معارك القناة مع الاحتلال البريطاني واشتراك كتيبة الأزهر

وفي هذه الآونة سنة 1951م ألغت حكومة الوفد معاهدة سنة 1936م، وقال مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة كلمته الشهيرة أمام البرلمان: “من أجل مصر وقَّعت معاهدة سنة 1936م، ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها”. وكان إلغاء المعاهدة مع الإنجليز بداية لمرحلة جديدة من مراحل الجهاد ضد الاحتلال البريطاني الذي طال أمده، وكان لجماعة الإخوان القدح المعلّى (النصيب الأوفر) في هذا الجهاد، وخصوصا بين شباب الجامعات المصرية، الذين يعتبرون طلائع العمل الوطني دائما، فقد تنادى شباب الجامعات في مصر بضرورة مقاومة الإنجليز، وإقلاق مضاجعهم، حتى يفقدوا الإحساس بالأمان، ولا يجدوا سبيلا لأمنهم غير الرحيل، والعودة من حيث جاءوا، ولا يجوز لشعب مصر أن يستسلم للاحتلال ويعتبر وجوده أمرا عاديا، علينا ألا نرضى به بوصفه جزءا من الواقع، وبهذا يعيش بين ظهرانينا آمنا قرير العين.

تجاوبت هذه الصيحات، وقامت معسكرات التدريب في الجامعات، وكان الإخوان هم قادة هذه المسيرة، وموقدي هذه الشعلة، ومحركي الشعب للتفاعل مع هذا النداء، مستفيدين من جو الحرية، الذي توافر إلى حد كبير في ظل حكومة الوفد.

وقد زاد اشتعال الشعب المصري حين قدّم أبناء الجامعة شهداءهم فداء وطنهم، باذلين مهجهم في سبيل الله، وعلى رأسهم عمر شاهين، الذي عرفه الكثيرون شعلة من النشاط، ومثلا حيا في الحركة والبذل والعطاء في سبيل الله، وكذلك الطلاب: أحمد المنيسي، وعادل غانم، والأعسر. وكانت جنازة عمر شاهين ووداعه مسيرة هائلة ورائعة، التقى فيها شباب الجامعة وشباب الأزهر، والتقى الطلاب مع غيرهم، كما التقى الطلاب والأساتذة ومدير الجامعة الدكتور عبد الوهاب مورو باشا، وألقى زعيم طلبة الجامعة حسن دوح كلمة ثورية ألهبت المشاعر، وحفزت العزائم على مواصلة الجهاد.

وقد أقمنا نحن طلاب الأزهر معسكرا لشباب الأزهر بجوار الجامع الأزهر هناك، وفي جوار قاعة الإمام محمد عبده وكلية الشريعة، واختار الإخوة الأخ محمد عبد العزيز خالد قائدا للمعسكر وبجواره الصفطاوي والعسال وعلي عبد الحليم وغيرهم، وقد استحوذ المعسكر على نشاطنا في تلك الآونة، نتدرب فيه على استخدام ما تيسر من الأسلحة، كما نعنى بالتربية الإيمانية، فهي نبع القوة المعنوية، ولهذا كان المعسكر يشتمل -مع التدريب العسكري والرياضي- على دروس توجيهية تنمي معاني الإيمان والرغبة في الجهاد، وحياة الخشونة والجندية، القائمة على الطاعة واحترام النظام.

وقد عرفت في هذا المعسكر عددا من الإخوة الكرام: منهم الأخ عبد اللطيف زايد، الذي كان من أصفى الشباب نفسا، وأحرصهم على خدمة إخوانه، فهو أول من يعطي، وآخر من يأخذ، وكذلك الأخ محمد الصوابي الديب من كلية الشريعة، الذي استشهد من آثار التعذيب في السجن الحربي في عهد الثورة، ومنهم الأخ عبد الرحمن الديب من طلاب معهد القاهرة الديني، وكان من أصلح الشباب وأحسنهم خلقا، ومنهم الأخ ظاهر الريس من فلسطين، وغيرهم وغيرهم.

