد اتخذ موقفاً وسطاً يكشف عنه، مثلاً، رأيه المعتدل بين القائلين بالجبر والقائلين بالاختيار.

تعددية المذاهب. والفرق

المذهب : مجموعة مبادئ وآراء متصلة ومنسقة، لمفكر واحد أو لمدرسة فكرية، وكما يكون في الفقه يكون في الفلسفة، أو العلم، أو الآداب(2). أما الفِرْقة : فإنها جماعة تربطها معتقدات معينة. فلابد للفرقة من جماعة تحمل مقالاتها ونظرياتها.

والمسلمون ــ كأمة ــ لم يختلفوا في أصول الدين ولا في أمهات الاعتقادات. فلقد كانت حقائق الدين وأركانه، وثوابت الشريعة وحدودها، هي الجامع الموحد للأمة في الاعتقاد الديني. وفي إطار هذا الجامع كانت التعدّدية، وكان التنوّع، وكان الاختـلاف فـي فـروع الفـقه ــ عبـادات  ومعاملات ــ الأمر الذي أثمر المذاهب الفقهية ــ التي اشتهرت والتي لم تشتهر، التي عاشت والتي اندثرت ــ  بما مثلت من ثراء في الاجتهادات، وغنى في التنوّع، في إطار الأصول الفقهية ومصادر الاستنباط(3).

أما الفِرق الإسلامية التي مثلت تنوعاً وتعدّدية في إطار أصول الدين، فإن خلافها، وتعدّديتها لم تكن في ثوابت الاعتقاد، وإنما كانت في “المقالات” أي النظريات والتصوّرات المتعلقة بالفروع، أو ذات الصلة والعلاقة بالأصول، وليست من ذات الأصول.

إن مباحث الذات والصفات الإلهية، هي “هوامش” على مباحث التوحيد، لا علاقة لها بجوهر الاعتقاد. ولقد عكست الاختلافات فيها مراتب الناظرين على سلم التنزيه أو التشبيه، والتجريد أو الحشو، والعقلانية المؤمنة والتأويل أو الوقوف عند ظواهر النصوص.

في هذا الإطار، عرف المسلمون تنوّع المذاهب الفقهية، والتعدّدية في فِرق علم الكلام.

ففي علم الفروع ــ  الفقه ــ  نشأت وتمايزت العديد من المذاهب الفقهية، في إطار وحدة الشريعة الإسلامية، وذلك من مثل مذاهب الأئمة :

1. أبو سعيد، الحسن البصري (101-21هـ / 728-642م).

2. أبو حنيفة النعمان بن ثابت (150-80هـ / 767-699م).

3. الأوزاعي : أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد (157-88هـ / 774-707م).

4. سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (161-97هـ / 778-716م).

5. الليث بن سعد (175-94هـ / 791-713م).

6. مالك بن أنس الأصبحي (179-93هـ / 795-712م).

7. سفيان بن عيينة (198-107هـ / 814-725م).

8. الشافعي : محمد بن إدريس (204-150هـ / 820-767م).

9. أحمد بن حنبل (241-164هـ / 855-780م).

10. الظاهري : داود بن علي الأصبهاني البغدادي (270-201هـ / 883-815م).

11. الطبري : محمد بن جرير (310-224هـ / 923-839م).

12. زيد بن علي بن الحسين (122-79هـ / 740-698م).

13. الصادق : جعفر بن محمد (148-80هـ / 760-699م).

14. عبد اللَّه بن إباض (86 هـ / 705 م).

ولقد اجتمعت الأمة على أن ظاهرة التعدّدية في المذاهب الفقهية، هي واحدة من سمات الغنى والثراء الفكري في الفروع الإسلامية، وعلى أنها التطبيق الخلاق والثمرة الطيبة لتعدّدية الاجتهادات، خاصة وأن فقه الفقهاء في الإسلام لم يقف عند ميدان “فقه الأحكام” ــ  بما يقتضيه من تعدّدية مناهج النظر والاستنباط ــ  وإنما كان هناك “فقه الواقع”، وكذلك مناهج تنزيل “الأحكام” على “الواقع” أو عقد القران بينهما، وجميعها ميادين لتعدّد الأفهام، واختلاف الأولويات في ترتيب مصادر الاستنباط، وتنوّع المواقف من المرويات والمأثورات، ناهيك عن تنوّع واختلاف الوقائع والعادات والأعراف، ومن ثم المصالح التي قارنت وصاحبت اجتهادات الفقهاء(1).

لقد كان هناك ــ  كما يقول ابن القيم ــ  >نوعان من الفقه : فقه في أحكام الحوادث الكلية.. وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس.. ثم يطابق الفقيه بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفاً للواقع.. <(2).

وفـي فـقه “الأحـكام” و”الواقع” تعـدّدت الاجـتهادات، فتكونت مذاهب منفـتحة، ولـم تتـحول ــ  فـي عـصر الاجتـهاد ــ  إلـى عقـائد مغـــلقة ومســتعـصية عــلى التـجدّد ومــراجـعة الاجـتـهادات، وبعـبارة أبـي حنـيفة : > هذا الذي نحن فيه رأي، لا نجبر أحداً عليه.. إنه أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بشيء أحسن منه قبلناه.. <(3). فهي مذاهب منفتحة على بعضها ؛ لأنها تحتضن تراث الأمة، وتعتصم جميعها بالشريعة الواحدة، فهي لم تختلف في مصادر الشريعة، ولا على مبادئها وأحكامها، وإنما كان خلافها تنوّعاً في مناهج النظر في هذه الأصول، واختلافاً في نسبة المُدْرَك من حقيقة المبادئ والأحكام.

 وعلى سبيل المثال :

فمنهج النظر عند أبي حنيفة ــ  الذي ميّز مذهبه ــ  يحدّده هو عندما يقول : >آخذ بكتاب اللَّه، فإن لم أجد، فبسنة رسول اللَّه#، فإن لم أجد في كتاب اللَّه ولا سنة رسوله، أخذت بأقضية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي اللَّه عنهم، ثم بأقضية الصحابة، ثم آخذ بقول من شئت من الصحابة وأدع قول من شئت منهم، لا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، ثم أقيس بعد ذلك إذا اختلفوا، ولا أقدم القياس على النص ؛ لأن النص لا يحتاج إلى قياس. فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم(1)، والشعبي(2)، وابن سيرين(3)، والحسن(4)، وعطاء(5)، وسعيد بن المسيب(6)، فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا، وليس بين اللَّه وبين أحد من خلقه قرابة(7)<.

أما قواعد النظر عند الإمام مالك ــ التي ميّزت مذهبه الفقهي ــ  فإنها تتلخص في : الأخذ بنص القرآن الكريم.. ثم بظاهره ــ  وهو العموم ــ، ثم بدليله ــ  وهو مفهوم المخالفة ــ، ثم بمفهومه، أي مفهوم الموافقة، ثم بتنبيهه، وهو التنبيه على العلة، ومع هذه الأصول الخمسة للتعامل مع القرآن، يأتي مثلها في التعامل مع السنة النبوية، وبعد هذه الأصول العشرة يأتي الإجماع، ثم القياس، ثم عمل أهل المدينة، ثم الاستحسان، ثم الحكم بسد الذرائع، ثم المصالح المرسلة، ثم قول الصحابي، إن صح سنده وكان من الأعلام، ثم مراعاة الخلاف إذا قوى دليل المخالف، ثم الاستصحاب، ثم شرع من قبلنا.

وفي مذهب الإمام الشافعي : كان التميّز لقواعد النظر وأصول المنهج، فالأصل : القرآن والسنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث برسول اللَّه#، وصح الإسناد به فهو المُنْتَهى، والإجماع أكبر من الخبر المفرد، والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهره أولاها به، وإذا تكافأت الأحاديث، فأصحها إسناداً أولاها، وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب، ولا يقاس أصل على أصل، ولا يقال للأصل : لم ؟ وكيف ؟ وإنما يقال للفرع : لم ؟ فإذا صح قياسه على الأصل صح، وقامت به الحجة.

وقواعد مذهب الإمام أحمد بن حنبل، هي :

أولاً : النصوص : من القرآن والسنة، فإذا وجدها لم يلتفت إلى سواها، ولا يقدم على الحديث الصحيح المرفوع شيئاً من عمل أهل المدينة، أو الرأي، أو القياس، أو قول الصحابي، أو الإجماع القائم على عدم العلم بالمخالف.

ثانياً : فإن لم يجد في المسألة نصّاً انتقل إلى فتوى الصحابة، فإذا وجد قولاً لصحابي لا يعلم له مخالفاً من الصحابة لم يَعْدُه إلى غيره، ولم يقدم عليه عملاً ولا رأياً ولا قياساً.

ثالثاً : فإذا اختلف الصحابة تخيّر من أقوالهم أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم. فإن لم يتضح له الأقرب إلى الكتاب أو السنة حكى الخلاف ولم يجزم بقول منها.

رابعاً : يأخذ بالحديث المرسل والضعيف إذا لم يجد أثراً يدفعه أو قول صحابي أو إجماعاً يخالفه، ويقدمه على القياس.

خامساً : القياس عنده دليل ضرورة، يُلْجَأ إليه حين لا يجد واحداً من الأدلة المتقدمة.

سادساً : يأخذ بسد الذرائع.

أما أبرز أصول المذهب الظاهري فهي : التمسك بظواهر آيات القرآن الكريم والسنة، وتقديمها على مراعاة المعاني والحِكَم والمصالح التي يظن لأجلها أنها شرعت، ولا يعمل بالقياس عندهم ما لم تكن العلة منصوصة في المحل الأول ــ  المقيس عليه ــ ومقطوعاً بوجوبها في المحل الثاني ــ المقيس ــ  بحيث ينزل الحكم منزلة (تحقيق المناط). كما يحرم العمل بالاستحسان، ويستدل بالإجماع الواقع في عصر الصحابة فقط، ولا يعمل بالمرسل والمنقطع، خلافاً للمالكية والحنفية والحــنابلة. ولا يُـعـمل بشــرع مــن قبلـنا. ولا يحل لأحد العمل بالرأي ؛ لقوله تعالى : { مَّا فَرَّطْنَا في الكِتَابِ من شَيْءٍ }(1). وتعدية الحكم المنصوص عليه إلى غيره، تَعَدٍّ لحدود اللَّه تعالى. ولا يحل لأحد القول بالمفهوم المخالف. والتقليد حرام على العامي كما هو حرام على العالم، وعلى كل مكلف جهده الذي يقدر عليه من الاجتهاد..(2).

وهكذا، لم تختلف المذاهب على الأصول، ولا على تقديمها.. وإنما كان التمايز والاختلاف بينها في مناهج النظر في هذه الأصول، وفي قواعد الاستنباط للأحكام من هذه الأصول، وفي الموازنة بين ما عدا الكتاب والسنة من مصادر التشريع ؛ ولهذا كانت تعدّدية المذاهب الفقهية تنوّعاً في إطار وحدة الشريعة الإسلامية، واختلافاً يجسد الفطرة التي تجعل مناهج النظر متعدّدة بتعدّد الاجتهادات، وبعبارة القدماء : “فإن المذاهب فروع الأديان، والأديان أصول المذاهب، فإذا ساغ الاختلاف في الأديان ــ  (أي التعدّد ية في الشرائع) وهي الأصول ــ  فلم لا يسوغ في المذاهب، وهي الفروع ؟!.. ولما كانت المذاهب نتائج الآراء، والآراء ثمرات العقول، والعقول منائح اللَّه للعباد، وهذه النتائج مختلفة، بالصفاء والكدر، وبالكمال والنقص، وبالقلة والكثرة، وبالخفاء والوضوح، وجب أن يجري الأمر فيها على مناهج الأديان في الاختلاف والافتراق، وإن كانت تلك منوطة بالنبوة. وما دام الناس على فِطر كثيرة، وعادات حسنة وقبيحة، ومناشئ محمودة ومذمومة، وملاحظات قريبة وبعيدة، فلابد من الاختلاف في كل ما يُختارُ ويُجْتَنَب، ولا يجوز في الحكمة أن يقع الاتفاق فيما جرى مجرى المذاهب والأديان..”(3).

المجال  الفقهي

كان الفقه في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستند إلى ما ينزل به الوحي من أحكام، وكان  صلى الله عليه وآله وسلم يجتهد في بعض النوازل حين لا يكون وحي، وقد يأتي الوحي ليزكي الاجتهاد أو يخطئه، طالما أنه يتعلق بمبادئ تشريعية. وهو حين يصحح الخطأ يكون قاصداً إلى التعليم.

وكان# يعرض اجتهاده في المجال الدنيوي على الصحابة، مثال ذلك : ما حدث في قضية تأبير النخل، إذ كان أشار عليهم بعدم تأبيره، فلم يثمر. وحين روجع في الأمر قال لهم : >إنما هو الظن إن كان يغني شيئاً فاصنعوه، فإنما أنا بشر مثلكم وإن الظن يخطئ ويصيب<(1). وواضح أن المسألة تتعلق بمصلحة ظاهرة قد تخفى على علمه#، مما لا يستدعي نزول الوحي للتصحيح.

وكان عليه السلام يجتهد كذلك في القضاءلتطبيق التشريع، مع خشية الوقوع في الخطأ، وتحميل المتداعين مسؤولية عند تقديم الحجج والبراهين. وفي ذلك قال # : >إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً بقوله، فإنما أقطع له قطعة من النار<(2).

وعلى نهج النبي الكريم، كان الصحابة في عهده يجتهدون، وإن في حدود ضيقة، لأن الوحي كان ينزل باستمرار،  ولأنهم لم يكونوا يلجأون إليه، إلا  في حال بعدهم، كالسفر أو ما إليه. وغالباً ما كان عليه السلام يقرهم على اجتهادهم، على نحو ما وقع لهم في سَرِيةٍ كان فيها عمروبن العاص، إذ حدث ما يستوجب الاغتسال، ولم يجدوا ماء دافئاً ولا ما يسخنون به الماء البارد فتيمموا وصلــوا ولم يعيدوا صلاتهــم، وأخبـــروا الرسول# فأقرهم على ذلك(3). ومثل هذا حدث لآخرين إلا أنهم أعادوا الصلاة بعد، فأقرهم على اجتهادهم كذلك.

أما بعد وفاته عليه السلام، فقد كان الصحابة فيما ينزل بهم يرجعون إلى القرآن الكريم، ثم إلى السنة الشريفة، وحين لا يجــدون نصــاً يجتهـــدون. وهي خطــة كـــان عليه السلام قد بينها من خلال موقفه مع معاذ بن جبل حين أرسله قاضياً إلى اليمن، فقد قال له : بم تقضي ؟ قال : أقضي بكتاب الله. قال : فإن لم يكن في كتاب الله ؟ قال : فبسنة رسول الله. قال : فإن لم يكن في سنة رسول الله# ؟ قــال : أجتهد رأيي. فقال رســول الله# : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله(1).

وليس من شك في أن الرأي كما فهمه معاذ وأقره عليه النبي# وسار عليه الصحابة، يعني الاجتهاد بما يتفق مع المصطلح، وهو النهج الذي اشتهر به عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، ويعني كذلك القياس على النحو الذي حدده الأصوليون فيما بعد، حين يُلحقون أمراً غير منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه، لاشتراكهما في العلة،وهو الذي كان يسيرعليه الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه).

مهما يكن، فإن الصحابة بعد وفاة النبي# والخلفاء على الخصوص، كانوا يجتهدون ولا يتوقفون، ولا يخشون بينهم الاختلاف.

والأمثلة على ذلك كثيرة لا مجال لحصرها هنا، بيد أنه يتبين منها أن المسلمين ابتداء من تلك العهود المبكرة، كانوا يستندون في الأحكام إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وكانوا كذلك يجتهدون ويعتمدون الرأي، فردياً كان أو جماعياً، وحين يكون جماعياً يتحول إلى إجماع. ومعروف أن ما أثر عن الصحابة في هذا المجال يضاف إلى ما صدر عن الرسول# ليشكل في مجموعه السنة والأثر.

وعلى النهج نفسه سار التابعون، في الإقدام على إبداء الرأي عند المقتضى، كما كانوا في تفاعل مع الواقع المتطور الذي كانت تجتازه الأمة الإسلامية، مما بلور توجّهين في الفقه كان أحدهما يعمد إلى الرأي حين يعوزه النص، مع التوسع في الافتراض والتقدير، وهو ما شاع عند فقهاء العراق، كإبراهيم النخعي، وكان الثاني يعتمد الأثر ولا يلجأ إلى الرأي إلا عند الضرورة مع مراعاة المصلحة، وهو الذي راج بين فقهاء المدينة كسعيد بن المسيّب ومالك بن أنس.

