مجدي سعيد

طارق رمضان
طارق رمضان

وصفه جمال عبد الناصر.. وكان أبي قد اختير للتو أمينا عاما للمؤتمر الإسلامي حول القدس، وفي لحظة استعداده للسفر لأداء مهمته علم باستئناف الاعتقالات الجماعية، فأخذ والدتي وأخي الأكبر، وغادر مصر التي لم يعد بإمكانه العودة إليها. وقد أقام أولا في سوريا حيث بقي سنتين، ثم رحل إلى لبنان، ومن ثم وصل إلى سويسرا في عام 1958، فاستقر بها، وأسس المركز الإسلامي بجنيف عام 1961″.

وقد تكونت لطارق بيئة إسلامية مواتية لتنشئته داخل البيت وخارجه، يقول عنها: “كان أبي قد اختير مسئولا عن الإخوان المسلمين في المنفى، ومن ثم فقد كنت محاطا منذ ولادتي بفكر وبكلام مسلمين يحيون في أوروبا وإن كانوا مغمورين بالكامل في واقع العالم الإسلامي”.

صورة الجد وتأثير الأبوين

تأثير صورة الجد الكاريزمية التي كانت حاضرة في منزل طارق، والتأثير المباشر لذلك الجد في الأبوين، ومن ثم في طارق بشكل غير مباشر.. يبدو أنه كان حاضرا بقوة في تكوينه النفسي قبل أي شيء آخر، يقول طارق عن ذلك في حواره مع فرانسواز جرمان-روبان: “لقد عشت كل طفولتي تلازمني صورة جدي المقتول (الإمام الشهيد حسن البنا)، وجميع من قابلتهم كانوا يحدثونني عنه باحترام.. وغالبا ما كان يقال لي: إن هذا الرجل كان خارقا للعادة تماما، وكان والدي وهو زوج ابنته يتحدث عنه باعتباره المصلح الإسلامي الأهم في عصرنا.. وكان تأثيره على المحيطين به وبخاصة على والدي مذهلا.. وكان فكره حاضرا يوميا في المنزل، كما أن والدتي قد حملت بشكل بالغ العمق هذا التراث: لقد كانت أكبر أبناء حسن البنا، لكنها علاوة على ذلك كانت حتى الخامسة عشرة والنصف من عمرها جد قريبة منه، وكانت بالغة التأثر بإشعاعه الروحي، ومن خلالها تسنى لي الاقتراب من الخصال الخاصة لجدي كإنسان وكأب”.

ويقول عن والده وعلاقته بجده: “كل الناس كانوا يسمون أبي في مصر حسن البنا الأصغر؛ فقد كان جدي يرسله للتحدث في أبعد أقاليم مصر مع أنه لم يكن يجاوز آنذاك السادسة عشرة من عمره. ومن ثم فقد كان أمامي كائن إنساني، يمكنني أن أقول: إن قوته الفكرية كانت كاسحة بشكل خاص”.

أما عن التأثير الفكري للجد فقد جاء لاحقا، وجاء واعيا، يقول طارق في حواره سالف الذكر: “لقد درست بعمق فكر حسن البنا، وأنا لا أتنكر لشيء من انتمائي؛ فصِلَتُهُ بالله وروحانيته وصوفيته وشخصيته، وكذلك فكره النقدي عن القانون والسياسة والمجتمع والتعددية إنما تظل مرجعيات بالنسبة لي، قلبا وعقلا، كما أن التزامه يواصل حفز احترامي وإعجابي.. وأنا أشعر أنني قريب من هذا الفكر ومن هذا الالتزام: أن يكون المرء مع الله، أن يسعى إلى الإخلاص لتعاليمه، أن يحفز التعليم ويؤسس المدارس، وأن يتضامن مع البشر، وأن يناضل من أجل العدالة الاجتماعية.. ذلك هو تراثي ومعنى انتمائي الروحي والفكري”.