وقد هيأ المعسكر عددا من الشباب الذي أخذ نصيبا كافيا من التدريب ليسافر إلى الشرقية قريبا من القناة، ليستكمل تدريبه، ويستعد لمهمته في الجهاد، وفق أوامر القادة في الميدان.

ولقد أردنا أن تكون هذه مناسبة طيبة لإبراز مكانة الأزهر ودوره في هذه المرحلة الحساسة من حياة مصر.

ودعونا عددا من كبار الشيوخ في الأزهر والدعاة من خارج الأزهر، منهم الشيخ محمد عبد اللطيف دراز، والشيخ محمد عبد الله دراز، والأستاذ عبد الحكيم عابدين من الإخوان، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء بالجزائر وضيف القاهرة، وقدّم الأخ أحمد العسال للحفل، وألقى بعض هؤلاء الضيوف كلمات، ثم قُدّمت لألقي كلمة المعسكر وشباب الأزهر، فارتجلت كلمة قوية ختمتها بقصيدة نظمتها بهذه المناسبة، وقد ضاعت فيما ضاع، أذكر منها:

 

دع المداد، وسطر بالدم القاني وأسكت الفم، واخطب بالفم الثاني
فم المدافع في صدر العداة له من الفصاحة مـا يرزي بسحبان

 

وكان من هذه القصيدة:

 

يا أزهر الخير قدها اليوم عاصفة فـإنـما أنت مـن نـور ونيران
هـذا شبابك لـلميدان منطلـق فهل نرى في الشيوخ اليوم كاشاني؟

 

وكان آية الله كاشاني في تلك الفترة في إيران قد لفت أنظار العالم حين لبس الكفن وقاد المظاهرات ضد شاه إيران؛ ولذا جاء في هذه القصيدة أيضًا:

 

متى أرى ألسُن الدنيا تحدث عن (حمروش) مصر ككاشانيّ إيران

 

وكان شيخ الأزهر في تلك الفترة هو الشيخ إبراهيم حمروش.

إلى تل بسطة:

وبعد ذلك سافرنا مع الكتيبة إلى منطقة (تل بسطة) بالقرب من الزقازيق بالشرقية، وهي منطقة صالحة تماما للتدريب، ففيها يمكن أن نتدرب على ما لم نستطع التدريب عليه في معسكر القاهرة القائم بين البيوت والمباني.

هنا تدربنا على استخدام القنابل الشديدة الانفجار، استخداما فعليا، كما تدربنا على (التهديف) وغيره.

وكان من مدرّبي هذا المعسكر شاب فلسطيني متحمس في كلية الهندسة اسمه (ياسر)، هذا كل ما عرفناه عنه، وهو ياسر عرفات، وقد وقع منه حادث جعلني أشكوه إلى قائد المعسكر الأستاذ المربي محمود عبده، ذلك أنه رفع البندقية في وجه أخ وقع منه خطأ، والرسول الكريم نهانا أن يشير أحدنا بالسلاح إلى أخيه جادا ولا لاعبا، فأحضره الأستاذ محمود، ونبهه على هذا الخطأ الشرعي، فتعهد أن لا يعود لمثله.

وقد زارنا كثير من الرجال في هذه المنطقة أذكر منهم الشيخ عبد الحليم الديب، شيخ معهد القاهرة الديني وكان أحد شيوخنا بمعهد طنطا، فرآني في صفوف المتدربين بالملابس العسكرية، فحياني وقال: ربُّ السيف والقلم! فقلت له: يا فضيلة الشيخ، أين نحن من السيف والقلم؟ فثار عليّ، وقال: التواضع مطلوب، ولكن ليس إلى حد أن تهضموا حق أنفسكم، إن غيركم يعمل عُشر ما تعملون، ولكنه يملأ الدنيا صراخا بما يعمل.

