همام عبد المعبود- إسلام أون لاين.نت/ 30-3-2005

عبر جمع من الفقهاء والعلماء استطلعت “إسلام أون لاين.نت” آراءهم عن رفض دعوة المفكر طارق رمضان لتعليق العمل بالحدود الشرعية، متسائلين عن جدوى إثارة مثل هذه القضايا في مثل هذا الوقت، وماذا يفيد الإسلام من إثارتها، ومعتبرين أنها “تضر ولا تنفع”.

البشري: دعوة بلا أساس

طارق البشري

المفكر الإسلامي المستشار “طارق البشري” النائب الأسبق لرئيس مجلس الدولة بمصر، أوضح أن “الدعوة الواردة في هذا البيان لم تستند إلى أسس فقهية ولا إلى أسس تتعلق بالتفسير القرآني أو تفسير الحديث، وإنما استندت إلى الاعتبارات العملية والواقعة التي يلقاها صاحب البيان في مواجهته مع الظروف والأوضاع الإعلامية والثقافية التي تحيط به في الغرب”.

وأضاف البشري: “إذا كان من المقدر بالنسبة لنا أن مسلمين ممن يعيشون بالغرب ويتخذونه موطنًا له هم أدرى بشئون حياتهم الدنيوية في بيئاتهم التي يعيشون فيها هناك، وأننا لا نريد أن نحملهم الأثقال السياسية والتاريخية الخاصة بنا نحن أهل المشرق في البلاد الإسلامية وعلاقاتنا مع الغرب وهي علاقات سياسية وتاريخية لها تشابكات ومشاكل كثيرة، نحن لا نريد أن نحملهم هذه الأثقال، ونريد لهم أن يحيوا حياتهم الإسلامية في بلاد الغرب بالطريقة التي تناسبهم؛ فإنه لا يجوز لنا أن نغض الطرف عما يحاوله البعض من أن يتخذ من إحساسه في الغرب بالصغار، وسيلة ليعرض علينا موقف صغاره هذا لنحتمله في بلادنا ونحمله أوضاع ديننا وعقائدنا التي نتمسك بها ونستمسك بها والتي تعيينا إن شاء الله في مواجهة مشاكل الحاضر، وأنواء العلاقات المضطربة التي تربط قوى العدوان الغربية والأمريكية على وجه الخصوص بنا”.

وأشار البشري إلى أن “الذي يطالب به طارق رمضان في هذا البيان هو أن يتخذ المسلمون موقفًا معناه وقف العمل بأحكام القرآن والسنة إلى حين إشعار آخر، ولا يملك المسلمون جميعًا أن يوقفوا حكمًا في القرآن والسنة أو أن يصدروا بهذا قرارًا، فهذه دعوة أكاد أقول إنها لا تطاق بهذا الأسلوب الذي جرت به وبهذه الخفة التي صدرت بها”.

وأوضح أننا كمسلمين “نعرف تقاليد ديننا ونعرف أوامره ونعرف العلاقات الحميمة التي تصدر عنه، وتستمد منه مواقفنا الحميمة في علاقاتنا بأنفسنا وبالآخرين كما يستمد منه قيم العدل والرحمة ولا نخضع في ذلك لابتزاز دوائر من الغرب تريد أن تجردنا من هذا الالتزام العقيدي ويخضع لها من يخضع مطالبًا بإعلان يتعلق بوقف العمل”.

وقال المستشار البشري: “إن الاعتراض بالنسبة لي لا يتعلق بالحدود، فالحدود كتب فيها فقهاء مسلمون كثيرون وتحدثوا عن ضوابطها وشروطها وهي ليست إلا فرعًا محدودًا من الفقه الإسلامي وأحكام الشريعة الإسلامية وضوابطها وشروطها نفهمها ويطبقها الفقهاء والقضاة عندما تطبق بما هو جدير بالموقف الإنساني العام والالتزام بالرحمة والعدل والمساواة، ولكنه لا يدخل في هذا الأمر قط أن يعلن إنسان جهرًا بأنه يريد أن يوقف العمل بأحكام وردت في القرآن لما يواجهه من ضغوط الظروف التي يمر بها”.