ومع توسّع الأمصار الإسلامية، وقع التوسّع في المجال الفقهي، مع التأثر بهذا الاتجاه أو ذاك. وساعد على ذلك تدوين السنة وظهور علم “أصول الفقه” باعتباره العلم الذي يتناول الأدلة التي يستند إليها الفقه، أو هو فلسفة هذا الفقه، بكل ما يقتضيه، وخاصة فيما يتعلق بالاجتهاد.

وليس يخفى أن الاجتهاد، كما حدده علماء الأصول، يعني استنباط الأحكام مباشرة من مصادرها الشرعية، وهو ما وصفوه بالكامل، ويعني كذلك تطبيق قواعد الأحكام على النوازل، وهو ما وصفوه بالتخريجي أو التطبيقي.

لذلك صنف العلماءُ مراتب المجتهدينَ ؛ فمنهم المستقلون الذين يستخرجون من النصوص مباشرة، ومنهم المنتسبون الذين يختارون ما قرره الإمام متعلقاً بأصول الاستنباط وإن خالفوه في الفروع. ومنهم مجتهدو المذهب، وهم الذين يستندون إلى إمامه فيما يتصل بالأصول والفروع، ويستنبطون في ضوئها أحكام القضايا الطارئة. ومنهم المرجّحون الذين لا يستنبطون ولكن ينظرون في الآراء الواردة ويختارون منهاالمناسب. ومنهم بعد ذلك المستدلون الذين يوازنون بين شتى الأقوال ويمحصونها ليروا بعد ذلك أصحَّها فيأخذون به.

وقد اشترطوا في الفقيه المجتهد ــ ولا سيما الكامل ــ توافره على جملة مقومات علمية تبدأ من العلم بالكتاب والسنة والعربية، وتصل إلى معرفة القياس ومواضع الإجماع والخلاف ومقاصد الأحكام.

وكما تحدث الأصوليون عن المجتهدين، تحدثوا عن المقلدين، وميزوا فيهم بين مجرد المقلدين الذين يكتفون بالنقل دون معرفة بالحجج والأدلة، ولا قدرة لديهم على الاستدلال والترجيح، وبين الحُفَّاظ الذين وصل بهم الحفظ لأحكام المذهب إلى درجة الحجية في النقل، مع القدرة على التصرف والإفتاء، طالما توافرت فيهم الشروط السابقة، إضافة إلى المعرفة بالواقع وشتى ملابساته.

وقد تمخض التوسّع الذي عرفه المجال الفقهي عن ازدهار لم يلبث، بعد عهد التابعين، أن أبـرز فقهــاء كباراً بلوروا مذاهب قعَّدت الفقه ويسّرت للمسلمين في شتى الأمصار قواعده وضبطت قضاياه، على نحو اجتهادي محكم، لا يمسه الاختلاف إلا في بعض الجزئيات الفرعية التي لا تأثير لها على الأحكام في الجوهر والأساس. وقد تسنى لهذه المذاهب أن تجد لها أصداء  كبيرة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، لتنتشر في هذا القطر أو ذاك من أقطاره، متأثرة في مدى انتشارها بالواقع السياسي والعوامل البيئية والثقافية.

وسنقف عند سبعة من تلك المذاهب، معتبرين أهميتها وسعة أتباعها واستمرار وجودها حتى المرحلة المعاصرة، على النحو التالي :

1. المذهب  الحنفي :

نسبة لأبي حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي التيمي (150-80هـ)(1). وهو فارسي الأصل، أسلم جده زوطي في عهد الخليفة الراشد علي بن أبي طالب. أدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة رضوان الله عليهم، وهم : أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي  بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن وائلة بمكة.

وكان قد سأله أبو جعفر المنصور عن شيوخه في الفقه، فأجاب بأنه أخذ >عن أصحاب عمر عن عمر، وعن أصحاب علي عن علي، وعن أصحاب عبد الله عن عبد الله، وما كان في وقت ابن عباس على وجه الأرض أعلم منه<(2).

وإن هذه المشيخة لتنم عن المنابع الفقهية التي استقى منها، والتي منها كوَّن اتجاهه : ففقه عمر قائم على المصلحة، وفقه علي مبني على الاستنباط، وفقه ابن مسعود مؤسس على التخريج، أما ابن عباس فكان علمه القرآن وفقهه.

وقد أضاف إلى هذه المنابع ما أفاده من كبار فقهاء عصره. وكان له موقف من المناصب الرسمية التي كان يرفضها، على نحو ما كان له مع الأمويين.

وعلى الرغم من مناصرته العباسيين، فإنه كان ذا نزعة علوية حافظ عليها، وهو ما يفسر مخاصمته لهم على إثر موقفهم من أبناء علي، إذ أعلن تأييده لإبراهيم أخي النفس الزكية. وهي مخاصمة جعلت المنصور يستدعيه  انتقاماً منه لمنصب القضاء، ولكنه امتنع وتعرض من جراء ذلك للامتحان.

وقد رويت عن فقه أبي حنيفة أقوال كثيرة كلها تشيد به وتعلي مكانته.

وقد لخص منهجه الفقهي في قوله : >آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسنة رسول الله#، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله#، أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت منهم، وأدع من شئت منهم ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم<.

وهو منهج يعتمد الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ولا يأخذ بما قاله التابعون، إضافة إلى أنه كان يلجأ إلى الإجماع والقياس والاستحسان والعرف، وفق ما تدل على ذلك آراؤه الفقهية، بما فيها التي خالف فيها غيره من الفقهاء ؛ علماً أن ضعيف الحديث عنده  أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بنى مذهبه.

انصرف أبو حنيفة في دراساته العلمية إلى الفقه واستخراج الأحكام من الكتاب والسنّة والبناء عليهما وتتبّع آثار السلف الصالح، وتعرّف مواضع اتفاقهم، وما جرى فيه اختلافهم، لا يخرج من أقوالهم، ولكن يختار من بينها.

وأبو حنيفة كان في دراساته يتجه إلى لبّ الحقائق، وتعرّف ما وراء النصوص من علل وأحكام، فكان إذا أراد استخراج حكم من نصّ قرآني، اتجه إلى تعرّف مراميه وغاياته وعلله.

وكان أبو حنيفة عميق الفكر، لا يقف عند ظواهر النصوص، بل يسير وراء مراميها البعيدة والقريبة، وكان مع هذا العمق مستقل التفكير، لا يأخذ فكرة أو رأياً من غير أن يعرضه على عقله.

وكان أبو حنيفة بإقامته الأصلية في الكوفة ـ التي رُوِي عن جعفر الصادق أنه اعتبرها مدينة علي بن أبي طالب ـ متصلاً بفرق الشيعة المختلفة، فكان متصلاً بالزيدية والإمامية، وإن لم يعرف أنه نزع منازع هؤلاء، إلا في محبته لآل النبي صلى الله عليه وسلم وعترته الأطهار. وكان مَثَلُه في تلقيه عن أهل العراق، وأهل مكة وغيرهم، وجمعه بين المنازع المختلفة، كمثل من يتغذى من عناصر مختلفة، ثم يتمثّل هذه العناصر كلها، فيخرج منها ما يكون قوام الحياة(1).

خلف أبو حنيفة تراثاً يتمثل في رسائل وعظية وكلامية، وفيما نقله عنه تلامـيذه، وأهــمهم جميعـــاً أبو يوسـف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري (182-113هـ) الذي ترك كتباً نقل فيها فقه شيخه، ومنها كتاب “الآثار” الذي هو مسند أبي حنيفة، وكتاب “الخراج في نظام المال”، ومثله محمد بن الحسن الشيباني (189-132هـ) الذي أخذ عن أبي حنيفة وتلميذه أبي يوسف، وهوصاحب مؤلفات كثيرة، منها “الجامع الكبير” و”الجامع الصغير” و”الآثار” و”السير” و”الموطأ” و”الأمالي” و”المخارج في الحيل” وله كتب كثيرة.

وكان لهؤلاء وغيرهم من تلاميذ أبي حنيفة الكثيرين، أثر كبير في انتشار مذهبه الذي لقي إقبالاً وذيوعاً واسعين، وكان لاعتماده على الاستنباط دور مهم في هذا الانتشار، إذ امتد في كل  الأقطار التي كانت تحت نفوذ العباسيين.

2. المذهب المالكي :

نسبة إلى مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامرالأصبحي (179-93هـ)(1). نشأ بالمدينة في بيت علم وحديث، وقد ذكر الذهبي أنه اتفق لمالك مناقب ما علمتُها اجتمعت لغيره، إحداها طول العمروعلوّ الرواية، وثانيتها الذهن الثاقب والفهم وسعة العلم، وثالثتها اتفاق الأئمة على أنه حجة صحيح الرواية، ورابعتها إجماعهم على دينه وعدالته واتباعه السنن، وخامستها تقدمه في الفقه والفتوى وصحة قواعده(2).

وقد تسنى لمالك أن يحصل على زاد من العلم كبير، أَهَّلَه مع ورعه وتقواه وهيبته ووقاره أن يجلس للتدريس والإفتاء  في سن مبكرة وهو ابن سبع عشرة سنة، لا سيما بعد أن شهد له سبعون شيخاً من  كبار أهل العلم  الشيوخ ؛ ومن ثم كان يدرس ويفتي في حياة عدد من شيوخه وبمحضرهم.

وكان كثيراً ما يجيب بعدم المعرفة فيما يسأل عنه، على نحو ما ساقت الروايات الكثيرة التي منها ما قال ابن أبي أويس : >سئل مالك مرة عن نيف وعشرين مسألة، فما أجاب منها إلا في واحدة<(3).

ومع هذا التحرّي الكبير، فإنه كان يقول : >إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي،  فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه<(1).

لهذا، ففقهه قائم على الكتاب والسنة بالدرجة الأولى، ثم على عمل أهل المدينة، ففتوى الصحابة، وبعد ذلك القياس والاستحسان المبني على تحكيم المصلحة، باعتباره ــ في نظره ــ “تسعة أعشار العلم”، ومثله المصالح المرسلة، أي التي لا يشهد لها دليل خاص بالاعتبار أو الإلغاء، فيؤخذ بها حيث لا نص، بشرط أن يكون في الأخذ بها دفع حرج، وأن تكون من جنس ما هو معتبر في الشريعة. تضاف إلى هذه الركائز، الذرائع التي مفادها أن ما يؤدي إلى حلال فهو حلال، وما يؤدى إلى حرام فهو حرام.

واعتماد مالك على السنة في علمه ومواقفه وتصرفاته، جعله يتمثل باستمرار منشداً قول الشاعر :

وخير أمور الدين ما كان سنة       وشر الأمور المحدثات البدائع

وفي المسائل الخلافية التي عاشها المسلمون عقدية وسياسية، كان له رأي معتدل ؛ فعنده أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، وأنه يزيد دون أن يذكر نقصانه. وكان يؤمن بالقدر وبمسؤولية الإنسان عن أفعاله، وكان يرى في مرتكب الكبيرة، أنه يعذب بمقدار معصيته، وقد يغفر الله له إن شاء. أما في قضية خلق القرآن، فإنه أمسك عن الخوض فيها. وكان يقر خلافة الراشدين، ولا يشترط أن تكون الخلافة في بني هاشم أو في البيت العلوي، بدليل أن أبا بكر وعمر لم يكونا من أحد هذين البيتين، وكان من رأيه أنه لا تجوز الإمامة في بلد لا يقام فيه العدل. وفي موضع البيعة، ذهب إلى أن بيعة أهل مكة والمدينة كافية، ولا تصح بيعة الأقاليم بدونهما.

كان مالك علَماً من أعلام الحديث، وكان علَماً من أعلام الفقه، فنال الإمامة فيهما. وكان يعجب بقول عمر بن عبد العزيز : >سنَّ رسول الله# وولاة الأمور من بعده سنناً، الأخذ بها اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة في دين الله، وليس لأحد بعدها تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها، فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها >واتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى، ونصله جهنم وساءت مصيراً<.

وتقديراً لما كان يحظى به مالك من مكانة، فقد شهد له معاصروه من شيوخه وغيرهم، بما يزيد في إبراز هذه المكانة.

وللمكانة العلمية التي كانت له في عصره، فقد أخذ عنه جم غفير(1)، بدءاً من أقرانه إلى من سبقهم أو لحقهم من الشيوخ. و روى عنه جماعة من الشيوخ الذين روى هو عنهم، إلى جانب المدرسة  الحافلة التي تشكلت من الآخذين عنه، فقد خلف مالك تراثاً مكتوباً ذا أهمية قصوى يشار فيه إلى ما يلي :

1. الموطأ، وقد رواه عنه أبو محمد الليثي، ويذكر أنه أول الكتب المدونة في السنة، أورد فيه الأحاديث مرتبة على المسائل الفقهية الـتي اجتـهد فيـها، كما تـحدث فـيه عن عمل أهل المدينة وآراء الصحابة والتابعين.

2. رسالة في القدر رد فيها على القدرية، وهو من خيار الكتب الدالة على سعة علمه.

3. كتاب في النجوم وحساب مدار الزمان ومنازل القمر >وهو كتاب جيد مفيد جداً قد اعتمد عليه الناس في هذا الباب و جعلوه أصلاً<.

4. رسالة في الأقضية كتب بها إلى بعض القضاة عشرة أجزاء.

5. رسالة إلي أبي غسان محمد بن المطرف “وهي في الفتوى مشهورة”.

6. رسالة إلى هارون الرشيد ويحيى البرمكي في الآداب والمواعظ حدث بها جماعة، وأنكر آخرون أن تكون من وضعه.

7. كتاب في التفسير لغريب القرآن.

8. كتاب السير.

9. رسالة إلى الليث بن سعد حول عمل أهل المدينة.

10. رسالة إلى ابن وهب حول القدر.

بهذا التراث المكتوب و ما خلف من تلاميذ و تلاميذهم، أتيح لمذهب مالك أن ينتشر في أمصار إسلامية كثيرة.

3. المذهب الشافعي :

نسـبة إلـى أبـي عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمـان بن شافع (204-150هـ)(1). يـرفع نسـبه إلى هـاشـم الـذي اختـلف فـيه إن كـان هـو هاشم بن عبد مناف جد النبي#، أم ابن أخ له.

ولد في فلسطين بغزة على الأشهر أو عسقلان، وفي رواية أنه ولد في اليمن، وإن فسرت بأنها تعني إحدى المدينتين الفلسطينيتين، نظراً إلى أن أغلب سكانهما يمنيون. وفي سن مبكرة، هاجرت  به أمه ــ وهي أزدية ــ إلى مكة، فأخذ في طلب الرماية والعلم، وكان فيهما ماهراً، إذ حفظ القرآن الكريم وأشعار العرب وكلامهم وآدابهم وأخبارهم. وكان سريع الحفظ قوي الذاكرة حاد الذكاء، مع جمال في الصوت مؤثر في السامعين عند ترتيل كتاب الله أو مطلق قراءة.

ثم نصح بتعاطي الفقه حتى تكتمل شخصيته العلمية، فبدأ بقراءة الموطأ وحفظه، ثم سعى متوسطاً بوالي مكة إلى والي المدينة للقاء مالك ليقرأ على يديه وليروي عنه.

وكان بما نال من علم وافر وما تحلى به من صفات مؤهلاً للإفتاء وهو دون العشرين، مع صرامة في الرأي، إذ روي أنه قال : >لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفاً بكتاب الله بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، ويكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول الله#، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة، بصيراً بالشعر وما يحتاج إليه للسنة والقرآن ؛ ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي<(1).

ومع غزارة علمه وسعة معارفه، فقد كان يتحرج من المسائل الكلامية التي كان يرى أن الخطأ فيها قد يفضي إلى الكفر، في حين كان في القضايا السياسية يعبر عن رأيه، إذ كان يرى أن الإمامة أمر ديني يجب إقامته، وأنها ينبغي أن تكون في قريش ولو على حد السيف. وكان يعتبر الخلفاء الراشدين خمسة، يضيف إلى الأربعة عمر بن عبد العزيز.

أما فقهه، وقد جمع فيه بتوفيق ونقد بين مدرسة الرأي  ومدرسة الحديث، فقائم على منهج ينطلق فيه من أن  العلم خمس طبقات : >الأولى  الكتاب والسنة إذا ثبتت، الثانية الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، الثالثة أن يقول بعض أصحاب النبي# قولاً ولا نعلم له مخالفاً منهم،  الرابعة اختلاف أصحاب النبي# في ذلك، الخامسة القياس على بعض الطبقات ولا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما موجودان، وإنما يؤخذ العلم من أعلى<( 2).

ويتبين من هذا المنهاج  أن مذهب الشافعي يعتمد بالدرجة الأولى على القرآن في استناد إلى ظاهره ما لم يضطر إلى التأويل، ثم على السنة باعتبارها تبين القرآن وتفسره. وكان بهذا التوجه يأخذ بخبر الآحاد ويقدمه على القياس، وإن كان يراهما معاً مخصصين لعموم القرآن.