تعليم فرنسي.. ونشاط إنساني

تلقى طارق تعليمه الأول في مدارس جنيف الفرنسية، وجامعتها حتى حصل على الماجستير والدكتوراة في الفلسفة والأدب الفرنسي، وخلال مراحل دراساته العليا بدأ العمل في تدريس الأدب الفرنسي بمدارس جنيف لعدة سنوات. وخلال تلك الفترة عمل عميدا لمؤسسة ثانوية عليا وهو في الخامسة والعشرين من عمره؛ ولأنه كان ذا اهتمام خاص بالدراسات الإسلامية فقد سافر عام 1992 إلى مصر لمتابعة دراساته الإسلامية لمدة عام.

وإضافة للدراسة الأكاديمية والترقي فيها انخرط طارق خلال تلك الفترة من حياته في النشاط الاجتماعي الإنساني المنفتح على البشر من كافة الملل والنحل. فقد كان آنذاك مشتركا فيما يعرف بنشاط الروابط، وكان له اهتمام خاص بالعالم الثالث، وهو ما ترجمه في الثمانينيات بإنشاء رابطة مدرسية تعليمية للتضامن ضد التهميش والاستبعاد في مجتمع جنيف، وكذا في بلدان العالم الثالث. وقد قامت الرابطة بتنظيم رحلات وإعداد مشاريع إنسانية، ومن خلال الرابطة أتيح له العمل مع العديد من الروابط وجمعيات التضامن الأخرى، كجمعية “quart-monde” وجمعية أطباء بلا حدود، وجمعية أرض البشر. وقد سافر في إطار تلك الرحلات والمشاريع إلى أمريكا الجنوبية للعمل مع جمعية القساوسة الشغيلة، كما سافر للعمل الإنساني في كل من أفريقيا والهند.

يقول طارق عن تلك الفترة: “سرعان ما وجدت نفسي في الساحة مع مسيحيين وإنسانيين ولا أدريين أو ملحدين، وعلى طريقي كان هناك الأسقف بيير والأب جي جيلبير والأخت إيمانويل أو الأم تيريزا، كما كان هناك كثيرون آخرون”.

ويضيف حول تلك الفترة الخصيبة من حياته: “لقد دخلت هذا العالم حاملا معي ماضيًا، ومن المؤكد أن كل خطابي الحالي كأوروبي مسلم الديانة مبني على التراث والمرجعيات الإسلامية، لكنه مرتبط أيضا بتلك السنوات العشر التي عاشرت فيها واقع الكاثوليكية والبروتستانتية الملتزمتين وواقع حركة الكفاح الإنساني”.

حادي قافلة الإسلام الأوروبي

امتزاج المكون الإسلامي والمكون الإنساني والغربي في شخصية طارق رمضان أثمر عن مفكر إسلامي شاب من الجيل الثاني للمسلمين في أوروبا، يطرح نفسه من خلال كتاباته وأحاديثه كامتداد أوروبي لمدرسة الإصلاح والتجديد التي كان جده أحد حلقاتها. على أنه كما يقول “يضع حسن البنا في عصره ومجتمعه وسياقه.. فقد تعلمت منذ وقت مبكر قرب والدي أن أتخذ موقفا نقديا، وأن أدرج الإخلاص للإصلاح في عين اللحظة التي يتعين علي فيها تطوير ونقد وتشجيع فكر أصيل والابتكار في مسألة العلاقة بالسياق، وهذا ما لم أتوقف عن فعله مع فكر حسن البنا، كما هو مع فكر أي مفكر آخر: الدراسة، الفهم، تحديد السياق، الانتقاء، والمواءمة”.

وفي إطار هذا الفكر التجديدي أصدر طارق رمضان عدة كتب، لعل أشهرها:

1-أن تكون مسلما أوروبيا
2-مسلمو الغرب ومستقبل الإسلام
3-الإسلام والغرب وتحدي الحداثة
4- المسلمون في فرنسا.. الطريق إلى التعايش

 

مقولات طارق رمضان

المقولات التي يطرحها طارق رمضان في كتاباته وأحاديثه تدور حول عدة نقاط وردت في حديثه المنشور على موقع NFB أخبار من بنجلاديش:

* إن الأولوية الأولى إذا كنا نفكر في الإصلاح والتجديد على أرضية إسلامية هي إصلاح الطريقة التي نقرأ بها النصوص ونفهمها بها حتى نستطيع قراءة تلك النصوص في إطار السياق والبيئة التي نعيش فيها، والتي توضح لنا عالمية وديمومة بعض القواعد الإسلامية، وضرورة فهم بعض التعاليم الأخرى في سياقها الخاص. نحن نحتاج لفهم النص بهذا الشكل، ونحتاج لفهم الواقع حتى نستطيع إصلاح العالم، نحن بحاجة لفهم عالمية قيمنا، وأن بإمكاننا أن نتشارك فيها مع الآخرين من مواطنينا الذين نعيش فيما بينهم.

* نحن نخلط في إطار مفهومنا للهوية بين ثقافاتنا الأصلية وتعاليم الإسلام، ولعل إقامتنا في الغرب تساعدنا على جلاء الأمر وفصل ما هو من ثقافتنا عما هو من ديننا، مدركين أن علينا مواجهة ثقافة جديدة نعيش فيها ونأخذ منها ما لا يتعارض مع أساسيات ديننا حتى نستطيع مواجهة التحديات الجديدة.

* إعادة النظر في النظرة القديمة التي تقسم العالم إلى “نحن” التي نعبر عنها بـ”دار الإسلام”، في مقابل “هم” التي نعبر عنها بـ”دار الحرب” أو “دار العهد”، في ضوء مراجعة كل مفهوم من تلك المفاهيم وما كان يعنيه في سياقه، ومدى تحقق ذلك المعنى أو عدم تحققه في الواقع الحالي. ويطرح طارق رمضان بدلا من تلك المفاهيم مفهوما جديدا هو دار الشهادة، ويعني الشهادة للرسالة الإسلامية أمام الناس.

* إن ما يتضمنه ديننا من قيم غير مبني على “الغيرية”، نحن مسلمون طبقا لقواعدنا الروحية وقيمنا العالمية، وليس ذلك نابعا من مضادتنا للغرب أو لليهود أو المسيحيين أو العلمانيين. إن عيشي في مجتمع علماني في الغرب جعلني أكثر قدرة على فهم عالمية رسالتي، والقيم المشتركة بيني وبين مواطني.

* إن ما آخذه من حسن البنا أو من غيره من المصلحين ليس هو النتائج التي وصلوا إليها، بل الطريقة والمنهجية التي وصلوا بها لتلك النتائج، إنهم يقولون إن لدينا القرآن والسنة، وعلينا أن نفهمهما فهما سياقيا، لقد فعلوا ذلك، لقد فهموا النصوص في ضوء البيئة، والآن أنا في أوروبا علي اتباع نفس المنهج في النظر والفهم.

والخلاصة: إن طارق رمضان يدعو إلى اندماج المسلمين في مجتمعاتهم الأوروبية، واستقلاليتهم ماديا وفكريا عن مسلمي الشرق، وبناء مجتمع إنساني مشترك مع مواطنيهم في الغرب، وذلك على أرضية ما يحملونه كمسلمين من قيم إنسانية عامة، وفي إطار نفي فكر المضادة والغيرية، وفي إطار فهم جديد للنصوص في ضوء متغيرات العصر وفي ضوء الواقع الأوروبي، واختصارا: إنه يدعو لإسلام أوروبي.

وعلى قدر ما تلاقي هذه المقولات من ترحيب بقدر ما تثيره من جدل، بل واعتراض، سواء من المسلمين أم من غيرهم؛ فقد وصف أحدهم وهو إقبال صديقي  مقولات طارق رمضان خاصة في كتابه “أن تكون مسلما أوروبيا” وصفها بأنها نظرية، وبأنه فشل في أن يضمن كتابه تقييما موضوعيا للواقع غير الموات الذي يواجهه المسلمون في أوروبا، وأنه ليس هناك حرية دينية بالقدر الذي يتحدث عنه في أوروبا، وأنه بذلك وقع فيما حذر منه غيره من عدم قراءة الواقع بشكل جيد.

هوامش ومصادر:

آلان جريش وطارق رمضان: حوار حول الإسلام، تفعيل واستهلال فرانسواز-جرمان روبان، ترجمة بشير السباعي، القاهرة، دار العالم الثالث، 2003.


من أسرة شبكة إسلام أونلاين