العمل الطلابي في الأزهر.. المسابقات واتحاد الطلاب

وقد اجتهدنا -نحن طلاب كلية أصول الدين- وأنا في السنة الثانية: أن ننشئ اتحادا لطلاب الكلية، رأسه الأخ الشيخ مناع القطان في سنته الأولى بانتخاب من الطلاب، فلما تخرج الشيخ مناع اختارني الطلبة لرئاسته.

وكانت الفكرة: أن ننشئ في كل كلية اتحادا لطلابها، وكذلك في المعاهد الدينية، ثم ننشئ (اتحادا عاما) لجميع طلاب الأزهر يتحدث باسمهم، ويعبر عن أمانيهم، ولكن الظروف لم تساعدنا، ولا سيما بعد أن قامت ثورة يوليو.

مسابقات في الكلية:

لم تكن الكلية تمنح مكافآت لأوائل الكلية، كما كان الحال في المعهد الابتدائي والثانوي، فلم يكن لديها مثل هذا الوقف، ولكن عوضتنا الكلية عن ذلك بمسابقات علمية تعقدها كل سنة في كتب علمية تحددها، ويتقدم إليها الطلاب المتفوقون عادة، وتعطي الأول منهم خمسة وعشرين جنيها، والثاني عشرين جنيها، والثالث خمسة عشر جنيها.

وقد دخلت هذه المسابقات التي أتيحت لي ثلاث مرات: مرتين في (تفسير المنار). أولاهما: في (الجزء الخامس) من التفسير، والأخرى في (الجزء الثامن) منه. والمرة الثالثة: كانت في (علم المنطق).

والحمد لله، وفقت في المرات الثلاث، وحصلت على الترتيب الأول، وحظيت في كل مرة بخمسة وعشرين جنيها، وكانت يومها تسد مسدا، وتقضي حاجات.

كنت أعمل في مجال النشاط الإخواني في المركز العام على مستويات عدة، ومع جملة من أقسام الجماعة:

1 – فقد كنت أعمل في قسم نشر الدعوة، الذي يبعث بي إلى البلاد المختلفة في أنحاء مصر، وربما في خارجها.

2- وكنت أعمل في قسم (الاتصال بالعالم الإسلامي)، وهو قسم أنشأه الإخوان، ليهتم بقضايا العالم الإسلامي مشرقه ومغربه، ويجمع معلومات عنها، ويتصل بالجهات المؤثرة فيها، وبخاصة الإسلامية منها، ويستقبل الوافدين منها، ولا سيما الطلاب الذين يدرسون في مصر عامة وفي الأزهر خاصة؛ فالمسلمون أمة واحدة، جمعتهم العقيدة الواحدة والشريعة الواحدة، والقبلة الواحدة، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ومن لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم “إنما المؤمنون أخوة”، وقد كلفني القسم برئاسة الأستاذ عبد الحفيظ الصيفي، بالإشراف على الطلبة السوريين، ولا سيما بعد زيارتي لسوريا، ومعرفتي بعدد منهم.

3 – كما كنت أعمل مع قسم الأسر، وهو الذي يُعنى بتربية شخصية الأخ المسلم، وتكوينه تكوينا متكاملا في روحه وعقله وبدنه، وهو الذي رشحني للذهاب إلى سوريا، حيث كانت لقاءاتي هناك خاصة بالأسر.

4 – وكان أهم الأقسام التي تركز فيها نشاطي: قسم الطلاب الذي كان يرأسه الأستاذ محمد فريد عبد الخالق، ثم رأسه الأستاذ أحمد عبد العزيز جلال، وقد حمّلني الإخوان مسؤولية الدعوة في الأزهر وطلبته، بعد أن تخرج الأخ الشيخ مناع القطان الذي كان مسؤول الأزهر قبلي.

وكان يحمل العبء معي عدد من الإخوة الأقوياء الأمناء، من أبناء الأزهر: أحمد العسال ومحمد الصفطاوي من كلية الشريعة، وصلاح أبو إسماعيل، وإسماعيل الطحان والمحروقي من كلية اللغة العربية، وحسن الشافعي ومحمد المطراوي وعلي عبد الحليم من معهد القاهرة، وكانت لنا كتائب ورحلات إلى المقطم وحلوان، ومخيمات لتربية الإخوان وتدريبهم على الحياة الخشنة والتعاونية، وغرس روح الجماعة فيهم.

