بسم الله،والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقدأصدر فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي فتواه بشأن العمليات الاستشهادية منذ أكثرمن عامين، وما زال يدافع عن هذا الرأي ويؤيده حتى وقتنا هذا، وملخصه أن هذهالعمليات من أعظم أنواع الجهاد، وهي من الإرهاب المشروع، وإليك نص فتواه:

يقولفضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:
تساءل الكثيرون بعدالتفجيرات الأخيرة التي تمت في القدس وتل أبيب وعسقلان، وقتل فيها من قتل منالإسرائيليين، نتيجة العمليات الاستشهادية التي قام بها شباب من حركة المقاومةالإسلامية (حماس) .. تساءلوا عن حكم هذه العمليات التي يسمونها (انتحارية) هل تعدجهادا في سبيل الله أو إرهابا؟ وهل هؤلاء الشباب الذين يضحون بأنفسهم في هذهالعمليات يعتبرون شهداء أو يعتبرون منتحرين، لأنهم قتلوا أنفسهم بأيديهم؟ وهل يعتبرعمل هؤلاء من باب الإلقاء باليد في التهلكة الذي نهى عنه القرآن في قوله تعالى:(وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) البقرة:195.

وأود أن أقول هنا: إن هذه العمليات تعد من أعظم أنواع الجهادفي سبيل الله، وهي من الإرهاب المشروع الذي أشار إليه القرآن في قوله تعالى:(وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) الأنفال:60. وتسمية هذه العمليات (انتحارية) تسمية خاطئة ومضللة، فهي عمليات فدائيةبطولية استشهادية. وهي أبعد ما تكون عن الانتحار، ومن يقوم بها أبعد ما يكون عننفسية المنتحر.

إن المنتحر يقتل نفسه من أجل نفسه، وهذا يقدم نفسه ضحية من أجلدينه وأمته. والمنتحر إنسان يائس من نفسه ومن روح الله. وهذا المجاهد إنسان كله أملفي روح الله تعالى ورحمته. المنتحر يتخلص من نفسه ومن همومه بقتل نفسه، والمجاهديقاتل عدو الله وعدوه بهذا السلاح الجديد، الذي وضعه القدر في يد المستضعفينليقاوموا به جبروت الأقوياء المستكبرين: أن يصبح المجاهد (قنبلة بشرية) تنفجر فيمكان معين وزمان معين في أعداء الله والوطن، الذين يقفون عاجزين أمام هذا البطلالشهيد، الذي باع نفسه لله، ووضع رأسه على كفه، مبتغيا الشهادة في سبيل الله.

فهؤلاء الشباب الذين يدافعون عن أرضهمـ وهي أرض الإسلام ـ وعن دينهم وعرضهم وأمتهم ـ ليسوا بمنتحرين، بل أبعد ما يكونونعن الانتحار. وإنما هم شهداء حقا، بذلوا أرواحهم ـ وهم راضون ـ في سبيل الله، مادامت نياتهم لله، وما داموا مضطرين لهذا الطريق لإرعاب أعداء الله، المصرين علىعدوانهم، المغرورين بقوتهم، وبمساندة القوى الكبرى لهم. والأمر كما قال الشاعرالعربي قديما:
إذا لم يكن إلا الأسنةَ مركبٌ *** فما حيلةالمضطر إلا ركوبها!
وليسوابمنتحرين، وليسوا بإرهابيين، فهم يقاومون ـ مقاومة شرعية ـ من احتل أرضهم وشردهموشرد أهلهم، واغتصب حقهم، وصادر مستقبلهم، ولا زال يمارس عدوانه عليهم. ودينهم يفرضعليهم الدفاع عن أنفسهم، ولا يجيز لهم التنازل باختيارهم عن ديارهم، التي هي جزء مندار الإسلام.

ولا يعد عمل هؤلاءالأبطال من الإلقاء باليد إلى التهلكة، كما يتصور بعض البسطاء من الناس. بل هو عملمن أعمال المخاطرة المشروعة والمحمودة في الجهاد، يقصد به النكاية في العدو، وقتلبعض أفراده، وقذف الرعب في قلوب الآخرين، وتجرئة المسلمين عليهم.

والمجتمع الإسرائيلي مجتمع عسكري،رجاله ونساؤه جنود في الجيش، يمكن استدعاؤهم في أي لحظه. وإذا قتل طفل أو شيخ فيهذه العمليات، فهو لم يقصد بالقتل، بل عن طريق الخطأ، وبحكم الضرورات الحربية،والضرورات تبيح المحظورات.

ولا بأس أن أسوق هنا ما ذكره الفقهاءفي هذا الجانب وما ذكره المفسرون في آية (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)البقرة:195.

