صبحي مجاهد
الجلسة التي ضمت المستشار الخضيري ود. يحيى الجمل

نفى د. محمد سليم العوا أن تكون الإمامة بمعناها المعروف في التاريخ الإسلامي لها وجود في الواقع المعاصر..

 

وأوضح أننا” خرجنا من إطار الإمامة التي عرفناها في تاريخنا إلى إطار الدولة المدنية التي نعيش فيها الآن، ويجوز أن يتولاها أي إنسان مسلم أو مسيحي، أو أي شخص مواطن في الدولة لأنه جزء من المؤسسة وليس هو المؤسسة كلها ، وجزء من الحكومة  وليس هو الحكومة كلها “.

 

كان ذلك تعقيبا على الدكتور عاصم عبد الماجد ـ أحد قيادات الجماعة الإسلامية_ والذي اعترض على القول بجواز إمامة المرأة وغير المسلم لبلد المسلمين..

 

وقال :”هذا أمر يخالف الإجماع، وكذلك النصوص الشرعية حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم :” لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”، فمهام الإمامة صعبة والمرأة لا تستطيع النهوض بها.. حسب تعبيره.

 

جاء ذلك خلال الجلسة الثالثة لمؤتمر الجمعية المصرية للثقافة والحوار الذي أقيم تحت عنوان ” الشريعة والهوية والدستور” ، والذي اختتم أعماله الأحد 13 مايو 2007بنقابة الصحفيين المصرية.

 

وقد شهدت الجلسة كذلك دعوة من الدكتور يحي الجمل الفقيه الدستوري والمستشار محمود الخضيري نائب رئيس محكمة النقض المصرية إلى ضرورة الاهتمام بعلم أصول الفقه من أجل تحقيق طفرة قانونية كبرى في إصدار قوانين عصرية سليمة وعادلة في مختلف أنحاء العالم.

استمع إلي الجلسة

وأكد الخضيري في كلمته عن “الشريعة في القضاء المصري” خلال الجلسة التي عقدت بعنوان “الشريعة والدستور” أن قواعد أصول الفقه من أهم الأشياء التي يعتمد عليها القضاة في أحكامهم، إلا أن الأخذ بهذه القواعد تختلف نسبة الاستعانة به حسب نوعية القضاء.

ودلل على ذلك في مصر بأن الأمر إذا كان يتعلق بالأحوال الشخصية فإن القضاء يطبق في أحكامه كلها الشريعة الإسلامية، أما القضاء الجنائي فإنه يطبق الأحكام الوضعية الخاصة بالعقوبات وهي مستمدة من القوانين الأجنبية، وتأثره بالشريعة الإسلامية وقواعده الفقهية قليلة.. لكنها موجودة في مبادئه العامة مثل مبدأ المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

وألمح إلى أن القانون المدني في مصر يأخذ عددا كبيرا من القواعد الفقهية ويطبقها في أمور عديدة كالوصايا والولاية، والشفعة، وأحكام المريض مرض الموت،  مشددا على أن أصول الفقه ستظل هي منبع الأحكام في القضاء والعلوم القانونية.

وأشار الخضيري إلى أن علم الأصول يعد من أكثر العلوم القانونية تقدما، ودلل على ذلك بأن الشريعة الإسلامية حددت في مسألة العقود أصلا مهما، مؤداه أن الطرف الضعيف في التعاقد هو الذي يملي شروط العقد، كما في عقد العمل.. فالعامل في الأساس الشرعي هو الذي يحدد شروطه حتى لا يجحف بحقه، وهو الأمر الذي انتبه إليه واضعو الفكر القانوني حينما اكتشفوا ضرورة حماية العمل فوضعوا شروط عقد العمل.

 د. يحيى الجمل: الإسلام لا يعرف الدولة الدينية، وإنما يعرف الدولة المدنية، والانطلاق من هذا المبدأ يترتب عليه ضرورة تحقيق رغبة الناس

الدولة الدينية 

من جهته أكد الفقيه القانوني الدكتور يحيى الجمل أنه لا بد أن نهتم بعلم أصول الفقه الذي يعد الفلسفة القانونية الإسلامية، معللا ذلك بأننا “نستطيع من خلاله أن نقدم للفكر العالمي إضافة جديدة عن اجتهادنا فيه، وقيامنا بعمل دراسات مقارنة، بدلا من اهتمامنا بالحكام الجزئية”. ثم عرج الجمل على مسألة الإسلام والدولة الدينية، مؤكدا أن “الإسلام لا يعرف الدولة الدينية، وإنما يعرف الدولة المدنية، وأن الانطلاق من هذا المبدأ يترتب عليه ضرورة تحقيق رغبة الناس، وعدم القول بأن هناك نصوصا دستورية أو قانونية يجب عدم المساس بها”.