واختتم البشري تعليقه قائلا: “إن أخانا الكريم يمكن أن يفسر النصوص بما يراه وفقًا لأساليب ومناهج التفسير المعتمدة والمعتبرة عند العلماء وبما تتحقق به المقاصد الشرعية في حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال، وليس من ذلك قط أن يرد إعلان بوقف العمل بأحكام نحن خاضعون لها، ولا نملك ما بقينا في الإطار الإسلامي أن نهدم شيئا من شريعته”.

سلطان: لا بد من التريث

 صلاح سلطان

من جانبه وجه الدكتور “صلاح سلطان” عضو المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية، عضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، عضو اتحاد علماء المسلمين، دعوة للمفكر الإسلامي طارق رمضان لأن يراجع نفسه وأن يتراجع عن مواصلة الحديث في هذه القضية، معتبرا أن “طرحها قد يضاعف الخلاف والشقاق حول قضية ليست من أولويات الأمة في هذا الوقت، فضلا عن أن طرحها سيجعل العلمانيين والذين يكرهون الإسلام والمسلمين ينفذون من تطبيقات خاطئة لبعض المسلمين إلى حرب الإسلام نفسه، كما يقول المفكر الإسلامي فهمي هويدي”.

وقال سلطان: “قد أتفق مع طارق رمضان في أنه عند تطبيق الحدود في بلد ما قد يكون هناك ظلم واقع على الفقراء، حيث قد يطبق الحكم على الفقراء بينما يترك الأغنياء والحكام والظالمين”، غير أنه يستدرك قائلا: “عندما تدلهم الأمور في العراق وفلسطين وأفغانستان والشيشان وفي كشمير وغيرها لا نستطيع أن نجعل من تصرفات خاطئة لبعض المسلمين في تطبيق الأحكام سببا ومبررا لجعلها قضية عامة”.

ويطالب صلاح سلطان المفكر طارق رمضان بـ”أن يتريث في الأمر، وأن يطرحه أولا على الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أو على المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، أو المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية، وأن يراجع من تطمئن إليهم نفسه من علماء الأمة أمثال الدكتور يوسف القرضاوي، أو المستشار فيصل المولوي، أو الدكتور طه جابر العلواني ليتم تدارسه من كل جوانبه، وأن يعرض الأمر على علماء ثقات من السودان والسعودية وإيران وغيرها من البلدان التي تطبق فيها بعض هذه الحدود فهم أعرف بها”، مشددا على أهمية البحث عن نتائج وتداعيات إثارة هذا الموضوع.

الراوي: نداء عقيم

أحمد الراوي 

ويوافق البشري وسلطان فيما ذهبا إليه الدكتور أحمد الراوي رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوربا، ويضيف: “طارق رمضان مفكر وداعية، وكان عليه أن يركز على علاقاته الحوارية مع الغرب، أما هذه الدعوة فلها أهلها، فهناك اتحاد علماء المسلمين، والمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث فهم أهل الاختصاص في هذه المسألة”، رافضا تبرير رمضان بأن الهدف من هذه الدعوة الرد على حملات التشويه ضد الإسلام، حيث يقول: “نحن نعيش في الغرب منذ سنوات وطفنا البلاد الغربية جميعها وحملات التشكيك في الإسلام ومحاولات تشويهه مستمرة منذ زمن ولن توقفها مثل هذه الدعوة بل ربما كانت سببا ومبررا جديدا للطعن في الإسلام ومواصلة الحملة ضده”.

ويعتبر الراوي أن “هذه تقليعة جديدة تأتي بعد تقليعة (إمامة المرأة للرجال) التي أثيرت في أمريكا، وتقليعة تخصيص (مسجد خاص للنساء) في هولندا، وها هي تقليعة (الدعوة إلى تعليق الحدود) تندلع من سويسرا”، معتبرا أن “طرح الموضوع في هذه الصورة هو طرح غير سليم ولا يحقق خيرا للإسلام والمسلمين، فضلا عن أنه يثير اللغط وينشر الخلاف، إنها دعوة تضر الإسلام ولا تنفعه وتسيء إليه”.