ما قاله الجصاص الحنفي:
قال الإمام الجصاصالحنفي في كتابه (أحكام القرآن) في تفسير هذه الآية: قد قيل فيه وجوه: أحدها: ما رواهبسنده عن أسلم بن عمران قال غزونا بالقسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن الوليد،والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه! لا إلهإلا الله! يلقي بيديه إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشرالأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر دينه الإٍسلام، فقلنا: هلم نقيم في أموالناونصلحها. فأنزل الله تعالى (وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ

وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)البقرة : 195 .فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا فنصلحها وندع الجهاد. قال أبوعمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية .. فأخبر أبوأيوب أن الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله، وأن الآية في ذلكنزلت، وروي مثله عن ابن عباس وحذيفة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك.
وروي عن البراء بن عازب وعبيدة السلماني: الإلقاء بالأيدي إلىالتهلكة هو اليأس من المغفرة بارتكاب المعاصي.
وقيل: هوالإسراف في الإنفاق حتى لا يجد ما يأكل ويشرب فيتلف.
وقيل:هو أن يقتحم الحرب من غير نكاية في العدو، وهو الذي تأوله القوم الذي أنكر عليهمأبو أيوب وأخبر فيه بالسبب، وليس يمتنع أن يكون جميع هذه المعاني مرادة بالآيةلاحتمال اللفظ لها، وجواز اجتماعها من غير تضاد ولا تناف.

فأما حمله على الرجل الواحد يحمل علىحلبة العدو، فإن محمد بن الحسن ذكر في السير الكبير: أن رجلا لو حمل على ألف رجلوهو وحده لم يكن بذلك بأس، إذا كان يطمع في نجاة، أو نكاية، فإن كان لا يطمع فينجاة ولا نكاية، فإني أكره له ذلك، لأنه عرض نفسه للتلف من غير منفعة للمسلمين، فإنكان لا يطمع في نجاة ولا نكاية، ولكنه يجرئ المسلمين بذلك، حتى يفعلوا مثل ما فعل،فيقتلون وينكون العدو فلا بأس بذلك إن شاء الله، لأنه لو كان على طمع من النكاية فيالعدو ولا يطمع في النجاة، لم أر بأسا أن يحمل عليهم، فكذلك إذا طمع أن ينكى غيرهفيهم بحملته عليهم فلا بأس بذلك، وأرجو أن يكون فيه مأجورا، وإنما يكره له ذلك: إذاكان لا منفعة فيه على وجه من الوجوه، وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية، ولكنه ممايرهب العدو، فلا بأس بذلك. لأن هذا أفضل النكاية، وفيه منفعة المسلمين.

ما قاله القرطبي المالكي:
وقال الإمام القرطبيالمالكي في تفسيره: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده،فقال القاسم بن مخيرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجلوحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، فإن لم تكن فيه قوةفذلك من التهلكة.
وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النيةفيحمل، لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بين في قوله تعالى: (وَمِنَ

النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ).البقرة : 207 .

قال القرطبي:ومن هذا ما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن قتلت في سبيل اللهصابرا محتسبا؟ قال: (فلك الجنة). فانغمس في العدو حتى قتل.
ثم ذكر القرطبي كلمة محمد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألفرجل من المشركين وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية فيالعدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه، لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة المسلمين…الخ.

ما قاله الرازي الشافعي:
وقال الإمام الرازيالشافعي في تفسيره: المراد من قوله (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) أي لا تقتحموافي الحرب بحيث لا ترجون النفع، ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم، فإن ذلك لا يحل،وإنما يجب أن يقتحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل، فأما إذا كان آيسا منالنكاية وكان الأغلب أنه مقتول، فليس له أن يقدم عليه، وهذا الوجه منقول عن البراءبن عازب، ونقل عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقل بينالصفين. قال الرازي: ومن الناس من طعن في هذا التأويل وقال: هذا القتل غير محرمواحتج عليه بوجوه.
(الأول): روي أن رجلا من المهاجرين حملعلى صف العدو فصاح به الناس: ألقى بيده إلى التهلكة! فقال أبو أيوب الأنصاري: نحنأعلم بهذه الآية وإنما نزلت فينا.. وذكر خلاصة ما حكاه الجصاص في سبب نزول الآية.
(والثاني): روى الشافعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى اللهعليه وسلم ذكر الجنة، فقال له رجل من الأنصار: أرأيت يا رسول الله إن قتلت صابرامحتسبا؟ قال عليه الصلاة والسلام: لك الجنة. فانغمس في جماعة العدو فقتلوه بين يديرسول الله.. وإن رجلا من الأنصار ألقى درعا كانت عليه حين ذكر النبي صلى الله عليهوسلم الجنة ثم انغمس في العدو فقتله.
(والثالث): روي أنرجلا من الأنصار تخلف عن بني معاية، فرأى الطير عطوفا على من قتل من أصحابه، فقاللبعض من معه: سأتقدم إلى العدو فيقتلونني، ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي، ففعلذلك فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال فيه قولا حسنا.
(الرابع): روي أن قوما حاصروا حصنا، فقاتل رجل حتى قتل، فقيل:ألقى بيده إلى التهلكة، فبلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك فقال: كذبوا أليس يقولالله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد) البقرة : 207 . ولمن نصر ذلك التأويل أنيجيب عن هذه الوجوه فيقول: إنا إنما حرمنا إلقاء النفس في صف العدو إذا لم يتوقعإيقاع نكاية فيهم، فأما إذا توقع فنحن نجوز ذلك.

