السـيد زايـد

أحدث صورة للصادق شورو بعد الإفراج عنه
أحدث صورة للصادق شورو بعد الإفراج عنه

كان مصيره الإعدام أو السجن مدى الحياة في أحسن الأحوال، لكن لم يتوقع أحد أن يتم الإفراج عنه ويعود لحياته الطبيعية، حيث أسرته وأبناؤه وزوجته التي جاءنا صوتها عبر الهاتف محملا بإحساس الفرح والبهجة بعودة الغائب، الدكتور الصادق شورو الرئيس الأسبق لحركة النهضة الإسلامية التونسية، والذي تم الإفراج عنه الخميس 6 /11/2008 ضمن آخر مجموعة من قيادات النهضة، وذلك بعد ثمانية عشر عاما قضاها في سجن “المرناقية” الذي يقع على مسيرة ساعة بالسيارة من تونس العاصمة.

في هذا الحوار الذي ينفرد به “موقع إسلام أون لاين.نت” مع الصادق شورو كأول مقابلة لوسيلة إعلامية عربية أو أجنبية بعد خروجه من السجن تحدث ضيفنا عن تجربة السجن والاعتقال، وعن رؤيته للحياة والعمل السياسي داخل حركة النهضة، والتحولات التي حدثت للحركة منذ دخوله السجن أوائل التسعينات حتى خروجه.

 طالع:
النهضة” التونسية ترحب بالإفراج عن قادتها

رغم ثمانية عشر عاماً قضاها قيد الاعتقال منها 13 عاما كاملة في سجن انفرادي، إلا أن صوته عبر الهاتف كان هادئا ومتفائلا بالمستقبل، ولا يزال مصرا على استكمال مشواره السياسي في صفوف حركة النهضة التي انتمى إليها منذ الشباب. يتحدث الرجل قليلا، ويجيب عن الأسئلة بأقل الكلمات، ربما لأننا أجرينا الحوار معه بعد وقت قصير من وصوله بيته، وقد تكون هذه إحدى سماته كرجل قاد الحركة في ظروف صعبة وقاسية أعلن النظام خلالها حملته الشرسة عليها.

الصادق شورو من مواليد عام 1952، حصل على دكتوراه في الكيمياء من كلية العلوم بتونس، وعمل مدرسا بكلية الطب إلى أن تم اعتقاله سنة 1991، وهو بجانب ذلك كان عضوا بلجنة البحث العلمي في تخصصه بالمركز الجامعي للبحث العلمي بمنطقة برج السدرية في الضاحية الجنوبية للعاصمة تونس، وعضوا بنقابة التعليم للاتحاد العام التونسي للشغل.

وقد عرف الصادق شورو بتأييده للنضال الطلابي، وحضر المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام التونسي للطلبة، وهو حافظ لكتاب الله، ومعروف باهتمامه بالتربية الايمانية، وقد انضم لعضوية مجلس الشورى المركزي لحركة النهضة الإسلامية منذ بداية الثمانينيات، وانتخب في مؤتمر 1988 رئيسا للحركة وواصل القيام بمهامه حتى اعتقل في 17 فبراير 1991، وقد تعرض لتعذيب شديد نقل على إثره أكثر من مرة للمستشفى في حالة خطيرة، كما خاض عدد من الإضرابات عن الطعام كان آخرها العام الماضي.

حوكم شورو أمام المحكمة العسكرية سنة 1992على رأس 265 من قيادات النهضة، وقد طلب الادعاء العام إعدامه، ولكن تحت ضغط المنظمات الحقوقية والإنسانية اكتفى النظام بإصدار حكم في حقه بالسجن مدى الحياة، ونقل بعد ذلك لأكثر من سجن، وتعرض لضغوط شديدة لحمله على إدانة الحركة وطلب العفو من رئيس الدولة، ولكنه لم يرضخ، ومما أثر عنه أمام المحكمة العسكرية قوله: “يا سيادة القاضي إذا كنتم بعملكم هذا تريدون اجتثاث حركة النهضة من مجتمعها ومن التربة التي أنبتتها فهي شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء”.