وتساءل الراوي متعجبا: “أين هي هذه الحدود؟، وأين تطبق؟”، ويجيب على نفسه قائلا: “إنها غير موجودة وغير مطبقة أصلا في كل البلاد الإسلامية حتى السعودية التي تعلن تطبيق الشريعة هناك ملاحظات على التطبيق، وهذه دعوة من شأنها أن تثير فتنة نحن في غنى عنها، وكان أولى بطارق رمضان أن يراجع المجامع الفقهية المعتبرة قبل أن ينشر مثل هذه الدعوة، فهي مما يثير اللبس واللغط”.

واختتم الراوي تعليقه قائلا: “أنا أكبر رمضان وأحترمه كداعية وكمفكر، وأربأ به أن ينزلق في مثل هذه المزالق، وعليه ألا يقحم نفسه في مثل هذه القضايا، التي أقل ما يقال عنها إنها تحتاج إلى فقهاء ومجامع فقهية لتدرسها قبل أن تنطق فيها بكلمة واحدة، وهذا ما كنا نرجوه منه قبل أن يثيرها ويطيرها عبر وسائل الإعلام التي لن تتوانى من أن تصنع منها قنبلة توجه إلى صدر المسلمين”، واصفا هذا النداء بأنه “نداء عقيم”، داعيا طارق رمضان “إلى التراجع عنه فهو لا ينفع، ولا يخدم الأمة”.

الشنقيطي: موافقة بتحفظ

محمد بن مختار الشنقيطي

وبينما أثنى محمد بن المختار الشنقيطي مدير المركز الإسلامي بمدينة لباك بولاية تكساس على الدكتور طارق رمضان، واصفا إياه “بالشجاعة الفكرية، والعمق المنهجي، وحمل الهم الإسلامي أينما حل وارتحل، وهي فضائل يعز نظيرها اليوم. وقد يضيق ضميره المتوثب بالهوان الذي يعيشه المسلمون، وبالفجوة المتسعة بين مثالهم المُشرق وواقعهم المزري..”، غير أنه يعيب عليه أنه “يطلع أحيانا بآراء حول الإسلام ضعيفة التأصيل وإن لم يعوزها حسن المقصد، متعجلة الخلاصات وإن كان وراءها عقل متألق”.

وأكد الشنقيطي على أنه “لا ينبغي أن تنقص هذه الآراء الغريبة من تقديرنا لجهد الرجل وجهاده، وعطائه العلمي الثري، ولا أن تنقص من ترحيبنا بطرحه الجريء ومقولاته المستحدثة، فهي في الغالب مقولات تستفز العقل المسلم بجرأتها، وتستحثه إلى مراجعات آلياته، والارتفاع إلى مستوى تحدياته”، مسجلا عددا من الملاحظات على ندائه الذي دعا فيه إلى “تعليق” العمل بالحدود الجنائية الإسلامية، بما فيها حد القتل وكل العقوبات الجسدية.

فوافق الشنقيطي طارق رمضان في “تنديده بما يتسم به بعض فقهاء ومثقفي المسلمين اليوم من خوف وديماجوجية (غوغائية) ومجاراة للعوام والدهماء، بحيث أصبحوا يتجنبون الخوض في بعض الأمور الحساسة التي يطرحها الناس حول الإسلام يوميا، أو يقدمون إجابات تلفيقية باردة، لا تحق حقا ولا تبطل باطلا، أو يعترضون بشدة على كل رأي مخالف للمعهود، وإن كان له ركن من الشرع مكين”، معتبرا أنه “قد آن الأوان للعقل المسلم أن يتحرر من الديماجوجية، وآن الأوان لفتح حرية التفكير والتعبير دون كوابح”.

وقال الشنقيطي: “أحسن الدكتور طارق في إلحاحه على تحقيق العدل والحرية والكرامة للإنسان المسلم قبل أي شيء آخر. فالذي يريد تطبيق الحدود دون بناء النظام السياسي والاجتماعي المنصف، مثل الذي يرسم حدود دولة لا وجود لها أصلا”، مشيرا إلى أن “مفهوم تطبيق الشريعة قد تشوه في أذهان العديد من المسلمين اليوم، فاستحال مفهوما جنائيا، مما جعل الشريعة الإسلامية مجرد حشد من العقوبات والحدود والقيود، بدلا من وضعها في موضعها الصحيح: نظاما إيجابيا للحياة يحقق الخير والعدل والحرية، تحميه حدود زاجرة”، معتبرا أن “ذلك أثر من آثار انحطاطنا الحضاري اليوم”.