ما رواه ابن كثير والطبري:
روى الحافظ ابن كثير أن رجلا قال للبراء بن عازبالأنصاري: إن حملت على العدو فقتلوني: أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا، قالالله لرسوله: (فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) النساء : 84 . وإنما هذه في النفقة، أي فيترك النفقة في الجهاد.
وروى الإمام الطبري بسنده فيتفسيره عن أبي إسحاق السبيعي قال: قلت للبراء بن عازب (الصحابي): يا أبا عمارة،الرجل يلقى ألفا من العدو، فيحمل عليهم، وإنما هو وحده (يعني: أنه مقتول في العادةلا محالة) أيكون ممن قال الله تعالى فيهم: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)؟ فقال:لا، ليقاتل حتى يقتل. قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: (فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) النساء:84.
ما قاله ابن تيمية:
وذكر نحو ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في فتواه المشهورة في قتالالتتار، مستدلا بما روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قصة أصحابالأخدود، وفيها: أن الغلام أمر بقتل نفسه، لأجل مصلحة ظهور الدين (حين طلب إليهم أنيرموه بالسهم ويقولوا: باسم الله رب الغلام). قال: ولهذا جوز الأئمة الأربعة أنينغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحةللمسلمين.

ما قاله الشوكاني: وقال الإمام الشوكاني فيتفسيره (فتح القدير): والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدقعليه أنه تهلكة في الدين أو في الدنيا، فهو داخل في هذا. ومن جملة ما يدخل تحتالآية: أن يقتحم الرجل في الحرب فيحمل على الجيش، مع عدم قدرته على التخلص، وعدمتأثيره لأثر ينفع المجاهدين.
ومعنى هذا: أنه إذا كانلاقتحامه أثر ينفع المجاهدين كإرهاب العدو وإفزاعه لم يعد هذا في التهلكة.
ما قاله صاحب تفسير المنار:وفي عصرنا قال العلامة رشيد رضا في تفسير المنار: “ويدخل في النهي: الدخول في الحرب بغير علم بالطرق الحربية، التي يعرفها العدو،كما يدخل فيه كل مخاطرة غير مشروعة، بأن تكون لاتباع الهوى لا لنصر الحق وتأييده” .
ومفهوم هذا أن المخاطرة المشروعة المحسوبة التي يرجى بهاإرهاب عدو الله وعدونا، ويُبْتَغَى فيها نصر الحق لا اتباع الهوى، لا تكون منالإلقاء باليد إلى التهلكة.
أعتقد أن الحق قد تَبَيَّن،وتبين الصبح لذي العينين، وأن هذه الأقوال كلها ترد على أولئك المتطاولين، الذيناتهموا هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى، والذين باعوا أنفسهم لله،وقتلوا في سبيله بأنهم قد انتحروا، وألقوا بأيديهم إلى التهلكة. فهم ـ إن شاء اللهـ في طليعة الشهداء عند الله، وهم العنصر الحي المعبر عن حيوية الأمة، وإصرارها علىالمقاومة وأنها حية لا تموت، باقية لا تزول.
كل ما نطلبههنا: أن تكون هذه العمليات الاستشهادية بعد دراسة وموازنة لإيجابياتها وسلبياتها،وينبغي أن يتم ذلك عن طريق تفكير جماعي من مسلمين ثقات. فإذا وجدوا الخير فيالإقدام أقدموا وتوكلوا على الله (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الأنفال:49.
والله أعلم
وللمزيد يمكنك مطالعة هذه الفتاوى:
قتل اليهود المدنيين في العمليات الاستشهادية في فلسطين
العمليات الاستشهادية وشرعية قتل الأطفال والنساء.

 

 

العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي