لِمَ أعثر على حديث بهذا اللفظ، وليكن معلومًا أن العلم بالسّحر غير العمل به، وقد جاء في حديث الصحيحين أن السّحر من السبع الموبِقات، أي من الكَبائر فهل المقصود هو العمل به أو العلم به؟
رأى جماعة أن المحرّم هو العمل به مطلقًا في الضُّرِّ والنَّفْعِ سَدًّا للذَّريعةِ، ورأي الآخرون جواز العمل به في النفع، قال القرطبي في تفسيره: واختلفوا، هل يُسأل الساحِر حل السِّحر عن المسحور؟ فأجازه سعيد بن المسيّب على ما ذكره البخاري، وإليه مال المزني، وكرهه الحسن البصري، وقال الشعبي: لا بأس بالنُّشرة، قال ابن بطال: وفي كتاب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقاتٍ من سِدر أخضرَ فيدُقَّه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آية الكرسي، ثم يَحسو منه ثلاث حسواتٍ ويغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله تعالى، وهو جيّد للرجل إذا حُبس عن أهله، هكذا جاء في تفسير القرطبي ونقله عنه ابن حجر الهيتمي في كتابه ” الزواجر ” ولم يعترِض عليه.
ومهما يكن من شيء فإن أية وسيلة تنتج خيرًا ولا تنتج شرًّا وليس هناك نصٌّ قاطع يمنعها ولا تصادم أصلاً مقرّرًا تكون مشروعة والنّهي عن السّحر شديد؛ لأنّهم كانُوا يعتقدون أنه مؤثّر بنفسه بعيدًا عن إرادة الله تعالى، وذلك هو الكفر الذي من أجله حرمه الإسلام وجاء فيه قوله تعالى: (وما هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بإذْنِ اللهِ )(سورة البقرة : 102). هذا هو حكم العمل به.
أما تعلُّم السحر فرأى جماعة منعه مطلقًا ورُوِيَ فيه ابن مردويه حديثًا بسند فيه ضعف وابن حبان في صحيحه أن النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلم ـ كتب إلى أهل اليمن كتابًا فيه الفرائض والسنن والديات والزكاة، وكان فيه بيان لأكبر الكبائر، ومنها تعلّم السحر، وذلك لأن تعلُّمه سيجرُّه إلى العمل به وسيُغريه بإيقاع الضّرر بالناس، لكن جاء في ” الزواجر ” لابن حجر ج2 ص103، قال الفخر: واتّفق المحقِّقون على أن العلم بالسِّحر ليس بقبيح ولا محظور؛ لأن العلم لذاته شريف لعموم قوله تعالى:( قُلْ هَلْ يَستوِي الذِينَ يَعْلمونَ والذِينَ لاَ يَعْلَمونَ ) (سورة الزمر : 9) .
ولو لم يعلم السحر لما أمكنَ الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز معجزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجِبا، وما يكون واجبًا كيف يكون حرامًا وقبيحًا؟ ونقل بعضهم وجوب تعلمه على المفتي حتى يعلم ما يقتل منه وما لا يقتل فيُفتي به في وجوب القصاص. انتهى .
وابن حجر لم يوافِق على رأي الفخر الرازي الذي نقله عنه، وقرَّر أن تعلُّمَه حرام، وتجب التوبة منه، ويرجع إلى الزواجر لمعرفة وجهة نظره، وإن كنتُ أختار رأي الفخر الرازي على حد قول القائل:
عَرَفْت الشر لا للشَّرِّ لَكِنْ لِتوقِّيه
ومَنْ لا يَعرِفِ الشَّرَّ مِنَ الناسِ يُلاقيه