وكان ابن حنبل يعتبر الشافعي أكثر اتباعاً للسنة من غيره، وكان يقول : >ما من أحد وضع الكتب منذ ظهرت أَتْبع للسنة من الشافعي<(3). وسأله مرة عن القياس فأجابـه : >عند الضرورة<(1). كما كان ابن راهويه يرى أنه أعلم وأعمل من غيره بالرأي، وهو القائل : >ما تكلم أحد بالرأي ــ وذكر الثوري والأوزاعي ومالكاً وأبا حنيفة ــ إلا والشافعي أكثر اتباعاً وأقل خطأ منه<(2).

وعلى خلاف غيره من الأئمة، فإنه لم يكن يقول بالاستحسان  الذي كان يراه نوعاً من التشريع، في حين كان يعطي أهمية للعرف وللذرائع. كما أنه ــ على عكس مالك ــ لم يكن يرى حجية للمصالح المرسلة. أما الاستصحاب فقد توسع في الأخذ بقسمه المتعلق بالوصف دون غيره.

بهذا وغيره مما تميز به الشافعي من علم، وتفرد به من صفات، بقي أثره متجلياً في جوانب متعددة، يمكن إجمالها في مجالين :

الأول : التلاميذ الذين رووا وحدثوا عنه، وهم كثر، وقد ذكر منهم البغدادي(3) سليمان بن داود الهاشمي، وأحمد بن حنبل،وغيرهما، وذكر الحموي أنهم >زيادة على مائة، هذا مع قصور سنه عن سن أمثاله من الأئمة، وإنما تكثر الرواة عن العالم إذا جاوز سنه الستين أو السبعين، والشافعي لم يبلغ في السن أكثر من أربع وخمسين<(4).

الثاني : مناظراته ومؤلفاته. أما مناظراته فقد تضمنتها كتبه، وأما مؤلفاته فقد احتوت كتباً كثيرة استعرض الحموي فهرستها، منها ما دونه ومنها ما أملاه  في الحجاز والعراق ومصر. ولعل ما وصل منها لا يشكل إلا ما حرره أو أعاد تحريره في مصر، ويتمثل في الآتي :

1. الرسالة، وقد كتبه ــ إملاءً فيما يظهر على أحد تلاميذه لعله الربيع وفق ما ذهب إلى ذلك محقق الرسالة.

ويعتبر هذا الكتاب  أول ما وضع في أصول الفقه لضبط القواعد والحدود التي تسير عليها أحكام الشرع وتقوم عليها معرفة دلائل هذه الأحكام.

2. الأم، ويحتوي عشرة كتب.

3. اختلاف الحديث.

4. سنن (الإمام الشافعي) في الحديث.

5. مسند (الإمام محمد بن إدريس).

6. ديوان الشافعي، ويضم أبياتاً ومقطوعات وقصائد تنم عن طاقة إبداعية وقدرة تعبيرية مع فصاحة وجزالة وميل إلى الحكمة.

بهذا التراث الغني في مجال الفقه والحديث واللغة والأدب، نال الشافعي عاطر الثناء عليه. وقد خصه ابن حنبل بالكثير من عبارات التقدير والإكبار. وقال عنه >كان الفقه قفلاً على أهله حتى فتحه الله للشافعي… ما عرفنا العموم من الخصوص وناسخ حديث رسول الله# من منسوخه، حتى جالسنا الشافعي<(1). وقال معتبراً إياه مجدد المائة الثانية : >إن الله تعالى يقيض للناس في كل رأس مائـة سنة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله# الكذب، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي رضي الله عنهما<.

4. المذهب الحنبلي  :

نسبة إلى أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي البغدادي (241-164هـ)(2).

تبحَّر في العلم، فاهتم بالحديث والفقه، وأخذ عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ثم رحل إلى البصرة والكوفة عام 186، وإلى الحجاز في العام الموالي فاليمن والشام. وكان حيثما حل يبحث عن العلماء، يأخذ عنهم ويروي ما عندهم. ففي مكة التقى أول مرة بالشافعي، والتقى به بعد ذلك في بغداد. كما التقى في صنعاء بالمحدث المشهور عبد الرزاق بن همام. واشتهر بكثرة رحلاته العلمية، إلى حد استنكره عليه بعضهم فرد عليه : >مع المحبرة إلى المقبرة<.

وقد أخذ كتابةً وسماعاً عن عدد  يطــول ذكرهم ويشــق إحصاء أسمائهم(1). وقد تسنى له بعد ذلك وقد بلغ الأربعين من عمره، أن يتصدى للتدريس والإفتاء، وكان مجلسه يتسم بالسكينة والوقار. وكان في منهجه التعليمي لا يملي من حفظه، ولكن يعتمد بعض مدوناته، ويلزم تلاميذه بالكتابة، إلا ما كان من فتاويه، فإنه كان ينهاهم عن تدوينها.

وعلى الرغم مما كان في عصره من انشغال بالمسائل الكلامية، فإنه لم تكن له عناية بها، بل كان يمتنع عن الخوض فيها. وهذا ما جعله يصطدم مع العباسيين، وخاصة الخليفة المامون.

وإلى جانب رأي ابن حنبل في قضية خلق القرآن، فإنه كان من حماة السنة والذائدين عن منهج السلف.

ومن ثم، فإنه كان يقول بأن الإيمان قول وفعل، وأنه يزيد بالحسنات وينقص بالسيئات، وبأن المسلم يخرج من الإيمان إذا أشرك أو أنكر إحدى الفرائض ؛ وبأن من تهاون في أداء ما عليه يكون في مشيئة الله، إن شاء عذبه أو عفا عنه، وبأن مرتكب الكبيرة عاص متروك أمره لله. وكان يرى وجوب الإيمان بالقدر في رضى وتسليم، ويقبل الصفات كما هي في غير تأويل لها. أما في السياسة فكان يقر خلافة الراشدين، مع القول بالشورى، وبأن يكون الأمر في قريش.

وكان عمله في السنة يعتمد إيثار الرواية على الفتوى، مما جعل جانب الحديث يطغى على فقهه الذي كان متأثراً بالسنة مستمداً منها، والذي كان يستند فيه إلى >خمسة أصول  أحدها النصوص، فإذا وجد النص أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه كائناً من كان، ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملاً ولا رأياً ولا قياساً ولا قول صاحب ولا عدم علمه  بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعاً ويقدمونه على الحديث الصحيح. وقد كذَّب أحمد من ادَّعى هذا الإجماع ولم يسوغ تقديمه على الحديث الثابت، الأصل الثاني هو ما أفتى به الصحابة، فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يَعْدُها إلى غيرها ولم يقل إن ذلك إجماع، الأصل الثـالث هو من أصوله إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة ولم يخرج عن أقوالهم فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول، الأصل الرابع هو الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب  شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس، فإذا لم يكن في المسألة نص ولا قول الصحابة أو واحد منهـم ولا أثـر مـرسـل أو ضعيــف عَدل إلى الأصـل الخامـس، وهو القيـاس فاستعمله للضرورة…<.

لقد تشكل من هذا المنهج وما يتصل به من آراء، تراثٌ غنيٌّ ظهر فيما خلف ابن حنبل من تلاميذ وما ترك من مدونات.

كان أحمد بن حنبل رجل سنة حافظاً لها، وجاءه الفقه عن طريقها، ولكن مع ذلك أُثِرَتْ عنه آراء حول بعض العقائد من غير أن يخوض في مجادلات فقهية، منها رأيه في الإيمان، ومنها رأيه في القدر وأفعال الإنسان، ورأيه في مرتكب الكبيرة، ومنها مسألة خلق القرآن.

أما التلاميذ فيمثلهم الجمُّ الغفير من العلماء الذين أخذوا عنه إذ روى عنه غير واحد من شيوخه… وحدث أيضاً عنه ابناه صالح وعبد الله، وابن عمه حنبل بن إسحاق، والحسن بن الصباح البزار، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وعباس بن محمد الدوري، ومحمد بن عبيد المنادي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، وأبو داود السجستاني، وأبو بكر الأثرم، وأبو بكر المروذي، ويعقوب بن شيبة، وأحمد بن أبي خيثمة، وأبو زرعة الدمشقي، وإبراهيم الحربي، وموسى بن هارون، وعبد الله بن محمد البغوي، وغيرهم.

وأما مؤلفاته،  فمنها :

1. كتاب الصلاة.

2. رسالة إلى الإمام مسدد بن مسرهد بن مسربل.

3. المسند، ويضم ثلاثين ألف حديث، رتبها ابنه عبد الله على الصحابة وربما أضاف إليها. وقد اشترط فيها ألا يخرج إلا الصحيح، وإن أخذ عليه إيراده أحاديث ضعيفة.

ألف المسند وألف في التفسير، وفي الناسخ والمنسوخ، وفي التاريخ، وفي المقدم والمؤخر في القرآن، وفي جوابات القرآن، وألف المناسك الكبير والصغير، وفي حديث شعبة، وألف كتاب الزهد، وكتاب الرد على الجهمية والزنادقة، وكتاب الصلاة، وكتاب السنة، وكتاب الورع والإيمان، وكتاب العلل والرجال، وكتاب الأشربة، وجزءاً في أصول السنة، وفضائل الصحابة. وله قصائد متناثرة، وأجزاء في بعض الأصول والمسائل، كما نقل عنه مجموعة من المسائل، منها : مسائل الإمام أحمد وهي أجوبة على بعض مسائل الفقه برواية أبي داود السجستاني، ومسائل  أحمد إلى ابنه عبد الله،  يوجه فيها ابنه عبد الله، ومسائل الإمام أحمد وإسحاق بن إبراهيم، رواية إسحاق بن منصور المروزي.

والحق أن تلاميذه، ومنهم ابناه عبد الله وصالح، هم الذين نقلوا روايته وفقهه، وهو مما ساعد على انتشار مذهبه الذي كان لهم فضل ترتيبه، إذ قسموا العمل فيه إلى :

1. الروايات المنسوبة لابن حنبل.

2. التنبيهات، وهي الأقوال التي لم يرد له فيها رأي صريح، ولكن كانت له فيها إشارة أو تلميح.

3. الأوجه، وهي ليست أقواله المروية عنه بالنص أو بالتنبيه، وإنما هي أقوال المجتهدين والمخرجين انطلاقاً من المذهب.

وإذا كان هؤلاء قد عملوا على النشر النسبي للمذهب، فإن مما يلاحظ أن هذا النشر لم يعرف الاتساع، ربما لتأخره الزمني عن المذاهب السابقة التي كان الناس قد استقروا على العمل بها في شتى الأقطار الإسلامية، وربما كذلك لعدم مساندة السلطة في عصور التاريخ الإسلامي له مما جعل القضاة في الماضي لا يعينون من الحنابلة.

ومع هذا فقد  حاز ابن حنبل من معاصريه وغيرهم عظيم الثناء وكبير التنويه، لما كان يتمتع به من محامد، وفضائل، ولما كان يحمله ويلقنه من علم نافع.

5. المذهب الجعفري :

المذهب الإمامي الجعفري من أشهر مذاهب الشيعة الإمامية، وأكثرها ظهوراً على الساحة الإسلامية، وينسب  إلى الإمام : جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه). وكـان قـد غـلب لـفظ الشـيعة بـعد عـصر الـرسول# علـى مـن يـوالي الإمـام عـلياً وأهـل بيـته، ويعتـقد بإمامته ووصايته، ويظـهر ذلك مـن خـلال كلــمات المـؤرخين وأصـحاب المقالات.

مولده و نشأته و مشايخه :

في أرجح الروايات أن ولادة الإمام جعفر الصادق  تمت عام 80 للهجرة النبوية، وقيل إنه ولد عام 83، بالمدينة المنورة قبل ذلك التاريخين، وهي السنة التي ولد فيها تلميذه الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، فقيه العراق.

وكان قد نشأ وترعرع بالمدينة المنورة، مكان مولده ومقر تربيته وتعلمه، حيث كانت آثار الصحابة (رضوان الله عليهم) بها قائمة، ويوجد فيها أكثر وأكبر التابعين.

وكان  قد أخذ علمه عن كبار التابعين، كما أخذ عن الكثيرمن فقهاء عصره، وزاده غزارة علم ومقدرة بما كسبه عن والده الإمام العالم الآواه، الملقب بالباقر بن زين العابدين، وما أخذه وتدارس فيه مع عمه الإمام زيد ابن علي. وبما أن الروايات التاريخية قد أثبتت أنه أدرك جده زين العابدين، فإنه لاشك كان قد أخذ عنه، وأنه استزاد من علمه ومعارفه، واستزاد من فضائله، مما جعله نبراس هدي وعلم، كما جعله إماماً به يقتدى، وعلى علمه يعتمد، وقد اشتهر بأنه ممن حافظ على رواية أهل البيت، كما اكتسب أيضاً من القاسم بن محمد حامل عِلْمِ عائشة أم المؤمنين (رضي الله عنها)، وممن لقي من فقهاء التابعين علماً وفضلاً، وبلا ريب فإنه لم يبلغ ذروة العلم والفضل، إلا لأنه اغترف من معدنه حتى صار علماً يقتدى به، لذلك فقد خلف من العلم ما يذكر به، وترك لمن خلفه من الذكر والمَثَلَ ما نحن أحوج إلى معرفته.

أدلة التشريع لدى الإمامية الجعفرية :

تنحصر أدلة التشريع لدى فقهاء الإمامية الجعفرية ومجتهديها في أربعة مصادر، هي : القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع، وفيه إجماع المعصومين لديهم، والعقل، والمقصود به لديهم : إعمالُ العالِم المتبحر المختص عقله في البحث والتنقيب عن الدليل الشرعي، من موارد التشريع الثلاثة السابقة(1) .

فقه المذهب الجعفري :

ليس من اليسير الحكم بأن علماء المذهب الجعفري كانت لهم مسائل فقهية أو فكرية اجتهادية خارجة عن ثوابت فقه الإمام جعفر وقواعده، ولا متعارضة كلياً مع كل ما عليه بقية الفرق الإسلامية، إلا ما ثبت من اجتهادات الإمام الصادق جعفر بن محمد، ومن مراجع البحث، نجد أن أغلب مسائل المذهب الإمامي الجعفري الفقهية الاجتهادية الثابتة : قريبة من منهاج فقه أهل السنة، ولا يوجد بينها وبين المذاهب السنية، والفرق الشيعية الأخرى، فوارق فقهية كبيرة، إلا في حدود الاجتهادات الظنية والاستنباطات المشروعة التي لا يمت الاختلاف فيها أو حولها  إلى جوهر الإسلام وثوابته القاطعة.

وحيث إن الإمام جعفر كان قد أخذ عنه وتتلمذ على يديه الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، في أصح الروايات، فإنه مما لا شك فيه أن فقه الإمامين أبي حنيفة ومالك، صاحبي المذهبين المشهورين، قريبٌ من فقه المذهب الجعفري ومستنبط من مصادره، مما يعني ويؤكد وبكل جلاء ووضوح  أيضاً : بأن مسألة التقريب بين المذاهب، ليست ممكنة التنفيذ فحسب، بل إنها سهلة التحقيق، لاسيما في إطار هذه الاستراتيجية ومنطلقاتها، المرتكزة على أصول وثوابت إسلامية، وبما يؤكد أن المذهبية الإسلامية والتعددية الفكرية، إنما هي مزرعة لنماء الفكر الإسلامي، وأرضية مقبولة محمودة لخصوبة الفقه الاسلامي وتطويره وشيوعه، وتجدده بتجدد الزمان والمكان، وثبات صلاحيته لمواجهة كل مستجدات حياة الإنسان المسلم وتطورها. وعلى مدار البحث، فإنه ينبغي الانتباه إلى أن الخلاف الفقهي ليس خلافاً بين طرفين متباينين، سنة وشيعة، بل هو اختلاف بين مدارس فقهية(1)، نهجُها واحد، كذلك فهو اختلاف علمي وليس بين المسلمين اليوم اختلاف علمي غير هذا(2).

وعليه فلا يختلف مذهب الشيعة الإمامية عن غيره من المذاهب الاجتهادية الفقهية المنتشرة في ربوع العالم الإسلامي، إلا في أحكام ومسائل ظنية، شملتها فروع الأحكام  الفقهية وبعض المسائل الأصولية، وغالبها إن لم نقل كلها، من المسائل التي يمكن أن يكون الخلاف فيها أحياناً أوسع مدى بين مذاهب أهل السنة ذاتها، والتي على أساسها نشأت المذاهب وتفرعت مفاهيم التشريعات إلى فرق وطوائف، بينما هي في جوهرها الصحيح المنزل من عند الله، لا تقبل التفريع ولا هي في كلياتها تقبل التجزؤ، لأنها نزلت  محكمةً  من رب واحد، وفرضت  من حكيم حميد، عالم عليم. ومن ذلك المنطلق ومن مرجع مصدر التشريع الإسلامي الواحد وهو القرآن الكريم الذي جاء على لسان سيدنا محمد#، فإن عوامل التقارب بين مجمل  المذاهب وأسبابها سهلة المنال وغير مستبعدة التحقيق، كما أنها ليست مستعصية، ولا هي في حكم  المستحيل، لأن المذاهب كلها تتفق وتلتقي في الجوهر والمقصد، وإن اختلفت في المظهر والطرائق، مما يؤكد أن مسائل الاتفاق بين المذاهب الإسلامية، أكثر بكثير من مسائل الاختلاف، وأن وشائج الوحدة أقوى وأمتن.