تجربة السجن والاعتقال 

*بداية وبعد العودة من خلف القضبان ماذا تقول لنا عن تجربة السجن والاعتقال؟

– هذه مسألة قد يطول الحديث فيها وتحتاج إلى كتابات كثيرة، وباختصار شديد فإننا نحمد الله تعالى أن وفقنا إلى الثبات طيلة ثمانية عشر عاما، قضيت منها 13 عاما في سجن انفرادي، وهي لا شك تجربة صعبة، ولم تكن لتمر هذه السنين إلا بقدرة الله تعالى وعونه، فقد كنا نعتمد في سجننا على حفظ القرآن الكريم، وتدبر آياته، وتوطيد علاقتنا بالله تعالى، من خلال المداومة على الذكر والصلاة والصيام وتلاوة القرآن وتدبر آياته وفهم معانيه، وقيام الليل، كل هذا أعطانا زادا روحيا مكننا من قضاء هذه الفترة بثبات وعزم قويين.

ونحن نعتبر أن سجننا يمثل فترة مظلمة في تاريخ تونس، نسأل الله تعالى أن يقينا شر أمثالها، كانت ظروف السجن جد صعبة، حيث استهدفنا في ديننا وأنفسنا ومالنا وأهالينا، رأينا كيف يحارب الإسلام في السجون التونسية، حيث تمنع الصلاة وأداء الفرائض وقراءة القرآن ويداس المصحف الشريف.

*هل الإفراج عنك كان إفراجا مشروطا من قبل النظام؟ وما هي حجم القيود والرقابة المتوقع أن  يمارسها عليكم النظام بعد الإفراج؟

– يعد الإفراج الأخير عن 21 عضوا من قيادات الجماعة إفراجا غير مشروط، فخروجنا من السجن لم يكن له أي مقابل، وبدون أية تنازلات من جانب قيادة الحركة أو أعضائها، ولم نقدم أي تعهدات تجاه النظام تكون بمثابة الثمن لهذا الخروج من السجن، وإنما هو بمبادرة محمودة من قبل النظام الحاكم، نتمنى أن تتبعها خطوات أخرى في طريق فك الحصار الأمني المضروب على الحركة منذ عدة سنوات.

أما عن حدود ممارسة الحياة والتحرك فلن يكون الأمر عاديا، ولا تزال سيارة للبوليس السياسي ترابط أمام منزلي بمنطقة “بن عروس” منذ أن وصلت إلى المنزل، وبشكل عام فإن بعض المفرج عنهم يخضع للرقابة “الإدارية” من قبل الأمن، والبعض الآخر تحت الملاحظة الأمنية، ولذلك ستبقى مطالب فك الحظر والرقابة الاجتماعية والسياسية والمدنية ملفا مطروحا للمتابعة من طرف الحركة.

لكن الحياة المهنية بالنسبة لي قد انتهت ولا يمكن الرجوع إلى وضعي المهني السابق في ظل الظروف الحالية، وهذا حال أغلب المفرج عنهم من قادة الحركة وأعضائها، والح
ركة في هذا الجانب ستطالب باسترجاع حقوق كل المساجين السياسيين الاجتماعية والمدنية وغيرها.

النهضة والنظام التونسي 

 

 شورو شابا في الثلاثين من عمره

*ما تأثير هذه الانفراجة من قبل النظام بالنسبة لحركة النهضة الإسلامية في تونس؟ وما هي انعكاسات ذلك على مستقبل العلاقة بين الحركة والنظام التونسي؟

– بهذا الإفراج يغلق ملف معتقلي حركة النهضة الإسلامية داخل السجون التونسية، وهو ما يجعل مطالب الحركة من المفترض أن تتجه إلى وجهة أخرى، وأعتقد أن هذا العفو الرئاسي عن معتقلي “النهضة” سيكون بادرة خير في اتجاه تحسين العلاقة بين النهضة والنظام، ونحن نأمل أن يصب هذا في طريق تمكين الحركة من الحصول على حقها في ممارسة النشاط السياسي القانوني، وكذلك حل قضية المهجرين من أبناء الحركة إلى الخارج في بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية الذين فروا تحت وطأة الضربات الأمنية، بحيث يتم تمكينهم من الرجوع إلى وطنهم تونس، ونأمل أيضا أن يسمح النظام بمزيد من تحسن المناخ الديمقراطي الحقيقي.

*بالنظر إلى أحوال الحركة إبان فترة اعتقالكم عام 1991 وأحوالها الآن بعد مرور سنوات ثمانية من الألفية الثالثة.. هل ثمة تغير في أداء الحركة وتطورها؟

– حقيقة نقص أداء حركة النهضة عما كان عليه في نهاية الثمانينيات، حيث حققت الحركة تقدما ملحوظا في آخر انتخابات تشريعية عام 1989، لكن النظام لم يرحب بتقدم الحركة، فقام بالقبض على كل أطرها وقياداتها وحتى قواعدها، حيث زج بهم في السجون والمعتقلات، هذا بلا جدال ترك فراغا كبيرا في الحيز الذي كانت تشغله الحركة في المجتمع التونسي.