وأثنى الشنقيطي على تنديد طارق رمضان “بالتوظيف السياسي لتطبيق الشريعة من طرف بعض الحكام المستبدين الذين جعلوا الشريعة خادمة للسلطة، لا العكس المفترض”، واصفا أمثال هؤلاء بأنهم “حكام ظلمة يعبدون الله على حرف، فهم مع الشريعة في خدمة أهوائهم وظلمهم، وهم ضدها في دعوتها إلى القسط والعدل والحرية واحترام الكرامة الإنسانية”، مقرا بما قاله رمضان من أن “أسلوب المناكفة والمجانبة المطلقة مع الغرب موقف سلبي”.

أما عن النقاط التي يختلف فيها مع رمضان، فيقول الشنقيطي: “كنت أود أن يفرق الدكتور طارق بين حد الرجم وغيره من الحدود. فالرجم لم ينعقد عليه إجماع المسلمين في الماضي، بل أنكره المعتزلة والخوارج”، ويضيف: “كنت أتمنى كذلك أن يميز الدكتور رمضان بين حد القتل الذي ينفذ في قاتل، وبين القتل بالردة الذي أثار علماء أجلاء اعتراضات جدية حوله، وميزوا بين الردة موقفا فكريا، وبين الردة خيانة سياسية وخروجا عسكريا على السلطة الشرعية المنتخبة”.

وواصل الشنقيطي رصد النقاط التي يخالف رمضان فيها فقال: “أخشى أن يكون الدكتور طارق قد أغرق نفسه في التنظير في هذا النداء، وابتعد عن الواقع أكثر من اللازم. فالحدود الشرعية معطلة في كل الدول المسلمة تقريبا، وهو ينادي بتعليقها، والنصوص الشرعية الواردة فيها مجمدة، وهو ينادي بتأويلها. ثم إن إبراز الموضوع بهذه الطريقة يوحي للقارئ الأجنبي أن ديار الإسلام اليوم مسلخة ملأى بالأيدي المبتورة، والرؤوس المقطوعة.. الخ رغم أن هذه الحدود لا يكاد يسمع أحد عن تنفيذ لها أصلا”، معتبرا أن يكون الدكتور طارق بهذا قد “أثار الآخرين على الإسلام بندائه هذا من حيث أراد طمأنتهم، وقدم صورة مشوهة وغير دقيقة عن واقع العالم الإسلامي، وهو الحريص على الدقة ونقاء الصورة”.

وأضاف قائلا: “قدم الدكتور طارق الحدود في صورة قوانين جائرة، لا جزءا من نظام عام يحقق العدل. ولم يصرح برأيه في تطبيق هذه الحدود في الظروف الطبيعية”، مشيرا إلى أنه “كان الأوْلى بالدكتور أن يعترف بأن الحدود جزء من نظام العدل المنشود، وليست مقابلا أو نقيضا له. كما كان الأولى به أن لا يعمم في حديثه عن الوضع السياسي والاجتماعي في العالم الإسلامي، وهو وضع في غاية التباين والاختلاف”.

واعتبر الشنقيطي أن “القيم الغربية أثرت على العقل المسلم اليوم تأثيرا عميقا، ولم يقتصر هذا التأثير على العلمانيين، بل امتد إلى الإسلاميين أيضا، خصوصا المقيمين منهم في الغرب مثلي ومثل الدكتور رمضان، فبدء مسار التكيف مع ثقافة مختلفة يتحول إلى رؤية أخلاقية ودينية”، معتبرا أن “هذا المنحى من النظر الأخلاقي في الغرب هو الذي فتح الباب أمام الليبرالية المتحررة من أي ضابط أخلاقي، وجر إلى كوارث إنسانية واجتماعية، مثل مرض الإيدز الذي يفتك بعشرات الملايين اليوم، والشذوذ الجنسي الذي يهدم بنية المجتمع الإنساني. وسبب كل ذلك عدم الضبط الأخلاقي لحياة الفرد بقوانين المجتمع، واعتبار الأخلاق شأنا شخصيا لا يطاله القانون”.