وبالرجوع إلى مصادر مذهب الشيعة الجعفرية وفقهها، نجد الحكم في أغلب القضايا والمسائل الخلافية، يلتقي فيها مذهبهم مع مذهب آخر من المذاهب الإسلامية السنية، سواء ثبت ذلك في جزء من المسألة، أو في كلها، كما أنك لا تجد تناقضاً أو تبايناً كلياً بين مذهب و آخر.

ومن أمثلة مسائل الاختلافات الفقهية، التي سيطرت على الساحة العلمية الإسلامية في العصر الأخير، مسألة القبول بالاجتهاد، باعتباره عند الشيعة الجعفرية  وغيرها من المذاهب ملزماً وبشروط، بينما الصورة المتوارثة عن بعض المتأخرين من أتباع أئمة المذاهب السنية، أنهم يلزمون أنفسهم بالرأي القائل : بأن باب الاجتهاد قد أقفل بأئمة الفقه الأربعة. وبالتتبّع والتحقق والتمحيص الدقيق، بحثاً عن دليل لهذا الرأي، فإنه لم يثبت نص مروي، أو حتى نقل عن أي من الأئمة الأعلام بهذا المعنى، فليس هناك ما يثبت إقفال باب الاجتهاد، لذلك فإقفاله لدى المتأخرين، هو رأي لاحق لعصر الأئمة المشاهير، وبما أنه مجرد رأي لا دليل عليه، فإنه ليس  ملزماً لأي مذهب، بل إنه مخالف لمنهج الإسلام ومردود لأثره السلبي على تطور الفكر الإسلامي، وإشاعته للجمود الفقهي، والحد من التوسع العلمي، الذي اشتهر وتميز به الفكر والفقه الإسلاميان. ومن هذا المنظور فإن التقليد لا يتناسب ومستجدات العصر، ولا يوفر للقواعد  الفقهية الإسلامية والأصول التشريعية صلاحيتها لكل زمان ولكل مكان.

ونجد من أهم نقط الالتقاء بين الشيعة الإماميةالجعفرية والزيدية مع أئمة المذاهب السنية المشهورة، دعوتهم إلى جعل باب الاجتهاد مفتوحاً في جميع العصور والأزمنة، كما ثبت أنهم مارسوه عملياً، ودون كلل ويلزمون به وفق شروط وضوابط أصولية وفقهية معروفة ومقررة في مراجع أصول الفقه الأساس المعتمدة، سواء منها كتب الشيعة ومراجعها، أو كتب ومراجع  غيرهم، لما للاجتهاد فيما يحتمله النص التشريعي، من فوائد جليلة وأهمها التوسعة، التي بها جعلت الشريعة الإسلامية حية متحركة نامية قابلة لكل المستجدات، لأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان.

من أهم مراجع الفقه الشيعي الإمامي :

نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، بعض المؤلفات المرجعية المشهورة في الرواية للإمامية الجعفرية، وهي :

1. الكافي، للكليني.

2. التهذيب.

3. الاستبصار.

4. من لا يحضره الفقيه.

5. وسائل الشيعة.

6. جواهر الأحكام وشرائع الإسلام.

7. مستمسك العروة الوثقى.

8. شرح اللُّمْعة الدمشقية.

وهناك غيرها من المراجع والمؤلفات والرسائل العلمية التي جمعها وكتبها المجتهدون، كما أن لديهم من الفتاوى الفقهية التي يرجع إليها المقلدون منهم عدد كثير لا مجال لحصره هنا.

ومن خلال التقصي لمواطن الاستدلال نعرف أنهم ينظرون بترجيح لكتب أهل البيت الجامعة للحديث النبوي الشريف، وينظرون لكتب الرواية الأخرى، كالصحيحين والسنن والمسانيد، وأمثالها من كتب الحديث والرواية نظرة ثانوية، وهذا مؤشر واضح أيضاً على أن قضايا الاختلافات الفقهية ومسائلها، ومصادرها موحدة، وعلى حد كبير من التداخل، وعلى مقربة متناهية من التماسك، يسهل التقريب بينها،  في إطار رؤية موضوعية بناءة، وخطط عملية تستهدف ما تستهدفه هذه الاستراتيجية.

6. المذهب الزيدي :

ينسب  المذهب الزيدي إلى الإمام أبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه المولود عام 73هـ على أصح الأقوال، و في عرف علماء الزيدية وفقهائها أن هذه االتسمية تطلق على أتباع مذهب أئمة أهل البيت النبوي الشريف ومن تابعهم، في مسائل : العدل، والتوحيد، و القول بإمامة الإمام زيد بن عليّ(1).

لذلك فالنسبة إليه نسبة انتماء و اعتزاء(2)، وليست  نسبة التزام مذهبي على النحو المعروف، كما يعتقدها البعض، ولا نسبة متابعته في جميع أقواله وأعماله وأفكاره،  للاعتبارات الاجتهادية التالية :

أولاً : أن المذهب الزيدي يحرّم التقليد، على كل متمكن من استخراج الحكم واستنباطه، من مصادر التشريع الإسلامي.

ثانياً :  لأن هذه النسبة لم يطلقها الإمام زيد على أتباعه ومن ناصره، ولا أطلقها في البداية أتباعه على أنفسهم، وإنما أطلقها بنو أمية على كل من ثار عليهم بعد الإمام زيد (رض)، و لذلك يرجح أن أصل تسميتها بالزيدية تسمية سياسية أكثر منها مذهبية فقهية(3)، ويرى أصحابها أنه من الأرجح أن تنسب هذه الطائفة إلى مذهب أهل البيت النبوي الشريف، لالتزامها بفقه العترة النبوية، ولكونه المذهب الذي تلتقي عنده كل المذاهب الفقهية. ذلك من حيث النسبة، أما من حيث النشر والتعريف، فإن الإمام : الحسن بن محمد بن إسماعيل بن الحسين بن زيد بن الحسين يعتبر المؤسس الأول للمذهب الزيدي في الجيل والديلم (طبرستان) عام 252هـ، كما يعتبر الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المؤسس الأول للمذهب الزيدي في اليمن سنة 284هـ، كما يعرف المذهب الزيدي بالتقصي العلمي، وبنقط الالتقاء بينه وبين بقية المذاهب الإسلامية ــ السنية منها والشيعية ــ، ويتسم المنتسبون إليه بما يلي :

أ) أنهم يصححون ما يصح من كتب السنة، ويأخذون بها كمصادر للقضايا والمسائل الاجتهادية الفقهية والفكرية.

ب) أنهم يقبلون روايات المخالفين لهم إذا كانوا عدولاً، ولا يخالفون ما ثبتت صحته من طرف غيرهم.

ج) أنهم لم يقيموا شقة فارقة بين رواياتهم و رواية غيرهم، إلا من ثبت خروجه عن الجادة الإسلامية، أو ثبت وضعه.

د) أنهم يقررون من أصول  التشريع ما يقرره أكثرالفقهاء، وماعليه جل المذاهب الفقهية.

هـ) أن الأحاديث المروية في كتابي المجموع : الحديثي والفقهي، المرويين عن  الإمام زيد، لا تختلف عن الأحاديث  النبوية المروية في كتب أهل السنة، ولا يوجد فيهما حديث شاذ عن تلك الأحاديث.

و) إلى ذلك  فإن فقه الإمام زيد يمتاز بالقرب الكبير من فقه الأئمة الأربعة، والمذهب الحنفي بشكل أخص، لا في الحلول التي انتهى إليها فحسب، بل في المقدمات التي تثبت عليها الحلول.

نسب الإمام زيد ونشأته :

هو الإمام الجليل الشهيد : أبو الحسين زيد بن علي زين العابدين بن الحسين أبو الشهداء بن الإمام علي بن أبي طالب : رضي الله عنهم أجمعين.

أما نشأته فيقول الشيخ محمد أبو زهرة، ما نصه : >في ظل الأدب السمح الكريم نشأ زيد وتربى، ومن آبائه الكرام الأبرار، ومن هذه السلالة الطاهرة النقية كان ذلك الإمام، إلى أن يقول : وفي ظل كل القيم والفضائل ينتهى علمه وعمله<(1)، وقد أفصح الكثير من المؤرخين عن بعض الخصال الشريفة التي تحلى بها زيد بن علي، ومنهم العلامة نشوان بن سعيد الحميري المتوفى سنة 573هـ)(2).

تلامذته :

أثبتت سيرة الإمام زيد علمه وفضله، وأن الذين اختلفوا إليه، وأخذوا عنه، هم ممن اشتهروا بالعلم والزهد والفقه، ومنهم الإمام : أبو حنيفة النعمان بن ثابت الذي ثبت أنه والاه وأعانه في دعوته بمال كثير مناصراً ومويداً، ولقي من أجل ولائه للإمام زيد ولآل بيت رسول الله الأمرين.  ويذكر العلماء والرواة : أنه كان يجيء الإمام زيد طلاب العلم من كل مكان يتلقون عنه، حين كان عاكفاً على قراءة القرآن الكريم والعبادة بالمدينة.

كما تتلمذ على الإمام زيد ابن أخيه الإمام جعفر بن محمد، والإمام أبو حنيفة، والمحدث المشهور : أبو خالد عمر بن خالد الواسطي، الهاشمي بالولاء، الذي لازمه طويلاً، وغيرهم من المشاهير كثير.

مصادر التشريع لدى الزيدية :

مصادر التشريع في نظر الزيدية عموماً هي ثمانية، أولها وأجلّها  كتاب الله جل وعلا، وثانيها : سنة رسول الله#، وهي : قوله وفعله وتقريره، ويأتي بعدهما بحسب الترتيب : الإجماع، فالقياس، فالاستصحاب، فالاستحسان، فشرع من قبلنا، وأخيراً العقل.

ومعظم رجال طبقات المذهب الزيدي من العلماء المجتهدين المؤلفين المبرزين في مختلف العلوم و الفنون، والمتميزين بالتسامح، والميل إلى الأخذ بالدليل، وقبول قول الآخرين بما ترجح لديهم، وقد ظهر منهم الكثير.

7. المذهب الإباضي :

ينسب مذهب الإباضية إلى الزعيم الديني المشهور بجرأته وشجاعته، وبموقفه من يزيد بن معاوية  لحماية مكة، ذلك هو :

عبد الله بن إباض التميمي(1) المري، ولقد بسط بعض آرائه الفقهية في رسالة وجهها إلى عبد الملك بن مروان، يتحدث فيها عن الغلو في الدين، وهو لم يكن إماماً له مذهب خاص، ويقول : إن الإباضية اعتمدت على الصحيح الصريح من الأوامر الشرعية واتباع سنن الخليفتين المرضيين أبي بكر وعمر بن الخطاب (رضي الله عنهما).

وتذكر المصادرأن أول زعيم إباضي عرف بحضرموت هو طالب الحق : عبد الله بن يحيى الكندي نسباً، وقد وصفته بعض كتب  التاريخ، بأنه : مجتهد عابد شجاع كريم ذو فصاحة ولسان، كما تدل على ذلك خطبه، وهو صاحب الخروج على مروان بن محمد الأموي (130-129)، وكان قد بويع له بإمامة الإباضية في كل من البصرة وحضرموت، كما كان قد تقدم على صنعاء، حيث تم له الاستيلاء عليها عنوة، بعد أن مر من طريقه على أبين و لحج، و يذكر أنه تم له الاستيلاء على الحجاز والشام بعد أن كثر أنصاره.

ويتضح مما نشر أخيراً عن تاريخ الإباضية : أن الموجودين اليوم منهم يأخذون بمذهبٍ يتصف بالاعتدال، والبعد عن الصفات التي ذكرت عنهم في بعض المصادر التاريخية والكلامية، وأنهم ليسوا بالمتعصبين، كما يبدو أن ذلك الاعتدال الحادث كان قد نتج عن اجتهادات  فقهية، وآراء فكرية، تبشر بإمكانية تحقيق أهداف هذه الاستراتيجية، كما تؤكد بأن التقريب بين المذاهب الإسلامية ليس مستحيلاً، ولا مستعصياً.

ومن مصادر مؤلفات مذهب الإباضية ومراجعهم التاريخية والفقهية تعرف الحقيقة عن هذا المذهب، ومن أفواه علمائه وفقهائه، تتجلى الصورة الصحيحة عنه، لا مما حكى عنهم غيرهم، أو قيل فيهم،  ومهما كان مصدر القول والكتابة من غيرهم، فإنه لايخرج عن  كونه وصفاً يدخل تحت احتمال الصحة أو النقص أو الصواب والخطإ، لأنَّا لا نشك في أن أعداء الإسلام، كانوا قد اختلقوا الغث من القول عن الفرق والمذاهب الإسلامية وانتشروا في مختلف الأزمنة، وفي أكثرمن مكان، ودسوا نصوصاً وحكايات تجاوزت في مجملها حد المعقول، سواء كانت قد رويت من زاوية الجهل بالحقائق الإسلامية، أو بغرض زرع الفتنة وتغذية الفرقة بين المسلمين، لإضعاف  شوكة المسلمين، وتدمير كيانهم، والنيل من ديانتهم السمحة، لكن الباحث الجاد والمتفحص المنصف  للمصادر والمدقق للمراجع، يتبين أن ما قيل وكتب سلباًعن المذاهب كلها فيه تجاوزٌ للحقيقة، واقتحام للصحيح من القول، كما أنه سيعلم أن المذهب الإباضي من المذاهب الإسلامية،وأن رجاله رجال تقييد لا تقليد، وأهل اعتماد على الحق، لا على الخلق(1) تجري الأحكام لديهم على مقتضى الكتاب والسنة والإجماع، ثم على القياس والاستدلال والاستحسان والاستصحاب، وكلها من مصادر التشريعات الفقهية المعمول بها في بقية مذاهب السنة والشيعة، و لذلك ينكرون ويرفضون أي دعوة تخرجهم عن الحظيرة الإسلامية، كما يكرهون اعتبارهم إحدى فرق الخوارج، في الوقت الذي نجد في مؤلفاتهم و كتبهم التراثية أنهم يتبرؤون من الفرق المغالية، أينما وجدت وحيثما حلت.

والخوارج في نظرهم معناها الخروج على الإسلام، ويقول فقهاء الإباضية ومؤرخوهم قديماً وحديثاً، إن مذهبهم هو الإسلام : القائم على القرآن الكريم، وعلى السنة النبوية الشريفة، كما يذكرون أنهم اختاروا طوال حياتهم طريق الاعتدال، وجعلوا هدفهم الرئيس إقامة تعاليم الدين الإسلامي، علماً وعملاً، يقول(2) الشيخ سالم بن حمود : >لم يكن للإباضية هدف لتكوين حزب أو إنشاء مذهب خاص فمذهبهم الإسلام ودينهم الإسلام، ولم يكن اعتراض الإباضية على سياسة الخليفة عثمان بن عفان بعد السنين الست الأولى من خلافته، ولا على الإمام علي بن أبي طالب بعد قبوله التحكيم لأسباب شخصية أو لمنفعة مادية، وإنما لأسباب تمت في رأيهم إلى العقيدة الإسلامية<، ولم تنسب الإباضية إلى أي شخص من فقهائهم عدا انتسابهم إلى ابن إباض الذي عاصر معاوية بن أبي سفيان، وعبد الملك بن مروان(1).

ويبدو جلياً من خلال ما كتبه ويكتبه علماء المذهب الإباضي وفقهاؤه، أن المسائل والقضايا التي تدور حولها أسس التقريب وخططه، لا تبعد كثيراً عن أقوال أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى، ويمكن أن تستبان أبعادها، وتعرف مساحتها وتتفتح آفاقها التوافقية بالبحث المتعمق، بقصد الدراسة المقارنة والتعرف على المراجع الفقهية المعتمدة، وما تضمنته من قضايا ومسائل اجتهادية.

المحور الثاني

فضل أصول الفقه في التقريب بين المذاهب

أهمية دور علم الأصول في التقريب بين المذاهب تتمثّل في أمرين : أحدهما إبراز المبادئ المتفق عليها من قبل أئمة المذاهب، والعمل على صياغتها في مصنف خاص يصلح أن يكون أساساً لمدونات عصرية في تنظيمها، وتلتزم بمقتضيات الأصول المتفق عليها من حيث التنظير والتطبيق، وهذا العمل يتطلب دراسة وافية يشترك في وضعها مجموعة من المتخصصين.