وكان نشر الدعوة بين طلاب الأزهر قائما على قدم وساق، حتى أصبحنا في وقت من الأوقات، وكأن الأزهر أصبح بطلابه وشيوخه قلعة إخوانية، حتى شيوخنا كانوا متجاوبين معنا إلى حد كبير، وكان شيخ الأزهر الأكبر في ذلك الوقت: الشيخ محمد الخضر حسين، مواليا لنا، فهو أصلا من رجال الدعوة، ورجال الإصلاح، ورجال المقاومة للاستعمار، وقد أُخرج من بلده الأصلي تونس، لمحاربته للاستعمار الفرنسي، وعاش في مصر داعية إلى الإسلام وإلى التجديد والإصلاح، وكان هذا توفيقا من الله لنا، وكان هو الذي يتفق مع طبيعة الأشياء، فالأصل في الأزهر أن يكون حصنا للإسلام، ومعقلا لدعوة الإسلام، ودعاة الإسلام، وقد تعلمنا في الأزهر: أن ما جاء موافقا للأصل لا يُسأل عن علته.

مؤتمر طلاب الأزهر.. مطالبنا تحققت بعد زمن طويل

وكان من أهم المؤتمرات التي أقمناها في هذه المرحلة: المؤتمر الأزهري العام، الذي عُقد في ساحة كلية الشريعة وكلية اللغة العربية، في مبانيها الجديدة بالأزهر، وقد حضر هذا المؤتمر طلاب الكليات الثلاث، وطلاب معهد القاهرة الديني، وكان من مطالب أبناء الأزهر التي طالبنا بها من قديم، منذ كنا طلابا في القسم الثانوي، ولم يُستجب لها، وقد ذكرت طائفة منها في حديثي عن المرحلة الثانوية من قبل، مثل فتح باب الدراسات العليا، لطلاب الأزهر كغيرهم، وفتح باب الكليات العسكرية -مثل الحربية والشرطة- أمامهم، والعمل ملحقين دينيين في سفارات مصر، وفتح مجالات العمل في المصالح والوزارات المختلفة أمام أبناء الأزهر، وفتح معاهد للطالبات… إلخ.

وكنت المتحدث الرئيسي في هذا الملتقى، وتوليت شرح المطالب، وضرورة إرسال نسخة من مطالبنا إلى شيخ الأزهر. وكان مما قلته في هذه المناسبة قصيدة كان لها وقعها وصداها بين طلبة الأزهر، ضاعت إلا أبياتا منها:

صبرنا إلى أن ملَّ من صبرنا الصبر

 

وقلنا: غدا أو بعده ينجلي الأمر

 

فكان غـد عـاما، ولـو مـدّ حبله

 

فقد ينطوي في جوف هذا الغد الدهر

 

وقـلنا: عسى أن يدرك الحقَّ أهلُه

فصاحت (عسى) من (لا) و(لا) طعمها مر

ومـاذا عـلينا بعد نار مـرجل

مـن الغيظ والإهمال يغلي به الصدر

سدد بطول الصبر منا صمامه

فزادت عليه النار، فانفجر القِدْر

ومنها:

عجبت لمصر تهـضم الليث حقـه

وتسرف للسِّنَّوْر، ويحك يا مصر!

سلام على الدنيا، سلام على الورى

إذا ارتفع العصفور وانخفض النسر!