العلواني: افتئات غير مقبول

طه جابر العلواني

وبدوره اعتبر الدكتور طه جابر العلواني رئيس المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية أن “الافتئات على الأمة أمر غير مقبول من أحد فردا كان أو جماعة، وأن المفتئت أو المدعي على الأمة مخطئ بغض النظر عن صحة رأيه”، معتبرا أنه “كان الأحرى بالدكتور طارق أن يرد هذا الأمر إلى أولي الأمر وهم الفقهاء والعلماء والمجامع الفقهية بدلا من أن يحوله إلى مادة إعلامية لشغل المسلمين”.

وأوضح العلواني أن “هذا الدين يتآلف من عقيدة وشريعة، وأن الشريعة هي تطبيق للعقيدة، وأن الفارق بين الشريعة والفقه أن الشريعة وضع إلهي أما الفقه فهو فهم بشري للشريعة، وأن الدين قد اكتمل برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فليس هناك نقص في الدين، لا في عقيدته ولا في شريعته لكي يأتي اليوم شخص أو جماعة ليدعوا أنهم سيكملونه”.

وأوضح العلواني أن “النجاح الذي حققته الشريعة في تكوين ثقافتنا وعقليتنا وأعرافنا جعلها تتحول إلى جزء من هويتنا، وأن أي محاولة لفك الارتباط بيننا وبين الشريعة تعني أن هناك مخططا لتفكيك الهوية والثقافة والأعراف وهذا ما لا يستطيع مؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر أن يقول به أو أن يدعي أننا لا نحتاج للشريعة”، مشيرا إلى أن “هناك خلطا لدى بعض الناس بين الشريعة بمفهومها الشرعي الشامل للعبادات والمعاملات والأخلاقيات وبين العقوبات، مما جعل البعض -لجهلهم- يطلقون كلمة الشريعة على العقوبات أو القانون الجنائي، فالنظر إلى الشريعة على أنها هي العقوبات هي نظرة قاصرة تدل على قلة فقه وفهم للشريعة”.

وأشار الدكتور العلواني إلى “أننا نعيش في واقع لا يطبق فيه الشريعة – تقريبا – في أي مكان من الأرض، وحتى تلك الدول أو الحكومات المحدودة التي تعلن أنها تطبق وتتبنى الشريعة قانونا لها لا تطبق شيئا من هذه العقوبات ولا تنفذه”، موضحا أن “الشريعة كل واحد لا يتجزأ، ونحن نواجه تحديا هائلا يستهدف تفكيك كل شيء، عقيدتنا، نظامنا الأخلاقي، حتى عبادتنا”، في إشارة إلى إمامة امرأة للرجال بأمريكا.

وأوضح العلواني أن “أمتنا الإسلامية اليوم تواجه عملية تفكيك وتخريب ومحاولة فك ارتباط بينها وبين ما يتعلق بدينها ولا ينبغي لعاقل أن يستدرج إلى مثل هذه الخنادق؛ لأن هذا من شأنه أن يزيد من استدراج الأمة إلى مزيد من المسائل الخلافية”، معلقا على دعوة رمضان بأن “هذه دعوة أحرى أن يعكف عليها علماء وفقهاء وأصوليون يناقشون الأدلة ثم يجري بعدها الكلام”، وأن “عرض مشروع لتعطيل الحدود اليوم هو محاولة لفتح الباب وكسر الحواجز بين الليبرالية والإنسان المسلم بهدف إخراج العقيدة والشريعة من رأسه”.

وقال العلواني: “شريعتنا الإسلامية مستهدفة؛ لأن خصومنا يعرفون أن الشريعة هي المانع والعائق في وجه عمليات التفكيك والتخريب التي يستهدفونها، فليس من المقبول ولا المستساغ أن يأتي من أبناء الأمة اليوم من يطلق دعاوى تساهم في تفكيك الأمة”، مستبعدا أن يكونوا يستهدفون من وراء هذه الدعاوى مزيدا من الشهرة!.