الآن وقد أطلق سراح آخر دفعة من قيادات النهضة فنأمل أن تستعيد الحركة عافيتها ونشاطها حتى تبلغ ما كانت عليه أواخر الثمانينيات، وعليها في سبيل تحقيق ذلك أن تتجاوز العقبات التي تواجهها، كالحظر الأمني، وتعمل على إعادة البناء من جديد، وأن تسعى أيضا لإعادة شعبيتها السابقة لدى الشارع التونسي.

الطريق إلى مصالحة وطنية 

*إذا ما نظرنا إلى الإفراج عن قيادات الحركة كبادرة خير من قبل النظام الحاكم فهل يمكن أن نتحدث عن مصالحة وطنية بينكم كحركة إسلامية وبين النظام مثلما يحدث في الجزائر مثلا؟

– قررت النهضة وهي في أوج محنتها إبان فترة سجني أن الهدف لعملها السياسي هو تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة التي لا تستثني أحدا، وقام هذا التوجه على اعتبار أن بلادنا تحتاج إلى إعادة التوازن السياسي بما يمنع أي طرف من الاستبداد بتقرير مصير البلاد، والعمل من أجل التداول السلمي للسلطة، وقد أعلنت الحركة في حينها أنها لم تعد مرحليا معنية بالوصول إلى السلطة، وتأسس ذلك على قناعة إستراتيجية من قبل الحركة.

لكن رغم ذلك دعني أقول إن طرح مبادرة للمصالحة مرهون باستعداد النظام للقبول بمصالحة مع الحركة، بشرط أن يكون استعدادا حقيقيا لحل كل القضايا المتعلقة بمهام الحركة ودورها وبمصالح البلاد، فإذا توفر هذا الاستعداد فالحركة ستكون مستعدة للمصالحة، لكن لا بد قبل المصالحة من ظهور مؤشرات إيجابية حقيقية تثبت أن النظام قد غير مواقفه تجاهنا، وأن يسمح للحركة بممارسة نشاطها الطبيعي وحقها في العمل.

*ولكن في سبيل نجاح مثل هذه المبادرة ألا يمكن أن تغير الحركة من مطالبها من أجل أن تدفع النظام للتعامل بإيجابية معها واتخاذ خطوات فاعلة تجاه أعضاء الحركة في الداخل أو الخارج؟

– في تقديري أن مطالب الحركة السياسية، والتي تتلخص في السماح لها بالعمل السياسي والحزبي بهدف الإصلاح والتغيير، من أجل مصلحة الأمة والتداول السلمي للسلطة.. هذا لا يمكن التنازل عنه أو المساومة عليه من أجل مصالحة مع النظام، فالحركة يمكن أن تقبل المصالحة، ولكن المصالحة مرتبطة بضمان تحقيق مصالح الحركة، وإذا لم تتحقق هذه المصالح فهذه مصالحة لا خير فيها.

ما حقيقة التصدع التنظيمي؟ 

 

 الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة

*في كتابه “الحركات الإسلامية بالوطن العربي – تونس نموذجا” يرى د. “أعلية العلاني” أن أسباب إخفاق حركة النهضة الإسلامية المحظورة منذ 1990 ومحدودية تأثيرها على الرأي العام “ليس نتيجة للملاحقات الأمنية فحسب، بقدر ما هو بسبب التصدع التنظيمي للحركة، وبسبب التداخل بين السياسي والديني.. ما ردكم على ذلك؟

-هذه قراءة خاطئة لا يصدقها الواقع؛ لأن واقع الحركة تنظيميا ليس فيه أي تصدع، كما أن تكوين الحركة من الداخل ليس متصدعا، كما أنه ليس هناك أي تصدع فكري لدى الحركة، فلا تزال الحركة رغم كل ما حاق بها من مطاردة وتعذيب وتنكيل محافظة على وحدتها التنظيمية والفكرية والسياسية، وذلك منذ نشأتها قبل 27 عاما حتى الآن.

ومسألة العلاقة بين الديني والسياسي، فهذه واضحة بالنسبة للحركة، وهو أن “النهضة الإسلامية” حركة سياسية، لكن لها قراءتها وتفسيرها للنص الديني، اعتمادا على مبدأ التجديد في رؤاها الفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها، وهذا من طبيعة الأسس الرئيسية التي قامت على أساسها الحركة ونأمل أن تحرص عليها مستقبلا.