أيُعطَى لـزيد ما يشاء مـن المُنَى

ويُحرم -حتى من ضروراته- عمْرو؟

أيُعطَى لنا –يا قومنا- القشر والنوى

ومَن دوننا يُعطى له اللب والتمر؟

إذا العدل والإنصاف في الأرض لم يقم

فمن أين يأتي أهلها العز والنصر؟

ووصّلنا مطالبنا إلى الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر الخضر حسين، وكان متجاوبا معنا في كل مطالبنا، وكان رجلا له هيبته ومقامه العلمي والديني الكبير، وصاحب تاريخ مجيد في العلم والجهاد، ولكن الدولة لم تكن تتجاوب مع آماله، وهو صاحب المقولة الشهيرة التي قالها لرجال الحكومة: “إن لم يزد الأزهر في عهدي فلا يُنقص منه!”.

وفي أوائل ثورة يوليو ذهب إليه اللواء محمد نجيب قائد الثورة وزاره في مكتبه في مشيخة الأزهر، وقال: إن من واجب الرؤساء أن يزوروا العلماء.

مع شقائق الدعاة: الأخوات المسلمات

ومن المجالات التي كنت أشارك فيها: دروس كنت ألقيها للأخوات المسلمات، وكان الأستاذ البنا قد أنشأ قسما للأخوات المسلمات ليكون مكملا وموازيا للإخوان المسلمين، “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم من بعض” (التوبة: 71).

وكانت تشرف على هذا القسم زوجة الأخ الفاضل الأستاذ محمود الجوهري، وهو يساعدها، ولكن القسم كان ضعيفا، ولم يرق إلى المستوى المطلوب، باعتبار أن المرأة نصف المجتمع، وأن النساء شقائق الرجال، وإن كان للأخوات دورهن في أيام (المحن) حيث يوصلن المساعدات إلى أسر المعتقلين الذين لا مورد لهم.

ولم يرق العمل الإسلامي النسوي إلا في عصر الصحوة الإسلامية المعاصرة؛ حيث انتشرت ظاهرة الالتزام بالزي الشرعي الذي أطلق عليه (الحجاب)، وهو توجه طوعي اختياري من النساء والفتيات المسلمات، لم يجبرهن عليه أحد، حيث أقبل الكثير منهن على الإسلام علما وعملا وغيرة وحماسا.

ولكن حتى الآن لا توجد زعامات وقيادات نسائية إسلامية، كما عند العلمانيين والماركسيين، إلا الزعامات التاريخية أمثال الحاجة زينب الغزالي (حفظها الله)، في مصر، والدكتورة سعاد الفاتح في السودان.

وسبب ذلك: أن الرجال هم الذين يقودون العمل النسائي ويحركونه، وكثير منهم لا يسمحون لزوجاتهم بممارسة النشاط الإسلامي المطلوب، إلا قليلا منهم، مثل الأخ الدكتور أحمد عبد الله، وزوجته الداعية المثقفة المتألقة، الدكتورة هبة رءوف عزت، والأخ المهندس سراج، وزوجته الداعية الناشطة المهندسة كاميليا حلمي مديرة فرع المرأة في المجلس العالمي للدعوة والإغاثة.

اضطراب الأوضاع السياسية بمصر وقيام ثورة يوليو

انتهت هذه الفورة من فورات المقاومة للإنجليز، ولم تحقق هدفها النهائي، وإن أقَضَّت مضاجع الإنجليز، وأفهمتهم أن في مصر شعبا يمكن أن يصنع العجائب إذا تهيأ له المجال وأتيحت له الفرصة.

وقد بدأ الجو السياسي يتوتر في البلاد، وبدأت روائح الفساد الملكي تفوح، وتزكم الأنوف، تُنفق الأموال في بذخ وسرف على رحلات الملك ومتعه في أوربا وغيرها، في حين لا تجد بعض المؤسسات ما يقيم أودها، وينفق على الضروريات من مطالبها، وهذا ما جعل شيخ الأزهر العلامة الجليل الشيخ عبد المجيد سليم يقول لممثلي الحكومة حين رفضوا بعض ما يطلبه الأزهر لموازنته، كلمته الشهيرة التي كان لها دوي هائل: “تقتير هنا، وإسراف هناك!”.

وهذه الكلمة الموجزة القوية هزت قوائم عرش الملك، ولم يجد لها جوابا إلا أن يعفي الشيخ من منصبه، فأوصي إليه بالاستقالة، فقدمها وقُبلت.

وكانت تصدر من الشيخ بعض كلمات تحمل نقدا للأوضاع المنحرفة في البلد، فذهب إليه بعض المقربين من القصر، وقال له: إن هذه الكلمات خطر على الشيخ! فقال له: هذا الخطر يمنعني أن أتردد بين بيتي ومسجدي؟ قال: لا، قال: إذن لا خطر.

واجترأ الطلاب في مظاهراتهم على الهتاف ضد القصر، وكان هتاف إحدى المظاهرات: يسقط عفيفي، وحافظ عفيفي! يقصدون بـ (عفيفي) حافظ باشا عفيفي، رئيس الديوان الملكي، أما حافظ عفيفي، فيقصدون به حاميه، وهو الملك.

كما اجترأت الصحف على التوسع في النقد، ومن ذلك ما نشرته جريدة (الاشتراكية) التي كان يصدرها الزعيم أحمد حسين مؤسس مصر الفتاة، من الصور المعبرة عن بؤس الشعب المصري، مرضه وجوعه وعريه وضياعه، وتحتها عنوان كبير يقول: (رعاياك يا مولاي!)

وأهم حدث وقع في هذه الفترة هو حريق القاهرة، الذي قضى على عدد من المباني والفنادق الكبرى في يناير 1952م، ولم نعرف في ذلك الوقت من الذي دبّر هذا الحدث الخطير؟ وذُكر بعد ذلك أن هذا كان من تدبير جمال عبد الناصر، لتمهيد المناخ للقيام بانقلابه المنشود.

أقيلت وزارة الوفد بعد حريق القاهرة، وشكلت وزارات عدة بين حريق القاهرة ، وقيام ثورة يونيو.

وكان الضباط الأحرار في الجيش المصري بقيادة جمال عبد الناصر قد استفادوا من سوء الأوضاع في الحياة السياسية المصرية، ومن رصيد الكراهية للملك في نفوس الشعب، ومن الوعي العام الذي أحدثه الإخوان بالدرجة الأولى، ومعهم الحزب الاشتراكي وغيره من أحزاب المعارضة، وبدءوا يرتبون أنفسهم، ويعدون العدة ليوم مشهود يعلنون فيه انقلابهم على الملك.

وقد ظهرت قوتهم عندما نجح مرشحهم لرئاسة نادي الضباط اللواء محمد نجيب، وسقط مرشح الحكومة.

وكان كل شيء يبشر أن تغييرا لا بد أن يقع، فكان التغيير هو قيام (ثورة 23 يوليو 1952م) التي سميت أول الأمر (حركة الجيش المباركة)، ثم أطلق عليها (الانقلاب)، ثم استقرت على اسم (الثورة).

لقد استبشر الشعب بانقلاب هؤلاء الضباط الذين قالوا عنهم (حَمَلَة المصاحف) كما قالوا عنهم: إنهم من تلاميذ الشيخ محمد الأودن، كما قيل: إن منهم عددا من الإخوان.

وقد طُلب منا نحن الإخوان أن نحرس المنشآت الأجنبية من احتمال تحرك أي أيد مخربة، تحاول أن تصطاد في الماء العكر، والوضع حساس لا يحتمل وقوع أي حادث يكدر صفو الأمن، ويظهر وجود معارضة للانقلاب.

كان رجال الجيش يعتبرون الإخوان هم سندهم الشعبي، فلا غرو أن اعتمدوا عليهم في حراسة المنشآت ومراقبة أي تحرك مريب.

ولكن من الأيام الأولى بدأ لون من الحساسية يظهر عند رجال الانقلاب، حتى صدر بيان يعلن أن حركة الجيش حرة مستقلة عن الجماعات والأحزاب، وليس لأي منها سلطان عليها، وكان البيان يعني الإخوان خاصة.