ويختتم العلواني تعليقه لشبكة “إسلام أون لاين.نت” قائلا: “يجب على الدكتور طارق رمضان أن يدرس الواقع إلى جانب الشريعة، ليرى ما هي النواقص التي يجب استكمالها لكي تطبق الشريعة، وعليه أن يوضح لنا ما إذا كان لديه خطة لتغيير الواقع الإسلامي بحيث يصبح صالحا لتطبيق الشريعة بأكملها حتى تكون دعوته لتعليق العقوبات لسنوات محددة دعوة تستحق النظر!”.

رد أ.د علي جمعة – مفتي مصر على مبادرة طارق رمضان

د. على جمعة

قضية تطبيق الشريعة لا بد أن تفهم بصورة أوسع من قصرها على تطبيق الحدود العقابية بإزاء الجرائم، كما هو شائع في الأدبيات المعاصرة، سواء عند المسلمين أو عند غيرهم؛ حيث إن تطبيق الشريعة له جوانب مختلفة، وله درجات متباينة، وليس من العدل أن نصف واقعًا ما بأنه لا يطبق الشريعة لمجرد مخالفته لبعض أحكامها في الواقع المعيش، حيث إن هذه المخالفات قد تمت على مدى التاريخ الإٍسلامي وفي كل بلدان المسلمين ودولهم بدرجات مختلفة ومتنوعة، ولم يقل أحد من علماء المسلمين إن هذه البلاد قد خرجت عن ربقة الإٍسلام أو إنها لا تطبق الشريعة، بل لا نبعد في القول إذا ادعينا أن كلمة تطبيق الشريعة كلمة حادثة.

وهناك حقائق يجب معرفتها:

1-إن الشريعة تعني ما يتعلق بالعقائد والرؤية الكلية من أن هذا الكون مخلوق لخالق، وأن الإنسان مكلف بأحكام شرعية تصف أفعاله، وأن هذا التكليف قد نشأ من قبيل الوحي وأن الله أرسل به الرسل وأنزل الكتب، وهناك يوم آخر للحساب وللثواب والعقاب، كما أنها تشتمل على الفقه الذي يضبط حركة السلوك الفردي والجماعي والاجتماعي، وتشتمل أيضا على منظومة من الأخلاق وطرق التربية ومناهج التفكير والتعامل مع الوحي قرآناً وسنة ومع الواقع مهما تغير أو تبدل أو تعقد.

2- قضية الحدود تشتمل على جانبين: الجانب الأول هو الاعتقاد بأحقية هذا النظام العقابي في ردع الإجرام وفي تأكيد إثم تلك الذنوب ومدى فظاعتها وتأثيرها السيئ على الاجتماع البشري ورفضها بجميع صورها نفسيا لدى البشر، وأن هذا النظام العقابي لا يشتمل على ظلم في نفسه ولا على عنف في ذاته، والجانب الآخر هو أن الشرع قد وضع شروطاً لتطبيق هذه الحدود، كما أنه قد وضع أوصافاً وأحوالاً لتعليقها أو إيقافها، وعند عدم توفر تلك الشروط أو هذه الأوصاف والأحوال فإن تطبيق الحدود مع ذلك الفقد يعد خروجاً عن الشريعة.

3-المتأمل في النصوص الشرعية يجد أن الشرع لم يجعل الحدود لغرض الانتقام بل لردع الجريمة قبل وقوعها، ويرى أيضاً أن الشرع لا يتشوف لإقامتها بقدر ما يتشوف للعفو والصفح والستر عليها. والنصوص في هذا كثيرة لا تتناهى.

4-لمدة نحو ألف سنة لم تقم الحدود في بلد مثل مصر، وذلك لعدم توفر الشروط الشرعية التي رسمت طرقا معينة للإثبات والتي نصت على إمكانية العودة في الإقرار والتي شملت ذلك كله بقوله صلى الله عليه: “ادرءوا الحدود بالشبهات”.. وقول عمر بن العزيز: “لأن أخطئ في العفو ألف مرة خير من أن أخطئ في العقوبة”.