أما ثانيهما فهو الانطلاق من مبادئ أساس، من شأنها أن توجه عملية التقريب لتوفق بين الالتزام الدقيق بأوامر الشريعة ونواهيها مع الحرص على الاختيار في نطاق دائرة الشريعة بين الحلول العمليّة التي تراعي مصلحة الأمة وعزتها، وبين منافع كل الأفراد وتحقيق رغباتهم المشروعة.

ومن أهم هذه المبادئ اعتبار هذه الحلول مندرجة في الأحكام التعبدية، لأن هذا الاعتبار لا يعني تتبع الرخص، أو رصد الأقوال الشاذة والتأويلات البعيدة، وإنما يكون منطلقها تلك الأسس التي أقرها اللَّه تعالى في كتابه العزيز إذ يقول جل وعلا : { ما جعل عليكم في الدين من حرج }، كما قرن التقوى بقدر المستطاع، وصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ما خير بين أمرين إلا واختار الأيسر منهما، وأُثر عنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم >بَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا<.

إن اعتبار هذه المبادئ مشهور عند أئمة علم الأصول، الذين قالوا إن الفقه يُبنى على قواعد وكليات منها أن >الضرر يزال<، وأن >المشقة تجلب التيسير<، و>العادة محكمة<، وأن >الأمور بمقاصدها<، وقد عَدَّ شهاب الدين القرافي من أدلة المجتهدين، المصلحةَ المرسلة والاستحسان، والعوائد والأخذ بالأخف.

ومما يجدر التنبيه عليه ضرورة مراعاة تطور هذا العصر الذي نعيش فيه اليوم، إذ تستوجب المحافظة على الإسلام عبادةً ومعاملةً، أن يُعْنَى العلماء الأئمة بالقيام بواجبهم التوجيهي ليتمكنوا من خلال اجتهادهم الجماعي، من تجديد القواعد الفقهية في جميع المسائل التي تدخل مجال القياس الشرعي ؛ وإنشاء ما يمكن أن يسمى “بالعمل العصري المطلق”، وهذا العمل لا يتم تحقيقه إلا بتوسيع دائرة الاجتهاد في استثمار الأصول الأربعة : الكتاب والسنة، والإجماع والقياس، باعتبارها دعامة ووسيلة لتحقيق مصلحة الأمة.

ونقدم فيما يلي تصوراً أولياً عن هذا الاستثمار، وبيان وجوبه وضرورته.

الدعامة الأولى : الاجتهاد الجماعي

1. ضرورة الاجتهاد :

نؤكد بدايةً أن كل استثمار للأصول لا يتأتى بدون ممارسة مستوى من الاجتهاد، ذلك أن المقابلة بين التقليد والاجتهاد ليست صحيحة في كل الحالات، فمن اختار أن يقلد فقد اجتهد. نعم، قد يكون مقلداً ما لم يطلع على عدة اتجاهات في مذاهب متعددة، فالإنسان الذي نشأ في وسط ليس فيه إلا مذهب واحد، لا يعرف غيره، فهو مقلد، لكن عندما يطلع على آراء المذاهب الأخرى، ويقرر البقاء على مذهبه، فإنه مارس ضرباً من الاجتهاد، وإذا ما بقي ملتزماً بأقوال مذهبه، وهي عادة لا تخلو من خلاف في الفروع، ثم اتبع بعضها وأعرض عن بعض، فإنه أيضاً تصرف مثل من يعرف في اصطلاح الفقهاء بمجتهد في المذهب، أمّا إذا استند في اختياره لبعض الأقوال على دليل من الأصول، فهو حينئذ تَعَامَلَ مع المسائل تَعَامُلَ مجتهدِ الترجيح.

وإذا ما نظرنا إلى واقع الأمة اليوم، فإنا نلاحظ ميل أكثر الباحثين إلى استنباط الأحكام من أصولها اعتباراً لسهولة الوصول إلى أصول الأحكام من الكتاب والسنة. والمهم في استراتيجية التقريب بين المذاهب، هو الاستفادة من هذا الاتجاه، ومحاولة تنظيمه ووضع حدود وضوابط لممارسته.

2. وجوب الاجتهاد وشروطه :

لقد قلنا إن التقريب بين المذاهب لا يتم إلا بممارسة ضرب من ضروب الاجتهاد، لأننا عندما نتمسك بالتقليد المحض، فإننا سوف نبقى على التمسك الجامد بالخلافات القديمة. والنظريات الأصولية تلزم العلماء باستعمال الاجتهاد حسب مؤهلاتهم، ودرجاتهم في استكمال شروطه. ولقد اتفق جمهور الأصوليين على أنه فرض كفاية، ويقول الشوكاني عازياً لابن الصلاح، إن الذي رآه في كتب الأئمة يشعر بأنه لا يتأتى فرض الكفاية بالمجتهد المقيد. ويعلق الشوكاني على هذا قائلاً إن كون الاجتهاد فرضاً يستلزم عدم خلو الزمان من مجتهد، ويدل على ذلك ما صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله : >لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى تقوم الساعة<.

وإذا كان من شروط المجتهد المطلق أن يكون ملماً بنصوص الكتاب والسنة وبمسائل الإجماع، عالماً بلسان العرب، مطلعاً على مسائل أصول الفقه، فإن هذا كله لا يعني الإحاطة أو الحفظ، وإنما يتعلق بمعرفة آيات الأحكام ومواضع الأحاديث التشريعية، والتبصر في مناهج الاستنباط، وقواعد الاستدلال، وكما يقول بعض مؤرخي التشريع، إن الحفاظ “صيادلة”، وإن الفقهاء هم “الأطباء”. ولذلك فإن شروط الصلاحية للاجتهاد يعود أكثرها إلى الملكات العقلية، لا إلى المحفوظات المعرفية، وهذا يفسره ما روي عن عمر بن الخطاب، وهو : >الفهم، الفهم فيما تلجلج في صدرك<.

وهذه العبارة تلمح إلى دور شخصية المجتهد الملتزم بمراعاة مقاصد الشريعة العامة واختيار الأحكام على أساسها.

3. أدلة الاجتهاد :

المعروف أن جمهور  الفقهاء اتفق على أربعة منها وهي : الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

أ) القرآن الكريم : وكل هذه الأدلة مستمدة من كتاب اللَّه تعالى، وهو القرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

والقرآن العظيم هو أصل الأصول، فهو الخطاب الذي أمر فيه الحق سبحانه عباده بتوحيده، وطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر من أئمة المسلمين، أنزله اللَّه تعالى بلسان عربي، وكلَّف رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ببيانه للناس. واستثمار القرآن بصفته أصلاً تشريعياً يقتضي التقيد بضوابط معينة، من أهمها أن أخذ الأحكام منه مباشرة ينبغي أن يكون مقصوراً على العلماء الذين يميزون بين محكمه ومتشابهه، ومنسوخه وناسخه، ومطلقه ومقيده، وما هو عام أريد به الخصوص، وما يخاطب به الخاص وينسحب حكمه على العام.

فمحاولة غير المتخصص المتمكن الاستدلال به في الأمور التشريعية، قد تؤدي إلى ارتكاب أخطاء جسيمة تزيد من فرقة الأمة، وتعمق الاختلاف بينها، ولتلافي هذه الأخطاء، فقد يكون من السهل على العلماء، ومن الواجب عليهم، إصدار وثيقة حول أحكام القرآن مجمع عليها تبين الأحكام المنصوصة في الكتاب العزيز، مثل قضايا الفرائض، وبعض قضايا الأنكحة، ومناسك الحج، ثم تبين هذه الوثيقة أن ماعدا هذه المسائل المفصلة، يعتبر من قبيل المجمل الذي يعود النظر فيه إلى المجتهدين المؤهلين لاستنباط الأحكام وفقاً لمقتضيات الأدلة الأخرى من سنة وإجماع وقياس، وهذه الوثيقة ينبغي أن تكون بداية مجموعة من المدونات الميسرة والهادفة إلى جمع المسائل المتفق عليها، وذلك بدلاً من المنهج المتبع والتركيز على مسائل الخلاف، ولو كان الغرض من التركيز عليه بيان أسبابه وتوضيح حدوده، لأننا مع ذلك نسعى ولو بدون قصد، إلى ترسيخه وتثبيته، فعلينا إذاً أن نتبع طريقاً آخر، وهو الاعتناء بالمسائل المتفق عليها ونشرها لخلق أسس ثقافة التقريب.

ب) السنة النبوية : أما السنة النبوية فهي بيان القرآن، وتفصيل الحكمة المنزلة على الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام، وإذا لم يكن يوجد خلاف في حجية السنة في التشريع، فإن العلماء اختلفوا اختلافاً كثيراً في توثيقها ودلالتها، وطرق التوفيق بين ما قد يتعارض من نصوصها، والأمثلة التالية تعطي نماذج من أسباب الاختلاف.

أولاً : الاختلاف في صحة الحديث :

لقد اتفق جمهور أهل الحديث أن شروط الصحة هي اتصال السند، وعدالة الراوي، وضبطه، والسلامة من الشذوذ ومن العلة.

وعند تطبيق هذه الشروط اختلفوا في المرسل هل هو غير صحيح لأنه ليس متصلاً، أم هو صحيح، أما العدالة أيضاً ففيها مباحث جمة معروضة في كتب الجرح والتعديل، كما بسطت فيها أيضاً دراسات مستفيضة عن العلل التي تجعل الأئمة يختلفون في العمل بالحديث، ولكل منهم منحى خاص في تقويم الصحة.

وبما أنه ليس هنا مجال لسرد الأمثلة، فإنه، ومن منطلق التقريب تجب الإشارة إلى أن الأئمة جميعاً لهم مواقف محمودة من الاحتمال وتحرّي صحة الدليل، فلقد ثبت أن الإمام   الشافعي قال للإمام أحمد بن حنبل : >أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث فأعلموني إن شاء يكون كوفياً أو بصرياً أو شامياً، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً<.

ولهذا الموقف أمثلة طيبة من التواضع والعودة إلى الدليل حينما يثبت.

ثانياً : الاختلاف في دلالة النص الثابت :

ومن أمثلة هذا القسم اختلافهم في دلالة النص المجمل في الصعيد الذي يجوز التيمم به، فمنهم من قال إنه كل ما صعد من الأرض، ومنهم من اشترط أن يكون تربة. وكذلك أقراء العدة، وتعيين الولي الذي له حق العفو عن المهر. ومن الاختلاف في الدلالة، اقتضاء صيغة الأمر هل هو للوجوب أو لغيره ؟.

ومن هذا القبيل اختلاف رواية النص اختلافاً ينعكس على الحكم مثل حديث أبي هريرة من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه، وفي بعض الروايات فلا شيء له.

ثالثاً : تعارض الأدلة :

ومن أمثلته حديث البيع بالشرط (بيع وشرط) وتعارض دليلي أمر ونهي، أو نفي وإثبات، مما جَرَّ إلى تباين آرائهم في طرق الترجيح عند تعارض الأدلة الواردة على مستوى واحد من الثبوت والدلالة.

وقد يتعارض دليلان على الأمر والنهي، كتحية المسجد أثناء خطبة الجمعة، وقد يتعارض النفي والإثبات وأكثرهم على تقديم الإثبات مثل الصلاة في الكعبة في حديث أسامة، ومنهم من يجعل العمل أساساً في الترجيح، ومنهم من يميل إلى الجمع بين المتعارضين، وإذا لم يمكن، فيبحث عن الأخير باعتباره ناسخاً، وإن الصحابة كانوا يأخذون بالأحدث من عمله، ومنهم من يبحث في المرجّحات وهي كثيرة، مبسوطة في كتب أصول الفقه.

وإذا كانت أسباب هذا النوع من الاختلاف مفهومة في عصرها، فإننا اليوم نحتاج إلى تناول أدلة السنة بمنهج جديد، أصبح اليوم متاحاً بسبب التقدم العلمي وإمكانية استعمال وسائل التواصل، ودراسة مسائل الخلاف بطرق تضع بين يدي الفقهاء آليات المقارنة في عملية التصحيح ليتسنى دور “الاجتهاد الجماعي” في اختيار الأحكام التشريعية وتقريرها على أساس المبادئ العامة في توجيه تطبيق استراتيجية التقريب، لفائدة مصلحة الأمة.

وهذا ما يدعو إلى وضع مصنف جديد في أحاديث الأحكام يراعي ما اتفق عليه أئمة المذاهب من حيث الدلالة والتوثيق ؛ هذه العملية يمكن أن تنطلق من مراجع معينة معروفة، نذكر منها موطأ الإمام مالك، ونصب الراية للزيلعي، واختلاف الحديث للإمام الشافعي، ومجموع الإمام زيد، وغيرها من مراجع المذاهب.

وهذا يستلزم أيضاً بحث مسألة النقد في ثبوت الأحاديث بمراعاة صحة السند واستقامة المتن، وإذا كانت حجية السنة لم تعد محل نزاع كما ذكرنا آنفاً، فإن من القضايا التي مازالت عالقة، مسألة ثبوت الأحاديث ومشكلة التصحيح،  والخلاف في هذا الموضوع خلاف قديم، مخلفاته تبرز بحدة من وقت لآخر، ومما ينبني على هذا الخلاف بعض المسائل التي منها : التساؤل عن أحكام تصحيح الحديث اليوم.

والمطلوب في إطار استراتيجية التقريب، أن يتم إعداد وثيقة جديدة تضع الأسس المنهجية لقبول الحديث أو تضعيفه، وتبيين مجال تطبيقه، مع مراعاة ضوابط النقد المقررة من قبل علماء مصطلح الحديث، وبحث مختلف الآراء عند أهل السنة، لكي يتم التوصل إلى قواعد معترف بها عند الجمهور.

وبعد عملية الثبوت، تطرح مسألة الدلالة، ذلك أن من القضايا التي تثير الشقاق بين المسلمين اختلافهم في تفسير النصوص الدالة على الحكم الشرعي.

ومع ثبوت الاختلاف بين علماء الأصول حول أكثر من قاعدة أصولية، فإننا نقترح أن نعتمد ضمن استراتيجية التقريب، برامج تنفذ في عقد التقريب يكون منها تنظيم ندوة خاصة لوضع مقاييس لتفسير النصوص الشرعية، واعتماد أسس الترجيح، باعتبار مقاصد الشريعة العامة، وتصحيح بعض المفاهيم في بعض الأحاديث التي يفهم منها خطأ أن افتراق الأمة مصير محتوم.

فمن الضروري أولاً التركيز في اختيار أدلة السنة على الأحاديث الصحيحة التي تؤكد ما ورد في القرآن من ضرورة الوحدة مثل قوله تعالى : { واعتصموا بحبل اللَّه جميعاً ولا تفرقوا }، وقوله جل وعلا : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم } وكذلك : { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون }، وكذلك : { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون }.

والأحاديث التي تبين وجوب التمسك بهذه الوحدة كثيرة ومن أشهرها وأصحها : >المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً< وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : >مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر<، و>المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه<، و>لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد اللَّه إخواناً كما أمركم اللَّه ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام<. وهذه الأحاديث كلها صحيحة مشهورة اتفق عليها علماء السنة والحديث، واضحة الدلالة، سائرة على وفق بيان القرآن الكريم في الآيات المذكورة قبلها ؛ فهي تعطي أمثلة صريحة على استثمار السنة النبوية في تفسير الخطاب الإلهي الذي أمراللَّه به المسلمين كافة.

والمنهج القويم في تثبيت أمرالتقريب أن نجعل هذه الأدلة المحكمة قاضيةً على كل ما خالفها، مما هو خاضع للكلام في صحته أو في فهم مدلوله، ونعطي على ذلك المثال الذي قدمه العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في الندوة الثانية للتقريب بين المذاهب الإسلامية التي نظمتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، عند تناول هذا الموضوع، وأورد التشويش الممكن في حديث >افتراق الأمة إلى اثنين وسبعين فرقة وزيادة كلها في النار إلا واحدة<.

4. الإجماع :

الإجماع من الأركان الأساس التي في إمكانها أن تكون من دعائم تقريب المذاهب، لأن أتباع المذاهب جميعاً متفقون على حجيته، وإن اختلفوا في شروط انعقاده.

غير أن هذا الاختلاف ذو تأثير في حصوله اليوم، ذلك أن اختلافهم ينحصر في رأي الظاهرية على الاقتصار على إجماع الصحابة.

أما نظرية إجماع أهل المدينة عند المالكية، فهي تتعلق بنظرية >العمل< المعتبرة في مسائل محصورة ومعروفة؛ كما أن إجماع الأئمة من آل البيت معتبر عند الإمامية، وذلك لا يتعارض مع اتفاق مجتهدي الأمة اليوم على أحكام تتعلق بمستجدات الأمور وتبحث في المصلحة العامة للأمة.

وبما أن تصوره اليوم أصبح من المتاح نظراً إلى سهولة التواصل بين العلماء، وإمكان جمعهم لدراسات بعض القضايا الراهنة، كما أن وجود هيئات علمية وإسلامية في مقدورها تنظيم اللقاء بينهم، لهذا قد يكون من المناسب عقد دورات للمجامع الفقهية لمعالجة مسائل “الإجماع الاجتهادي”، أو “الاجتهاد الجماعي” تتناول آليات التجديد في الفقه المعاصر، عن طريق أدلة جديدة من أهمها مصلحة الأمة. والتجديد في الإجماع أمر مقرَّر عند الأصوليين.

5. دور القياس في التقريب :

لا تنكر حجية القياس ولا دوره في تجديد آلية الفقه القابل للاجتهاد، لكن وفرة أحكام الفروع الصادرة عن الأئمة، جعلت دوره الآن محدوداً، لأن كل أهل مذهب يفضلون اتباع الأحكام والفتاوى الواردة في مدوناتهم المعتمدة ؛ إذ إن روح التقليد مازالت سائدة في الفكر التشريعي عموماً. غير أن الواقع الجديد يلح على البحث عن استعمال أقيسة جديدة لقضايا جديدة يتناولها العلماء في نطاق المجامع الفقهية، والمهم فيها يتعلق بما يمكن أن نسميه فلسفة التقريب، أن نعيد الاعتبار إلى ما يعرف “بالمناسبة” في بحوث القياس القديمة ؛ ذلك أن أركان القياس الأربعة هي الحكم والأصل والفرع والعلة، وهذه الأخيرة هي حجر الزاوية في العملية القياسية، ومن أهم مسالكها المعرفة بها هي “المناسبة” التي تشمل مسائل المصلحة، وأنواعها وضوابطها، والمصلحة إذاً، هي الدعامة الثانية لمنهج التقريب.

الدعامة الثانية : المصلحة

اعتبار المصلحة دليلاً عند الأصوليين :

لقد رأينا أن الأصوليين اعتبروا المصلحة من أدلة الاجتهاد، والحقيقة أن الاجتهاد وسيلة للوصول إلى مصلحة الأمة، التي هي الغاية النهائية. ذلك أن اللَّه تبارك وتعالى شرع للناس ما يحقق لهم مصالحهم الدنيوية والأخروية، فخلق لهم ما في الأرض جميعاً، وبعث إليهم رسله مبشرين ومنذرين، يحلون الطيبات ويحرمون الخبائث، ويضعون عن الناس إصرهم ويرفعون عنهم كل حرج، ويؤكدون لهم أنه >لا ضرر ولا ضرار<.

وأما التعليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة، فأكثر من أن تحصى، كقوله تعالى بعد آية الوضـوء : { ما يريد اللَّه ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم }،  وفي الصلاة : { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر }، وفي الصيام : {  كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلـكم تتقون }، وفي القـبلة : { فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة }، وفي الجهاد : { ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب }

وإذا دلَّ الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيداً للعلم، فليس هناك ما يمنع أن يكون الأمر مستمراً في جميع تفاصيل الشريعة.

أ) أقسام المصلحة بالنسبة لدرجاتها :

هذه هي المصلحة العامة التي اتفق أئمة المذاهب كلها على اعتبارها، وجعلوا مراعاتها من واجبات كل مسلم، وأوضحوا أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم قسموا المصلحة على ثلاثة أقسام.

القسم الأول: ما هو ضروري يقدم على كل واجب آخر، ويبيح المحظورات التي تمنعه، وهذه الضروريات هي حفظ النفس والعقل والدين والنسل والمال، وإذا كانت هذه الضرورات متأكدة بالنسبة لكل فرد، فإنها بالأحرى متأكدة لمجموع الأمة، التي من الضروري أن تحافظ على دينها، وعلى أمنها وسلامتها، وعلى فروضها الاجتماعية وكرامتها وممتلكاتها.

والقسم الثاني : ما هو حاجي كامتلاك وسائل الحياة الكريمة، وممارسة الأعمال التي تحتاج إليها الأمة مثل أنواع الحرف كالتجارة والصناعة، وكل وسائل التنمية، هذا فيما يعني الأفراد، لكن حينما يتعلق الأمر بالأمة، فإن هذه الأعمال تصبح من قبيل الحاجي الكلي الذي يلتحق بقسم الضرورات، ولو أنه يعد من فروض الكفاية.

أما القسم الثالث من أقسام المصلحة، فهو ما يعرف عند علماء الأصول بالتحسينيات، التي هي تتميم واستكمال للقسمين الأولين، وهذا القسم يشكل كل ما يزيد رتبة المسلم ورفعته، وهو فيما يتعلق بالأمة عموما كل ما يحقق لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس، مما هو من صميم دينها.

إن هذه الأقسام الثلاثة محل اتفاق مبدئي بين جميع المذاهب السائدة اليوم، فهي إذاً من أهم محاور التقريب،  غير أن الذي نحتاج إليه هنا هو إقامة الأدلة الشرعية على اعتبار المصلحة ركناً أساساً في سياسة التقريب، وهذا يستلزم استعراض آراء أهل المذاهب فيها بشيء من التفصيل.

والمعروف أن الأصوليين أضافوا إلى التقسيم الذي بيناه في سلم الضروريات والحاجيات والتحسينيات، تقسيماً آخر يتناول موقف الشارع من أنواع المصلحة، فأوضحوا أولا أن المصلحة لا تعني الشهوات والأهواء، وإنما عرفوها بكل ما يجلب منفعة معقولة، وكل ما يدفع مضرة حقيقية، واشترطوا إذا كان في الأمر نفع وضرر، أن نغير مصلحة ما رجحت في المنفعة، وعدم اعتبار ما يكون ضرره أكثر من نفعه مثل الخمر والميسر، فيقول اللَّه جل وعلا : { يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما }.

ب) أقسام المصلحة بالنسبة لاعتبارها :

والتقسيم الثاني لأنواع المصلحة، يجعل منها نوعاً اعتبره الشارع بالتنصيص، ونوعاً ألغاه صراحة، والنوع الثالث هو ما يطلق عليه اصطلاح المصالح المرسلة التي لم يتعرض لها الشارع باعتبار أو إلغاء.

النوع الأول : ما نص على اعتباره :

والنوع الذي نصَّ الشارع على اعتباره يشمل المجالات التي ذكرناها آنفاً، وأدلته معروفة، فيها ما ورد في القرآن الكريم في بيان تعليل كثير من الأحكام مثل تحريم الخمر لما فيه من مضرة للعقل والدين، وحرمة الربا لأنه أكل أموال الناس بالباطل، والأمر بالشهادة في المعاملات، والأمر بالوفاء بالعقود والعهد، والحكم بالعدل وإيتاء الزكاة، وهذا باب متسع تندرج فيه مجموعات الأوامر بالمعروف والبر والإحسان، وجميع النواهي عن المنكرات والفحشاء والبغي.

هذه هي المبادئ العامة التي رسمها القرآن الكريم بصفة مجملة لكنها شاملة، وقد فصلتها السنة في بيان مجمل القرآن، وتفصيل أحكامه، للأفراد والأمة، ومن أبرز ما اعتنت به السنة في مجال مصلحة الأمة عموماً، تركيزُها على ضرورة التضامن والتوادّ، وتجسيد الوحدة التي أقرها اللَّه تعالى بقوله : { وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون }، وقوله جل وعلا : { واعتصموا بحبل اللَّه جميعاً ولا تفرقوا }، وبينت السنة أن الأمة يجب أن تكون كجسم واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

النوع الثاني : ما ألغاه الشارع :

والنوع الثاني هو ما ألغاه الشارع ؛ صحيح أنه قد توجد أمور يعتقد أنها مصالح وهي ممنوعة شرعاً، لكن عندما يقع فحصها بتأمل، فإنه يكتشف أنها ليست مصلحة في حقيقة الأمر، منها مثلاً أن بعض الناس يظن أن الخمر منفعة له، لكن الصحيح هو ما بيَّنه الحق سبحانه في القرآن الكريم أن إثمها أكبر من نفعها، وهذا ما أجمع عليه اليوم جمهور الأطباء الذين يعترفون بخطر المشروبات الكحولية.

ومن أمثلته ما يعتقد أن له منفعة وهو حرام كأكل لحم الخنزير، ومع أن العلم الحديث أثبت وجود طفيليات ذات خطر على حياة الإنسان فيه، وبالخصوص على من ليس لهم دراية بهذه المخاطر ولا يعرفون وسائل اتقائها، وهم أغلب الناس، فحرمته جاءت حمية وسدّاً لذريعة ارتكاب الضرر.

وقد يكون من الخطإ التذرع بوجود بعض المصالح في الأشياء الممنوعة للقول بأن الشريعة لم تسن لمصالح العباد ؛ فإن هذا القول الذي قال به ابن حزم مخالف لرأي جمهور العلماء، لأنه يتضمن نوعاً من المغالطة عندما لا يقع التفريق بين مصلحة الشرع و بين مشيئة الباري تعالى في مصير العباد، وكونه يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، ماضٍ تصرفه في ملكه وعباده، { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }. فكون الكفار لا مصلحة لهم في الضلال صحيح، ولكنه ليس حجة فيما يتعلق بالشرائع ؛ ثم إن هذه المغالطة هي التي ارتكبها المعتزلة حينما قالوا بوجوب الأصلح على الخالق تفسيراً لمبدإ العدل الإلهي. وبين الأمرين فرق، فمصير العبد بيد اللَّه وحده، وشريعته لمصالح عباده جميعاً.

النوع الثالث : المصالح المرسلة :

والنوع الثالث من المصالح هو الذي سكت الشارع عنه تفصيلاً وعرف عند الأصوليين بالمصالح المرسلة ؛ واشتهر عند العلماء أنه من خصوصيات الفقه المالكي، وهو في الحقيقة موجود في المذاهب الأخرى، يقول القرافي في التنقيح >وإذا تفقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا أو جمعوا أو فرقوا بين المسألتين، لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي جمعوا به أو فرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب<.

وفي إطار عملية التقريب بين المذاهب الإسلامية، نورد في هذه الاستراتيجية بعض آراء أهل المذاهب حول اعتبار المصلحة :

المالكية :

صحيح أن المالكية اعتمدوا في تحليل الأقيسة بالمناسبة هذا النوع من المصالح، مستدلين بحجج متعددة أكثرها يستند إلى عمل الصحابة مثل جمع المصحف، وهدم المسجد لتوسعته، والعهد إلى أهل الشورى، واتخاذ السجون، وهي أحكام اجتهد فيها الصحابة دون الرجوع إلى نصوص شرعية من قرآن وحديث.

وهذا ما جعل الإمام مالكاً يجعلها دليلاً من أصوله، واعتبره وفقاً لشروط معينة، منها الملاءمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي دليلاً من أدلته، أو أصلاً من أصوله، وأن تكون المصلحة المعتبرة متحققة ومعقولة، وأن يكون الأخذ بها يتدرج في رفع الحرج وإزالة الضرر.

ومن فتاوي المالكية المستندة على المصالح المرسلة، قبول شهادة الصبيان قبل الاختلاط بالكبار، وإجازة بيعة المفضول.

الحنابلة :

يذكر الأصوليون أن الحنابلة يعتمدون مثل المالكية هذا النوع من المصالح، واشتهر منهم موقف نجم الدين الطوفي الذي قرر في شرحه لأحاديث النووي الأربعين، أن المصلحة مقدمة على الإجماع، استناداً إلى حديث >لا ضرر ولا ضرار< واستدل على ذلك بأن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح، والإجماع محل خلاف، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه، كما قال إن النصوص مختلفة متعارضة، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه، فهو سبب الاتفاق المطلوب، فكان اتباعه أولى.

والذي لا مراء فيه هو أن الحنابلة يعتبرون المصالح المرسلة من أدلتهم الأصولية. وقد رويت عن الإمام أحمد فتاوي كان أساسها المصلحة العامة مثل إجبار المالك أن يسكن في بيته من لا مأوى له، وإلزام أهل الصناعات بقبول أجر المثل.

الشافعية :

والرأي السائد أن الإمام الشافعي لا يعتبر المصالح المرسلة من أصوله، لأنه يقول إنه لا تنزل بالإنسان نازلة إلا والكتاب يدل عليها نصاً أو جملة ؛ غير أن الذي ينكره الشافعي حقيقة هو الأهواء التي تبدو في صورة المصالح، وهذا يدخل في إنكاره لنوع من الاستحسان وصفه بأنه >تلذذ<، وأن من استحسن فقد شرع، والمشرع واحد هو اللَّه سبحانه وتعالى.

ولكن الإمام الشافعي يعتبر المصالح الملائمة لمقاصد الشريعة إما نصاً أو معنى، وقد جاءت عن الشافعية آراء تثبت المصلحة العامة، مثل جواز أخذ نبات الحرم لعلف البهائم عند الحاجة، وأكل الغنيمة قبل قسمها في دار الحرب.

الأحناف :

إذا كان الإمام أبو حنيفة لا يصرح بأن المصلحة من أدلته، فإن موقفه من قبول الاستحسان يجعله يبني أكثر آرائه الاستحسانية على رعاية المصلحة العامة. إذ قد روي عنه قوله : >لا بأس بالصدقات كلها على بني هاشم<، لأن الخمس انقطع عنهم، وهذا ما بينه الطحاوي في شرح الآثار، والمعروف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : >إن الصدقة لا ينبغي أن تحل لآل محمد، إنما هي >أوساخ الناس<.

وقد روي عن أبي يوسف في أحكام الجهاد جواز إتلاف مال الغنيمة إذا عجز المسلمون عن حمله معهم مخافة أن يتقوى به عدوهم، واستحسن أبو يوسف أيضاً توريث زوج المرتدة منها إذا ارتدت في مرض موتها، والمصلحة فيه معاملتها بنقيض مقصودها، كما أن محمد بن الحسن يقول إن تلقي السلع يمنع في أرض يضر بأهلها، أما إذا كثرت الأشياء وصار ذلك لا يضر بأهلها، فلا بأس بذلك إن شاء اللَّه.

ملخص رأي الزيدية :

موقف الأحناف من المصلحة،  قريب من رأي الزيدية الذين يعتمدون جل أقوالهم في الفقه، مع أن للزيدية ميزة خاصة في الأصول ترتكز على ترك باب الاجتهاد مفتوحاً وتخويل الأئمة والفقهاء ممارسة الاستنباط دون التقييد بتقليد مذهب معين،و يرون لزوم الاجتهاد ـ بشروط ـ ولو في مسألة واحدة ترجح دليلها لدى الفقيه، وهذا ما يعطي لآرائهم الأصولية مرونة تجعلهم مؤهلين لاعتبار المصلحة العامة للأمة، كما لهم منطلق آخر من أصول الدين، وهو تمسكهم بمبدإ إلزام الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولتحقيق ذلك  يسترخصون كل غال لديهم، ومن هذين المنطلقين، فإنهم من حماة المصلحة العليا للأمة.

ملخص رأي الإمامية :

أما في المذهب الجعفري فإنه كان قبل اعتناق ولاية الفقيه، يكتفى في أدلته بنصوص الأئمة المعصومين، غير أن الإمام الخميني أحدث في فكرهم الأصولي تجديداً بحيث أصبحت اليوم مصلحة النظام الإسلامي، وما يَرمي إليه من إصلاحات في نظام الدولة عموماً، من مرتكزاتهم الأصولية. ومن الملاحظ اليوم اهتمام قادتهم بالعمل على تقريب آراء المذاهب والطوائف، وقد بينا أن من لوازم عملية التقريب، اعتماد دعامَتَيْ الاجتهاد والمصلحة.

ملخص رأي الإباضية :

وكذا نرى خصوصية آراء الإباضية في المصلحة اليوم، أما الإباضية قديماً، فإن موقفهم منها لا يختلف اختلافاً كبيراً عن آراء مذاهب أهل السنة، إذ يقول عبد اللَّه بن حميد السالمي في شرح طلعة شمس الأصول : >من الاستدلال المصالح المرسلة، وهي عبارة عن وصف مناسب ترتبت عليه مصلحة العباد، واندفعت به عنهم مفسدة، لكن الشارع لم يعتبر ذلك الوصف بعينه ولا يحسنه في شيء من الأحكام ولم يعلم منه إلغاء له، وذلك سمي مرسلاً، والمرسل في اللغة المطلق، فكأن هذا الوصف المناسب قد أطلق عن الاعتبار والإهدار<.

خـلاصـة

يتضح من هذا أن جميع أهل المذاهب المعنية بعملية التقريب، يجعلون من أدلتهم الأصولية مصلحة الأمة، لا يشذ عن هذا الرأي إلا الظاهرية الذين لم يعودوا يشكلون مذهباً منظماً في هذا العصر. وإجماع كل هذه المذاهب على اعتبار المصلحة من أسس التشريع، يدعو إلى التفاؤل في إيجاد >جامع مشترك< ـ ولا نقول قاسماً مشتركاً ـ بين فرقاء الأمة، فإن وضع هذه الاستراتيجية من الأعمال المطلوبة للتوصل بها إلى غايات نبيلة  في صيغة محددة، منها قبول اعتماد الاجتهاد في التوصل إلى العمل بكل مصادر التشريع وإصدار الأحكام في المستجدات على أساسها.