ويبدو أن الأستاذ الهضيبي منذ أول لقاء معهم لم يسترح لهم، كما لم يستريحوا له، وهذا الشعور بعدم الارتياح المتبادل من الطرفين كان له أثره فيما بعد.

وحين كان عبد الناصر يزور بعض المناطق كان الإخوان يستقبلونه على طريقتهم بالتهليل والتكبير، وخصوصا أن الكثيرين من عوام الإخوان كانوا يحسبون أن حركة الجيش حركة إخوانية، أو على الأقل موالية ومساندة للإخوان، وقد سمعت بأذني في مدينة الحوامدية، حين كبر الإخوان وعبد الناصر يتكلم ما قاله وهو غاضب ثائر: إلى متى تظلون كالببغاوات، تهتفون وتصرخون ولا تدرون ما تقولون؟

اللواء محمد نجيب:

كان معظم الضباط الأحرار من ذوي الرتب الصغيرة، أكبرها رتبة (بكباشي) وهي رتبة مقدم الآن، وكانوا في حاجة إلى (ضابط كبير) يعلنون الانقلاب باسمه، واختاروا لذلك اللواء محمد نجيب، الذي رشح قبل ذلك لرئاسة نادي الضباط، وفاز بأغلبية ساحقة.

وحين أعلن الجيش بيانه الأول عن حركته الانقلابية بصوت البكباشي أنور السادات، أُعلن باسم قائد الانقلاب اللواء محمد نجيب.

وكان محمد نجيب رجلا شعبيا بفطرته، قريبا من قلوب الناس، سهلا في تعامله، بسيطا في خطابه، فبدأ يلتقي جماهير الشعب، ويحثهم على الاتحاد والنظام والعمل، والناس يتجاوبون معه، ويلتفون حوله، وهذا ما ضايق (البكباشي) جمال عبد الناصر، منشئ تنظيم الضباط الأحرار، والمدبر الحقيقي لحركة الجيش، والذي حجبته الظروف أن يظهر في الواجهة من أول يوم.

ولكن الواقع أن محمد نجيب هو الذي تحمّل المسؤولية، وعرّض نفسه لحبل المشنقة لو أخفقت حركة الجيش لأي سبب من الأسباب.

ولهذا بدأت الثورة من أول يوم محملة بهذه المشكلة الداخلية، وهي ازدواج المسؤولية بين الرئيس العلني والرئيس السري، وكلما ازدادت شعبية محمد نجيب ومكانته بين الناس تعقدت المشكلة أكثر، وخصوصا بعد أن أصبح محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر، بعد التخلص من النظام الملكي، ومن الوصاية على العرش، وأُعلنت مصر جمهورية مستقلة.

على أية حال كان لا بد لهذا الصراع الداخلي المستور أن يظهر على السطح يوما، بل كان لا بد أن ينفجر إذا بلغ مدى معينا لا بد أن يصله، وقد حدث هذا في سنة 1954م، كما هو معروف، وسنشير إليه في حينه.

رشاد مهنا:

وكان من رجال الثورة أو الانقلاب: الضابط رشاد مهنا، الذي كان له تنظيم محدود خاص في الجيش، فضمه عبد الناصر إلى تنظيم الضباط الأحرار، وأمسى جزءا منهم، وحين قام الجيش بانقلابه، وطرد الملك في 26 يوليو 1952م، وعين ابنه الصغير أحمد فؤاد ملكا على مصر، عين مجلس الثورة: رشاد مهنا وصيًّا على العرش، ومعه اثنان آخران.

وحين أعلنت الثورة دستورا مؤقتا لمصر، وألغي الدستور القديم، حذف من الدستور مادة: الإسلام دين الدولة الرسمي، فاعترض على ذلك رشاد مهنا ومعه عدد من الضباط الموالين له، فعُقدت لهم محكمة للثورة برئاسة جمال عبد الناصر، حوكموا أمامها بتهمة العمل ضد الثورة، وحكم عليهم بالسجن لسنوات متفاوتة.