5-قد يوصف العصر بصفات تجعل الاستثناء مطبقاً بصورة عامة، في حين أن الاستثناء بطبيعته يجب أن يطبق بصورة مقصورة عليه، من ذلك وصف العصر بأنه عصر ضرورة، ومن ذلك وصف العصر بأنه عصر شبهة، ومن ذلك وصف العصر بأنه عصر فتنة، ومن ذلك وصف العصر بأنه عصر جهالة، وهذه الأوصاف تؤثر في الحكم الشرعي؛ فالضرورة تبيح المحظور، حتى لو عمت واستمرت، ولذلك أجازوا الدفن في الفساقي المصرية مع مخالفتها الشريعة، والشبهة تجيز إيقاف الحد كما صنع عمر بن الخطاب في عام الرمادة؛ حيث عمت الشبهة بحيث فُقد الشرط الشرعي لإقامة الحد، والإمام جعفر الصادق والكرخي من الحنابلة وغيرهما أسقطوا حرمة النظر إلى النساء العاريات في بلاد ما وراء النهر لإطباقهن على عدم الحجاب حتى صار غض البصر متعذرا إن لم يكن مستحيلا، ونص الإمام الجويني في كتابه “الغياث” على أحوال عصر الجهالة وفصل الأمر تفصيلاً عند فقد المجتهد ثم العالم الشرعي ثم المصادر الشرعية.. فماذا يفعل الناس؟

ويتصل بهذا ما أسماه الأصوليون في كتبهم كالرازي في “المحصول” بالنسخ العقلي، وهو أثر ذهاب المحل في الحكم، وهو تعبير أدق لأن العقل لا ينسخ الأحكام المستقرة وذلك بإجماع الأمة، ولكن الحكم لا يطبق إذا ذهب محله؛ فالأمر بالوضوء جعل غسل اليد إلى المرفقين من أركانه فإذا قطعت اليد تعذر التطبيق أو استحال، وكذلك الأحكام المترتبة على وجود الرقيق، والأحكام المترتبة على وجود الخلافة الكبرى، والأحكام المترتبة على وجود النقدين بمفهومهما الشرعية من ذهب أو فضة وكذلك كثير.

6-من أجل الوصول إلى تنفيذ حكم الشرع ومراد الله سبحانه منه والوصول إلى طاعة الله ورسوله يجب علينا أن ندرك الواقع، وفي حديث ابن حبان في صحيحه في موعظة آل داود أن يكون المؤمن مدركا لشأنه عالماً بزمانه.

ومن هنا فإن الفقهاء نصوا على أن الأحكام تتغير بتغير الزمان إذا كانت مبنية على العرف (نص المادة 90 من مجلة الأحكام العدلية)، وأجاز المذهب الحنفي في جانب المعاملات العقود الفاسدة في ديار غير المسلمين فتغيرت الأحكام بتغير المكان، وقاعدة: “الضرورات تبيح المحظورات” المأخوذة من قوله تعالى {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ…} تجعل الشأن يتغير بتغير الأحوال، وكذلك تتغير هذه الأحكام بتغير الأشخاص، فأحكام الشخص الطبعي الذي له نفس ناطقة تختلف عن الشخص الاعتباري حيث لا نفس له ناطقة. وهذه الجهات الأربع وهي الزمان والمكان والأشخاص والأحوال هي التي نص عليها القرافي كجهات للتغير يجب مراعاتها عند إيقاع الأحكام على الواقع.

ومعلوم أن عصرنا لم يعد أمسه يعاش في يومنا ولا يومنا يعاش في غدنا، وسبب ذلك أمور، منها كم الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة التي جعلت البشر يعيشون وكأنهم في قرية واحدة، ومنها زيادة عدد البشر زيادة مطردة لا تنقص أبدا منذ 1830 ميلادية وإلى يومنا هذا. ومنها كم العلوم التي نشأت لإدراك واقع الإنسان في نفسه أو باعتباره جزءا من الاجتماع البشري، أو باعتباره قائما في وسط هذه الحالة التي ذكرناها.

وسمات العصر هذه ونحوها غيرت كثيراً من المفاهيم، كمفهوم العقد، والضمان، والتسليم، والعقوبة، ومفهوم المنفعة ومفهوم السياسة الشرعية؛ فلا بد من إدراك ذلك كله حتى لا تتفلت منا مقاصد الشريعة العليا.