ولهذا نرى أن هذا الثبات على المبدأ هو من أهم ما تتميز به حركة النهضة، وهو ما يجعل من هذا الثبات مانعا لتقنين وجودها السياسي من قبل النظام، والحركة لن تتنازل عن ثوابتها من أجل الحصول على مكاسب من النظام، وهي في هذا الجانب لا تختلف عن غيرها من الحركات السياسية الإسلامية المتواجدة في الوطن العربي ككل فأغلبها إما محظور سياسيا أو يعمل في كنف النظم الحاكمة.

*منذ أن بدأ الصدام بين “النهضة” والنظام التونسي تحول ملف الحركة من السياسي إلى الأمني، ولكن بعد الإفراج عن كافة المعتقلين هل تتوقع أن يرجع من الأمني إلى السياسي؟

-حقيقة فإن التجربة التي عاشتها الحركة بحلوها ومرها منذ ولادتها وتأسيسها إلى الآن أثبتت أن حل قضية الحركة ومشاكلها لا يمكن أن يكون حلا أمنيا، فاللجوء إلى الحل الأمني طيلة هذه السنوات فشل في القضاء على الحركة أو اقتلاعها من جذورها، وإن كان قد نجح في إضعافها وتشريدها بين الداخل والخارج، وهذا يعني أن حل قضية الحركة لا يمكن إلا أن يكون حلا سياسيا بالأساس.

شعبية النهضة الإسلامية

*الأوضاع الحالية في تونس تؤكد أن حركة النهضة لم يعد لها وجود مؤثر في الشارع وأن هناك قوى سياسية ودينية أصبح لها من الوجود والنفوذ ما تعجز النهضة عن اللحاق به.. ما رأيكم؟

-لا أنكر أن شعبية الحركة ووجودها في الشارع والمجتمع التونسي تراجع كثيرا عن ذي قبل، لكن هذا لا يعني أن الحركة ليست قادرة على استعادة وجودها ومواقفها في الشارع ولدى الرأي العام الداخلي والخارجي، وأحسب أنها الآن تعمل على استعادة هذه المواقع وعلى استعادة وجودها الحقيقي في الشارع التونسي وفي المجتمع المدني بصفة عامة.

* لكن السؤال هنا.. هل سيسمح النظام للحركة بأن تعمل وتمارس نشاطها في وضح النهار وأمام عينه، خاصة وهي الخصم اللدود الذي ناصبه العداء؟

– يبدو أن النظام غير مستعد الآن للسماح للحركة بالعودة والرجوع إلى مواقعها السابقة، لكن نرى أن مصلحة البلاد ومستقبلها تقتضي السماح للحركة بحقها في العمل السياسي والقانوني، ويؤكد هذا الخيار أن الحل الأمني لم يعد هو الخيار، فهو يعمل على منع الحركة من الحصول على حقها في العمل السياسي القانوني، ومن الدمج داخل المجتمع كحركة طبيعية.

هل تجاوز الواقع قيادات الحركة؟ 

* لا شك هناك متغيرات كثيرة طرأت على الساحة في تونس ولكن هل فعلا القيادة الحالية للنهضة قادرة على الخروج بها من مأزقها.. فهناك مثلا من يصف القيادات الحالية بالجمود وأن الواقع قد تجاوزها وأنه لا بد من التغيير؟

– هذا الرأي لم يصدر من داخل الحركة، فلا تزال الحركة محافظة على تماسها وكيانها ولم يحدث إلى الآن أي شق لصفوفها، ومسألة قيادات الجماعة هي مسئولية أعضاء الحركة، ولو كانت القيادة الحالية غير صالحة لتم إقصاؤها، وما يتعلق بإستراتيجيات الحركة وخطتها المستقبلية عموما يتم تحديده حسبما يقتضي الواقع وتطوراته، وحسبما يحدث ويدور على المستوى القريب والإستراتيجي وكذلك على المستوى الداخلي المحلي والعالمي..

لا شك أن الحركة الآن مطالبة بطرح موضوع المستقبل على ضوء تطورات الواقع من كل جوانبه السياسية والاجتماعية وغير ذلك، ورغم كل الصعوبات يبقى الإنسان المؤمن مستبشرا بالخير عملا بقوله تعالى: “وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتًا، واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة، وبشر المؤمنين” (يونس : 87).فرغم البلاء الشديد، فإن الله تعالى يبشر المؤمن برسالته بالنصر العزيز.. فوفّى الله وعده بأن نصر موسى وقومه على فرعون، ورغم أن الانطباعات الأولى عن الواقع لا تبشر بخير، فنحن مستبشرون وأملنا في الله سبحانه مستمر.


صحفي بموقع الإسلاميون.نت