ولقد كان الغرض من إيراد هذه الأدلة لاعتبار مصلحة الأمة، هو التأكيد على ضرورة مصلحة الأمة الإسلامية لتستعيد مكانتها وعزتها في عالم ليس البقاء فيه للأصلح ولكنه للأقوى. فإذا ما ظلت مذاهب الأمة متباعدة ومتنافرة تتبادل التنابز بالتكفير والتفسيق، فإنها سوف تفشل وتذهب ريحها وتبقى عرضة لتربصات الأعداء والكائدين، وهم كثير.

ولمواجهة التحديات الجديدة، فإن المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، قد أخذت على عاتقها أن تقوم بدور فعال ومؤثر في سبيل مصلحة الأمة عن طريق إعداد مشروع هذه الاستراتيجية  للتقريب بين المذاهب، وعلى ثقة بالله أن ترتفع حظوظ نجاحها، خصوصاً إذا ما ارتكزت على المصلحة العامة بصفتها غاية، وعلى الاجتهاد الجماعي بصفته وسيلة للتقريب ولبلوغ الأهداف الرامية إليها.

كما أننا على ثقة بأن المنظمة الإسلامية نفسها سوف تجني ثمار جهودها، بحيث تمر عمليات تعاونها مع الجميع بالأمر السهل والممكن، لا تعوقه حساسيات الخلاف ولا مشاكل الشقاق بين الأمة الواحدة.

المحور الثالث

فقه المذاهب الإسلامية وضوابط الاختلاف فيه

مقدمة

أجمع فقهاء المذاهب الإسلامية وعلماؤها، على أن علم الفقه له أهمية كبرى وغاية رفيعة، جعلته في المقام الذي لا يمكن أن يستغني عنه أحد من المسلمين، إذ به تتبين أحكام أعمال العباد، ودقائق معاملاتهم مع بعضهم البعض ومع خالقهم، لذلك لا يستغني عنه أي مسلم، حريص على سلامة دينه واكتمال دنياه.

والمقصود بالفقه الإسلامي في الاصطلاح الشرعي، يأتي على معان متعددة :

الأول : أنه مرادف للفظ الشرع، سواء منه ما يتصل بالعقيدة أو الأخلاق أو أفعال الجوارح.

الثاني : أنه العلم بالأحكام الفرعية الشرعية المستمدة من الأدلة التفصيلية، والمراد بالفرعية ما سوى الأصلية، التي تعني العقائد، وهذا التعريف يتناول  أيضاً الأحكام الشرعية التحميلية التي تتصل بأفعال الجوارح، كما يتناول الأحكام الشرعية الفرعية القلبية، كحرمة الرياء والكبر والحسد والعجب، وتحسين التواضع وحب الخير للغير.

الثالث : وهو الذي استقر عليه العلماء : أنه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية العملية، المستمدة من الأدلة التفصيلية، و الأحكام الشرعيةالفرعية المتصلة بأعمال القلب قد أفرِد لها علم خاص، عرف باسم التصوف والأخلاق أو الرقائق، وهناك تعريفات أخرى منها :

1. حفظ طائفة من الأحكام الشرعية العملية الواردة في الكتاب والسنة، أو التي وقع عليها الإجماع، أو استنبطت بطريق القياس المعتبر فقهاً وشرعاً، أو بأي دليل آخر يرجع إلى مصادرالتشريع المأخوذ منها دلالة الأحكام، سواء حفظت هذه الأحكام بأدلتها أو بدونها، ولهذا الاعتبار فإن الفقيه عندهم لا يجب أن يكون مجتهداً كما هو رأي الأصوليين.

2. أن الفقه يطلق على مجموعة الأحكام والمسائل الشرعية العملية.

3. أنه : معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال المكلفين، من حيث الوجوب والتحريم والندب و الكراهة والإباحة وغيرها، وذلك عن طريق استنباط أحكامه من النصوص التشريعية الإسلامية، وبعبارة أخصر وأشمل، فإن الفقه يعني : استخراج الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية.

ولما كانت الأدلة المعتمدة في عملية الاستنباط نصوصاً لغوية بيانية تقتضي ألفاظها أحياناً سعة في معانيها، ويرد في مفهومها الاحتمال، فقد نجم عن ذلك وقوع الاختلاف بين المستنبطين المجتهدين لأسباب ورد ذكرها في هذه الاستراتيجية، فضلاً عن أن من السنة غير المتواترة ما هو ظني الثبوت عموماً، فإذا ضم إلى ذلك ما يحدث من الوقائع وما يتوالى من النوازل التي لا تفي بها النصوص المتناهية، كانت تلك العوامل مثاراً للاختلاف وتباين الفهم لمدلول المعاني، وهو الذي أفضى إلى نشأة  مدارس الفقه الإسلامي، التي اصطُلح على تسميتها أخيراً، بالمذاهب الفقهية.

كما أدى إلى تعدد الاجتهادات، في مراحل تاريخية متلاحقة، وقد وردت تفاصيلها في علم خاص عرف حديثاً، بتاريخ التشريع.

ولذلك نجد مدونات الفقه ومؤلفاته حوت كتباً ورسائل وأبحاثاً شملت معظم المسائل وجل الأحكام الفقهية التي تتطلبها حياة المسلمين آنذاك، وبتطور الاجتهاد وتوسعه والعمل بالرأي فيما جهل دليله، سنت سنة حميدة خدمت الإسلام والمسلمين في كل عصر وزمان، وشكلت مراجع للباحثين، وأدلة يستفيد منها المقلدون ويأخذ عنها التابعون، وحيناً يتعصب للرأي حولها المتعصبون، وفي الحقيقة فإن أحداً لم يأت من جعبته بما يخالف جوهر النصوص التشريعية.

وهنا وجب العلم بأن علماء الأمة الإسلامية وفقهاءها ومجتهديها أجمعوا على أن أصول الفقه الإسلامي ومصادره، جاءت على مرتبتين اثنتين :

أولاهما وأقدسهما : نصوص  كتاب الله تعالى القرآن الكريم، والصحيح من حديث رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وثانيتهما : بقية المصادر، وقد استنبطت منها أحكام المسائل والقضايا الاجتهادية، التي تكونت منها المذاهب الفقهية، سواء اتفق أو اختلف أصحاب أئمة الاجتهاد وأعلامه وأتباعهم حولها أو حول جزء من مكوناتها.

وقد توصل الباحثون من فقهاء و علماء إلى أن المذاهب الإسلامية المعتبرة، والأكثر انتشاراً ووجوداً في عصرنا الحاضر، وسواء منها ما كان تحت مسمى شيعي، أو ما كان يطلق عليه سني، فإنها كانت على علاقة وثيقة وصلات متينة فيما بينها، لا تنازع ولا تضاد بين أتباعها :

وكلهم من رسول الله مقتبس      غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

تقسيمات الفقه :

اصطلح الفقهاء السابقون على تقسيم الفقه من حيث مسائله وقضاياه، إلى قسمين : 1. فقه عبادات، و2. فقه معاملات. كماقسم من حيث المرجعية والدلالة  إلى قسمين أيضاً :

أولهما : الفقه المعتمد على أدلة قطعية في ثبوتها و دلالتها، كوجوب أركان الإسلام الخمسة، وترك المحرمات والمهلكات، وإباحة الطيبات من الرزق.

و ثانيها : الفقه المعتمد على أدلة ظنية، كتحديد القدر المسموح في مسح الرأس،  والقراءة المتبعة في الصلاة، وغيرهما من المسائل الكثيرة.

أما بحسب الاصطلاحات الحديثة، فإن فقه التشريع  ينقسم إلى :

1. فقه العبادات، ويشمل مسائل الأحكام التي تنظم علاقة العبد بالله، سواء كانت هذه العبادات بدنية محضة، كالصلاة، والصوم، أو مالية بحتة كالزكاة، أو منهما معاً : كالحج  والعمرة طوعاً.

2. فقه الأحوال الشخصية، ويشمل الأحكام التي تنظم حياة الأسرة، من زواج، وطلاق، ونفقة، وحضانة، وولاية، ونسب وما يتصل بذلك، كالوصايا وأحكام الأسرة وما يتصل بها.

3. فقه المعاملات، ويشمل قضايا الأحكام التي تنظم معاملات الناس، وتندرج تحته أنواع متعددة من المسميات، ومنها : فقه القانون المدني أو التجاري وهي ما يتصل بالبيع، والشراء، والشركة، والرهن، والكفالة، والوكالة، والهبة، والإعارة، والإجارة، ومنها : فقه المرافعات، وهي القضايا والمسائل والأحكام التي تنظم القضاء. ومنها فقه الأحكام التي تنظم علاقة الحاكم بالمحكوم، وقد يطلق عليها اسم فقه القانون الدستوري. ومنها فقه الأحكام التي تنظـم علاقة المسلمين بغيرهم، وقد أطلق عليها اسم القانون الدولي. ومنها فقه الأحكام التي تتناول تصرفات العباد ويطلق عليها مسائل الحظر والإباحة. ومنها فقه الأحكام التي حددت الجرائم والعقوبات وقد أطلق عليها أخيراً اسم : القانون الجزائي، أو القانون الجنائي، أو قانون العقوبات.

وأما تقسيم الفقه بحسب حكمته : فينقسم إلى قسمين :

أولهما : أحكام معقولة المعنى، وقد تسمى أحكاماً معللة.

و ثانيهما : أحكام تعبدية : وهي التي لا تدرك فيها المناسبة بين الفعل والحكم المترتب عليها(1). ومهما اختلفت التسميات وتعددت التعاريف، فإنها في جوهر الحقيقة لا تخرج عن كونها قضايا ومسائل فقهية لا مناص من أن تستند في أحكامها إلى مصادر التشريع الإسلامي، وإلا فهي قوانين وضعية قل أن تجد لها مصدراً من الشريعة الإسلامية السمحة التي تستهدف مصلحة البشرية كلها.

حكم الاختلافات الفقهية

أجلّ ما قيل في هذا الباب ما ورد في الحديث النبوي الشريف فيما رواه ابن عباس مرفوعاً عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قوله : >اختلاف أمتي رحمة<(2). ولذلك كان طلحة بن مصرف التابعي قال : >لا تقولوا اختلافاً، ولكن قولوا سعة<. وفي مجموع الفتاوي لابن تيمية، أنه قيل لأحد المؤلفين،  وكان قد ألف كتاباً أسماه الاختلاف : لا تسمه كتاب الاختلاف، ولكن سمه كتاب السعة، ويعتبر العلامة القسطلاني في المواهب اللدنية، أن من خصائص أمة الإسلام، الاختلاف لذلك قال : >إجماعهم حجة واختلافهم رحمة<، كما يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوي عن بعض مشايخه أن : >إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة<. ومن ذلك المنطلق كان عظماء السلف الصالح وفضلاؤهم ينظرون إلى اختلاف الأئمة أنه توسعة من الله تعالى ورحمة منه بعباده المكلفين(1).

ومع ما ورد في هذا الباب، فإنه لا يخفى على ذي تمييز، أن الاختلاف في فروع الأحكام الشرعية جائز، إذ لا دليل على امتناعه، وأوضح دليل على جوازه عقلاً وثبوته نقلاً، وقوعه وبروزه على الساحة الفقهية بشكل بيّن وجلي، حيث ثبت حدوثه في أوائل عهد الإسلام، وقد حدث بالفعل في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، كما حدث بعدهم، وتتابع حتى يومنا هذا، وسيستمرإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. والمهم أن المذاهب الفقهية القائمة على الدليل الصحيح لا يفضل فيها مذهب على مذهب، ولا ينقص أتباع مذهب على أتباع مذهب آخر، ومهما وجدت اختلافات حول جزئيات بعض القضايا، أو في شكليات بعض المسائل، أو التزم بها المقلدون، فإن ذلك لا يعني الخروج عن أصول التشريع ومصادره، أو يبررالقول  بأن الاختلاف في الفروع الفقهية هواختلاف في الأصول، لذلك يميل كثير من أئمة العلم وفقهائه إلى أن اختلاف المذاهب الفقهية الإسلامية مزية تفرَّد وتميَّز بها الدين الإسلامي الحنيف دون غيره من الأديان، كما >أنها نعمة كبيرة وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون وعمي عنه الجاهلون<(2).

وثبوت الاختلاف، ومبررات وجوده، لا تعني أنه لازم الوقوع، فإذا ما أمكن الجمع بين الدليلين أو تغليب الأرجح سنداً، أو التوفيق بين آراء العلماء والمجتهدين و الفقهاء، فإن ذلك أولى وأحرى، بل أجدى وأقوى دلالة.

ومن منطلق حِلِّيَةِ الاختلاف وجوازه واعتباره رحمة بالمسلمين وكونه خاصية إسلامية تميزه عن غيره من الديانات، فإن الاختلاف لا شك يأتي في إطار ضوابط عقلية ومنطقية  متبعة،  ووفق شروط جعلت من الاختلاف سبباً في عدم التضييق على عامة المسلمين، لذلك روى الذهبي، عن الحجة التابعي يحيى بن سعيد الأنصاري ما مفاده أن : >أهل العلم أهل توسعة، أو ما برح >أهل العلم أهل توسعة<، وقول آخر >و ما برح المفتون يختلفون، فيحلل هذا ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا، ولا هذا على ذاك<(1).

ضوابط الاختلافات الفقهية وشروطها :

يترتب على قبول الاختلاف وثبوته في المسائل والقضايا الفرعية والأحكام  الفقهية، وجود عنصرين اثنين :

العنصر الأول : ما يعبر عنه الأصوليون بمسألة : المجتَهَدُ فيه، أي الموضوع الذي يجوز فيه الاجتهاد، حتى إذا ما وجد الاجتهاد وجد الاختلاف، وعلى ذلك اتفق  علماء الأصول وعلماء الفروع الفقهية، على أن محل الاجتهاد ــ أو المجتهد فيه ــ هو : >كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي<. مما يعني أن الأدلة القطعية كالكتاب الحكيم، والأحاديث المتواترة أو المشهورة، وذات الدلالة القطعية، لا اجتهاد فيها، ولا رأي  يدخلها، ومخالفتها أو الخروج عنها، يعتبرخروجاً على القواعد الإسلامية المتبعة، كما يعتبر فاعله آثماً.

العنصر الثاني : ما يتعلق بالمخالف، ولأحقيته في المخالفة شروط منها : التأهل علمياً، ومنه حتماً سلامة الديانة والصلاح، لذلك لابد لمن أراد التكلم في مسائل العلم الظني من أن يكون ذا علم ومعرفة بأحكام القرآن الكريم، وبالمتواتر من السنة النبوية، وبالكثير من مشهورها وآحادها، ولديه إلمام واسع بمسائل الإجماع، مع قيامه وحصوله على دراسة موسعة لمصادر التشريع الأخرى : كالقياس، والاستحسان، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، والاحتجاج بمذهب الصحابي، وشرع من قبلنا، وسد الذرائع، وسائر أبواب علم الأصول الأخرى، وأن يكون حائزاً على معرفة ودراية كافية بعلوم الحديث عامة، وبشروط الجرح والتعديل خاصة، ومتمكناً إجمالاً من علوم اللغة العربية، وحائزاً على شروط بلوغ درجة الاجتهاد، حتى لا يعتبر متطاولاً فيما لا باع ولا دراية له بمضامينه وكوامنه.

أما المتأهل ديانة وصلاحاً : فيسوغ له الكلام في العلم بصلاح نية وحسن طوية، وخشية ومراقبة الله سبحانه، مع تثبت في قول الحق، وقلّ أن يتم ذلك في غيبة التدين والصلاح، وبدون ذلك، فإنه يبعد عن القبول قوله ورأيه، لما ورد عن الإمام علي (كرم الله وجهه) أنه قال : >قلت يا رسول الله، إن نزل بنا أمر ليس فيه بيان أمر ولا نهي فما تأمرنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : شاوروا فيه الفقهاء والعابدين<.

أما أن يتكلم في الدين والعلم وحاله في المعرفة كمثل من وصفهم الخطابي بقوله : >مغموض عليه في دينه ومعروف بالسخف والخلاعة في مذهبه<، فذلك مردود وغير مقبول، لحمله على الجهل أو الإساءة إلى الإسلام.