7-يمكن عرض تجارب الدول الإسلامية المعاصرة مع قضية تطبيق الحدود:

ا- فنجد أن السعودية تطبق الحدود عن طريق القضاء الشرعي مباشرة من غير نصوص قانونية مصوغة في صورة قانون للعقوبات الجنائية، والتطبيق السعودي للحدود مستقر، وليس هناك أي دعوة أو توجه مؤثر لإلغائها أو إيقافها أو تعليقها. وإن كانت هناك بعض النداءات من معارضي النظام السياسي تدعو إلى ضبط الإجراءات وتصف النظام الحالي بعدم العدالة وباعتدائه على حقوق الإنسان.

ب-حالة باكستان والسودان وإحدى ولايات نيجيريا وإحدى ولايات ماليزيا وإيران التي نصت قوانينها على الحدود الشرعية، وتم الإيقاف الفعلي لها من ناحية الواقع في باكستان وتم تعليقها بعد عهد النميري في السودان، وتم تعليقها أيضاً في إيران وماليزيا، وطبقت في ولاية نيجيريا بصورة غاية في الجزئية، ويشيع في كل هذه البلدان العمل بالتعزير بدلا من تطبيق الحد، فيما عدا الجرائم التي تستوجب الإعدام.

ج-بقية الدول الإسلامية التي يبلغ عددها 56 دولة من مجموع 196 دولة في العالم سكتت في قوانينها عن قضية الحدود، وكانت وجهة النظر في هذا الشأن أن عصرنا عصر شبهة عامة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “ادرءوا الحدود بالشبهات”، كما أن الشهود المعتبرين شرعاً لإثبات الجرائم التي تستلزم الحد قد فُقدوا من زمن بعيد؛ فيورد التنوخي في كتابه “مشوار المحاضرة” أن القاضي كان يدخل المحلة أو القرية فيجد فيها أربعين شاهدا ممن نرضى من الشهداء عدالة وضبطا، وأنه الآن -أي في عصره- يدخل القاضي البلدة؛ فلا يجد فيها إلا الشاهد أو الشاهدين. وأن عصرنا بصفة عامة يمكن أن يوصف بفقد الشهادة أيضا.

والتفتيش للوصول إلى الحقيقة التي تؤدي إلى إقامة الحد ليس من منهاج الشريعة، فإن ماعزا أتى يقر على نفسه، فأشاح النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه أربع مرات، ثم أحاله على أهله لعلهم يشهدون بقلة عقله أو جنونه، ثم أوجد له المخارج، ولما رجع في إقراره أثناء إقامة الحد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: “هلا تركتموه”، وأخذ العلماء من هذا جواز الرجوع عن الإقرار ما دام في حق من حقوق الله، وليس بشأن حق من حقوق البشر، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأله عن الطرف الآخر للجريمة وهي المرأة، ولم يفتش عنها حتى كنوع من أعمال استكمال التحقيق. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر وعمر وعثمان أن السارق كان يؤتى به إليهم فيقول له الإمام: “أسرقت؟.. قل لا”!

فالنص على الحدود كما ذكرنا يفيد أساساً تعظيم الإثم الذي جعل الحد بإزائه وأنه من الكبائر والقبائح التي تستوجب هذا العقاب العظيم، ويؤدي ذلك إلى ردع الناس عن هذه الجرائم على حد قوله تعالى: {ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ}، ويكمل الحد في هذا الشأن الضبط الاجتماعي الذي يتولد من الثقافة السائدة لدى الكافة باستعظام هذه الآثام، ونبذ من اشتهر بها أو أعلنها أو تفاخر بفعلها. كما أن الشرع فتح باب التوبة، وأمر بالستر في نصوص عديدة من الكتاب السنة.

8- ولقد ذكرنا ما ذكرناه إجابة على المبادرة نرى أن هذه القضية بهذه الصورة ليست ملحة أصلا، ولا هي في ترتيب أولوياتنا بالمسألة الأَََََولَى، بل إن إثارتها الآن يضر ولا ينفع.

والله أعلم.