دوافع الاختلافات الفقهية وأسبابها :

إن الاختلافات الفقهية، في الحقيقة، يجوز أن تقع كما تقع الاختلافات الفكرية والعقدية والسياسية، لكنها في المسائل الفقهية ترد لأسباب ومبررات تتعدد بتعدد الأحوال، كما تتعدد بتعدد البواعث والنوازع، ومنها الأسباب التي يشترك فيها خاصة الناس وعامتهم، وهناك أسباب تخص اختلافات الفقهاء والعلماء في آرائهم، وقد وردت متعددة في مجالات علوم الأصول والفروع، وبما أنه لا مكان للبحث فيها وحولها بشكل تفصيلي، لكونه ليس مقصدنا،  فإنه يهمنا أن نعلم أمرين :

أولهما : أن الاختلاف في المسائل والقضايا الفقهية لم يتناول جوهر الدين ولبه.

ثانيهما : أن الاختلافات في قضايا العقيدة والقضايا السياسة الخارجة عن النصوص التشريعية، لا جدوى في تناولها، ويضاف إلى ذلك أن الخلاف لدوافع العصبية أياً كان مصدرها، أو لحب الذات، أو لما يجرّ إلى زعزعة الفكر الإسلامي، وتعميق الشقة بين المسلمين، منهي عنه شرعاً وعقلاً ومنهاجاً.

ثالثاً : المسائل والقضايا الخلافية :

لقد أجمعت أصول المذاهب الفقهية السبعة ومراجعها التي تعرضت لها هذه الاستراتيجية، وأفادت من مصادرها وثوابتها المعتمدة المعروفة والمدونة، على أن بعض مسائل العبادات وقضايا المعاملات في الفقه الإسلامي التي اكتنفتها ظاهرة الاختلافات وتعددت فيها الآراء والاجتهادات، تأتي في مجملها مستمدة أصولها من مصادر التشريع  الإسلامي، كما أنها لم تكن مقتصرة على رؤية اجتهادية واحدة، أو على مذهب فكري معين، بل إنها في ذواتها الموضوعية وكلياتها النوعية والعددية، تتداخل وتتمازج و تتشابك مع بعض الروايات والآراء الاجتهادية الأخرى، التي قال بها مذهب فقهي آخر أو أفتى بحكم وقوعها أحد مجتهدي ذلك المذهب.

وبنظرة موضوعية ومجردة، وبالعودة إلى مصادر كليات تلك الاجتهادات الفقهية وجزئياتها، وإلى مراجع المسائل والقضايا الخلافية الفقهية وأصولها، نجد القول الأرجح يميل مع المدقق الأكثر، وصاحب العلم الأشمل والأوثق، وأن حصرها وإرجاعها إلى أصولها المستخرجة منها، يثبت بما لايدع مجالا للشك، أن الجوامع المشتركة بين مذاهب المجتهدين وآرائهم وبين مقاصدها التشريعية، أكثر من نقاط الاختلافات، لذلك فتحقيق خطة التقريب وتنفيذ استراتيجيته، أمر ممكن غيرمستحيل، لاسيما والمسائل المتفق عليها بين جميع المذاهب أكثر بكثير من المسائل والقضايا الخلافية.

وهي لذلك، وفي إطار هذا المشروع، تعتمد في خطواتها العملية على ما يلي :

1. فتح باب الحوار العلمي الفكري المستند إلى مراجع التشريع الإسلامي الصحيحة.

2. تشجيع البحث العلمي، خصوصاً حول مجمل القضايا الخلافية، والعمل على الانتقال به إلى ما يواكب حاجات العالم الإسلامي اليوم، وخصوصاً في ميدان الفقه الإسلامي.

3. فتح باب الاجتهاد الفردي أو الجماعي، وفق شروطه وأصوله المتفق عليها لدى الفقهاء، فعالمنا الإسلامي اليوم وفي غده القريب، بأمسّ الحاجة إلى اجتهادات فقهية جديدة تناسب الظروف الزمانية والمكانية والامكانات المادية المتاحة، دون خروح على الثوابت الإسلامية، ودون تنكر أو انحراف عن مصادر التشريع الأساس.

وإذا كانت الاجتهادات الفقهية السابقة قد أتت متعاقبة بحسب مقتضيات أحوال المسلمين آنذاك، وأثبتت الحقائق العلمية أن الاجتهادات والاختلافات الفكرية أمر طبيعي وظاهرة صحية، ولها سندها التشريعي، فإنه لا غنى للأجيال الإسلامية القادمة عن تعلم واكتساب فقه التشريع وإلمامها بمسائله وقضاياه التي حوتها مؤلفات هذا النوع من العلوم وشروحه الفقهية. ولتعذر حصرها وإيداعها في هذه الاستراتيجية، نكتفي بعرض عناوينها وفقاً للتقسيمات المتعارف عليها فقهياً، وهي لدى كل المذاهب الفقهية الإسلامية لن تخرج عن إطاري مسائل العبادات، وقضايا المعاملات، وذلك على النحو التالي :

أولاً : مسائل العبادات :

وتشمل مسائل العبادات وأحكامها من حيث الوجوب والحظر والإباحة والندب والكراهة، ويرد تبويبها وفقاً لما اتبعه الفقهاء والمؤلفون، وحسب ترتيب قواعد المذاهب المعتمدة وأصولها وتخريجاتها، ودون التعرض لأي من جزئيات المسائل الفقهية المدونة والمعروفة والمشروحة في كتب الفقه وأحكامه، لأن ذلك ليس مجالنا هنا. ولمقتضيات الاستراتيجية، سيتم الاقتصار على الإشارة إلى  مسـائلها المنـحصرة فـي كـتب : 1. الطـهارة، 2. الصـلاة، 3. الجـنائز، 4. الــزكاة، 5. الخمس، 6. الصيام، 7. الحج.

ثانياً : قضايا المعاملات :

وتشمل  قضايا المعاملات بين الناس، مرتبةً وفقاً لما عليه تبويب أغلب الفقهاء، ومنحصرة في القضايا والمسائل التالية :

1. النـكــاح، 2. الطــــلاق، 3. النفــقات، 4. البيــع، 5. الشـفـعة، 6. الإجــارة، 7. المــزارعـة، 8. الإحــياء والتحــجير، 9. المـضـاربة والـقراض، 10. الشــركة، 11. القسمة، 12. الرهن، 13. العارية، 14. الهبات، 15. قضايا العُمْرَى والرُّقْبَى والسُّـكْنَى، 16. الـوقـف، 17. الـوديـعة، 18. الغصــب، 19. العـــتق، 20. الأَيــمان، 21. الــنذر، 22. الضــالة، 23. الصــيد والـذبائح، 24. الضـحايا، 25. الأطــعـمة، 26. الأشــربــة، 27. اللبـــــاس، 28. الاسـتــئذان، 29. الــدعــاوي، 30. الإقــــرار، 31. الشـهادات، 32. الوكالة، 33. الحوالة، 34. الكفالة والضمان، 35. التفليس، 36. الحجر، 37. الصلح، 38. الإبراء، 39. الإكراه، 40. السبق الرمي، 41. القضاء والحـــكم، 42. الــحـدود، 43. الجـنـايات، 44. الــديـات والأراش، 45. القَسَــاَمَة، 46. الوصايا، 47. الفرائض والمواريث، 48. السير.

ثالثاً : الأخلاق والفضائل :

تعتبر قضايا الأخلاق والفضائل ومسائلها أحد فروع الفقه الإسلامي، وترد فرضيته من مصادر التشريع، وله  مقصد إسلامي عظيم، يستهدف تقويم سلوك الإنسان المسلم وقيمه، لحاجة الفرد والمجتمع للقيم النبيلة والفضائل العالية الرفيعة، وقد يطلق عليه أحكام تحقيق التحسينات وصفات الذات الإسلامية، يثاب المسلم على الالتزام بها، ويعاقب على ترك واجباتها وتجاوزها، وفعل محظوراتها، ولعلاقتها بسلوكيات الإنسان المسلم والمسلمة، وصفاء سريرته، وهناك  بعض من الفقهاء يطلقون على هذا المبحث : علم السلوك والتصوف، لعلاقته بالضمير  والسرائر، كما أن بعضاً من العلماء والفقهاء يدرجونه ضمن كتب الفقه، لشموله أحكاماً وفصولاً تتضمن، جملة ما ورد الشرع بتحريمه، وكراهية التخلق به، ومنها أحكام الكبر والعجب، وأحكام الرياء، والمباهاة، والمكاثرة، وحكم الحسد، وحكم الشريعة في  الغل والحقد، وفي ظن السوء، وبيان الموالاة والمعاداة في الدين، وبيان معنى الحمية، والمداهنة، والنهي عن حب الدنيا وأنه رأس كل خطيئة، ومعنى الجبن والبخل، ومعنى الفرح المحمود، وبيان حد الجزع المنهي عنه، وفضل العلم، وضرر الجهل، وغيرها من الأخلاقيات، وكلها شرحت فقهياً في مباحث مفصلة، مستندة إلى أدلتها التشريعية، من نصوص قرآنية كريمة وسنة نبوية شريفة، للتحلي بحميدها والابتعاد عن ذميمها، ليكتمل إسلام المرء، ويبلغ أوج طهره وكنه سعادته الدينية والدنيوية.

تابع في هذه الدراسة:

(1) يطلق عليهم كذلك اسم : الحرورية، والمحكمة ، والشراة.

(1) كما كان يعرف بعلم أصول الدين أو التوحيد أو المقالات الإسلامية أو الملل والنحل وغيرها من الأسماء، ولعل التسمية بعلم الكلام ظهرت في عهد المأمون (218-198هـ) على يد المعتزلة إذ كان يطلق على المشتغلين به اسم المتكلمين.

(1) وهم المعروفون كذلك بأهل السنة والجماعة.

(2) القاموس الفلسفي ــ  وضع مجمع اللغة العربية بالقاهرة، مادة “مذهب” ــ .

(3) الإسلام والتعددية : الاختلاف والتنوّع في إطار الوحدة، د. محمد عمارة، دار الرشاد، القاهرة.

(1) المصدر نفسه.

(2) “الطرق الحكمية في السياسة الشرعية”، ص 5. وانظر أيضاً “إعلام الموقعين”، ج 1، ص 88-87.

(3) “أدب الاختلاف في الإسلام”، ص 93-75.

(1) إبراهيم النخعي (69-46هـ / 715-666م) تابعي، فقيه العراق، من أصحاب المذاهب الفقهية.

(2) الشعبي : عامر بن شراحيل (103-19هـ / 721-640م) من فقهاء التابعين.

(3) محمد بن سيرين (110-33هـ / 728-642م) تابعي، إمام عصره.

(4) الحسن البصري (110-21هـ / 728-642م) تابعي، أبرز أئمة التابعين، وإليه ينتسب كثير من الفِرق والمذاهب.

(5) عطاء بن رباح (114-27هـ / 732-647م) تابعي، من أجلاء الفقهاء.

(6) سعيد بن المسيب (94-13هـ / 713-634م) سيد التابعين، وأحد فقهاء السبعة المشهورين.

(7) د. طه جابر العلواني (أصول الفقه الإسلامي) ص 32 ، طبعة واشنطن 1408هـ / 1988م.

(1) سورة الأنعام، الآية 38.

(2) “أدب الاختلاف في الإسلام”، ص 99-93.

(3) “الإمتاع والمؤانسة”، ج 3، ص 187-186.

(1) من حديث رواه ابن ماجة في باب تلقيح النخل من كتا ب الرهون عن موسى بن طلحة عن أبيه قال : مررت مع رسول الله# في نخل ورأى قوما يلقحون النخل فقال : ما يصنع هؤلاء ؟ قالوا: يأخذون من الذكر فيجعلونه في الأنثى، قال : ما أظن ذلك يغني شيئاً، فبلغهم فتركوه فنزل عنها فبلغ النبي# فقال : ….

(2) رواه البخاري عن زينب أم سلمة في كتاب الشهادات والأحكام والأقضية وغيرها، ورواه غيره كذلك الدارمي والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حنبل، وكذا مالك في موطأه.

(3) رواه ابن حنبل في مسنده عن الحرث بن عمر عن رجال من أصحاب معاذ.

(1) سنن الترمذي : 1249. وسنن أبي داود : 3119. ومسند أحمد : 21000. وسنن الدارمي : 168.

(1) انظر ترجمته في مصادرها المتعددة، ومنها تاريخ بغداد، ووفيات الأعيان وأنباء الزمان لابن خلكان، وتذكرة الحفاظ لأبي عبد الله الذهبي، ومناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة للموفق المكي، وتاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة.

(2) يعني ابن مسعود، انظر تاريخ بغداد، ج 13، ص 334.

(1) محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 350.

(1) انظـر تـرجمته فـي كتـب منـها : حـلية الأوليـاء لأبـي نعـيم الأصفـهاني، وصـفوة الصـفوة، لأبـي الفـرج ابن الجوزي، وتذكرة الحفاظ للذهبي، وتاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبي زهرة، وغيرها من كتب التراجم.

(2) ترتيب المدارك، ج 1، ص 136.

(3) نفسه، ص 183.

(1) نفسه، ص 183-182.

(1) انظر ترتيب المدارك، ج 1، ص 176-175. والديباج، ص 30-29. وشجرة النور، ص 55.

(1) انظر في ترجمته كتباً منها : حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصفهاني، ج 6، ص 355-316، وترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضي عياض، ج 1، ص 193-104. ووفيات الأعيان لابن خلكان، ج 4، ص 139-135. وتذكرة الحفاظ للذهبي، ج 1، ص 213-207. وتاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة، ج 2، ص 224-175. وقد كتب في مناقب مالك مؤلفات.

(1) إعلام الموقعين، ج 1، ص 46.

(2) كتاب الأم، ج 1، ص 130، حيث تفصيل الكلام عن قواعد منهجه.

(3) تاريخ بغداد، ج 2، ص 65.

(1) المصدر نفسه، ج 2، ص 57.

(2) معجم الأدباء، ج 17، ص 316.

(3) تاريخ بغداد، ج 2، ص 57.

(4) معجم الأدباء، ج 17، ص 313.

(1) تاريخ بغداد، ج 2، ص 62.

(2) انظر ترجمته في مصادر، منها : حلية الأولياء، ج 9، ص 233-161. تاريخ بغداد، ج 4، ص 423-412. الصفوة، ج 2، ص 234-212، وهي كثيرة. وقد ترجم له من المتاخرين الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، في كتابه “أصول مذهب الإمام أحمد”، الطبعة الثانية، 1397هـ.   

(1) تاريخ بغداد، ج 4، ص 413-412. وانظر كذلك تذكرة الحفاظ، ج 2، ص 431.    

(1) لجنة التأليف، مؤسسة البلاغ، أهل البيت مقاصدهم ومنهجهم ومسارهم، ص 84.   

(1) مؤسسة البلاغ، مصدر سابق، ص 147.

(2) المصدر السابق، نفس الصفحة.

(1) حسين بن أحمد السياغي، أصول المذهب الزيدي وقواعده، مكتبة غمضان لإحياء التراث اليمني، مطبعة عكرمة، دمشق 1984م. ويذكر العلامة النسابة أحمد بن صالح أبو الرجال في كتابه الشهير المسمى : “مطلع البدور ومجمع البحور”، مخطوط، والتحقيق أن منسوبه إلى الإمام علي بن أبي طالب وسبطيه وأمهما لإجماعهم أن الحق معهم وإن انتسبوا إلى الإمام زيد بن علي.

(2) علي عبد الكريم الفضيل، الزيدية نظرية وتطبيق، ص 12، الأردن 1405هـ.

(3) المصدر السابق، ص 143.

(1) الشيخ محمد أبو زهرة، الإمام زيد، القاهرة، مصر.

(2) علي عبد الكريم الفضيل، الزيدية نظرية وتطبيق، ص 12، الأردن 1405هـ.

(1) أفاض في ذكره خير الدين الزركلي في كتابه الأعلام، ج 4، ص 185-184، إذ يقول إن تاريخ ولادته غيرمعروف ولا تاريخ موته، غير أنه عراقي، وترجم له مؤلف أصدق المناهج في تبرئة الإباضية من الخوارج، ص 20. وقال : إنه عاصر معاوية ابن أبي سفيان، وعبد الملك بن مروان، مؤسس الدولة الأموية الثانية، المصدر نفسه، ص 3.

(1) سالم بن حمود بن شاس، أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج، ص 20، إصدار وزارة الثقافة، مسقط، عُمان.

(2) صالح باجيه، الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية، بحث تاريخي للحصول على الدكتوراه، الجامعة التونسية، إشراف علي الشابي، وتقديم السفير العماني محمد محمد الحارثي.

(1) تاريخ بغداد، ج 4، ص 413-412. وانظر كذلك تذكرة الحفاظ، ج 2، ص 431.

 

 

 

(1) الموسوعة الفقهية، ج 1، ص 3، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت 1983م.

(2) جلال الدين السيوطي، جزيل المواهب في اختلاف المذاهب.

(1) د. طه جابر العلواني، أدب الاختلاف في الإسلام، ص 2، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ص 29.

(2) د. طه جابر العلواني، أدب الاختلاف في الإسلام، ص 29.

(1) المصدر السابق، ص 29.