وشدد على أن أي حكم دستوري يمكن المساس به؛ والأمر يتعلق في النهاية بما اصطلح الناس على قبوله وما اصطلح الناس على رفضه، أما مسألة المادة الثانية من الدستور وهي جعل الشريعة المصدر الأساسي للتشريع وإضافة الألف واللام في الثمانينات لكلمة “مصدر أساسي” يعد نوعا من النفاق الدستوري؛ لأنها إضافة قصد بها تمرير نص المادة 77 من الدستور المصري.

وأضاف أن المسائل التي يتحدث عنها النص الدستوري للمادة الثانية هي المسائل قطعية الثبوت والدلالة، وعبر قائلا: “أزعم أنه في غير العبادات تكون الأحكام قطعية الثبوت والدلالة إلا نادرا، وتكاد تتفق فيها كل شرائع العالم”.

فيما عقب الدكتور محمد سليم العوا رئيس المؤتمر قائلا: “ليست عندنا في الإسلام دولة دينية، والذين ادعوا أنهم سيحكمون بمقتضى حق إسلامي هم يدعون على الإسلام بما ليس فيه، أما مسألة تقرير برلمان لحكم يخالف الشريعة الإسلامية.. فقد قلت إن من يقر ذلك يدخل النار، فالله يقول للمؤمنين: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}.

وأضاف أن كل من يمثل الشعب المسلم ويوافق على قرار يعلم أنه مخالف للشريعة، وليس له اجتهاد معتبر شرعا.. فهو متول عن أمر الله، أما الآخرون إن أخطئوا في الاجتهاد فلا شيء عليهم.

وحول سؤال عن حسم ولاية المرأة وغير المسلم في الفقه الإسلامي قال العوا: “إن هذه المسألة محسومة.. لأن مسألة الخلافة لم تعد موجودة، ونحن أمام دولة مختلفة تماما في تكوينها وتشكيلها، وينبغي أن نوائم بين حقائق الإسلام وبين التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية”.

ثم كانت هنا تعليقات هامة أهمها تعقيب الدكتور كمال حبيب الناشط السياسي المعروف؛ حيث  أكد فشل محاولات العلمانية للاكتساح كي ينحصر معها الدين حتى في الغرب الذي يشهد إحياءً دينيا للإسلام، وأن التصور بأن الحركة العلمانية يمكن استخدامها في الدول العربية لمنع الإحياء الديني لتطبيق الشريعة الإسلامية هو تصور خاطئ.

وأضاف أن الشريعة الإسلامية قادرة على الإجابة على أسئلة الواقع على الرغم من صعوبتها، وستظل جزءًا من الهوية الوطنية في مختلف الدول الإسلامية، ولا يمكن التضحية بها من أجل أي شيء آخر.

ولاية غير المسلم

 العوا: كل من يمثل شعبا مسلما داخل برلمان ويوافق على قرار يعلم أنه مخالف للشريعة وليس له اجتهاد معتبر فهو في النار

الدكتور عاصم عبد الماجد -أحد قيادات الجماعة الإسلامية- اعترض على القول بجواز إمامة المرأة وغير المسلم لبلد المسلمين، وقال: “هذا أمر يخالف الإجماع، وكذلك النصوص الشرعية حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”، فمهام الإمامة صعبة والمرأة لا تستطيع النهوض بها.

فيما رد الدكتور العوا معقبا: “إننا لا نتكلم عن الإمامة؛ لأن مفهوم الإمامة قد انتهى، وما نتكلم عنه هو رئاسة الدولة، أما الإمامة بمعنى خليفة المسلمين فهو مفهوم قد انتهى، وعندما قال واحد من أصدقائنا -اسمه يوسف البدري- قال للرئيس محمد حسني مبارك عند تجديده مدة رئاسة جديدة “جئت أبايعك بالإمامة الكبرى” فكتبت مقالا بعنوان “هلك المتنطعون”.

واستطرد: “إن أي مدعٍ يقول إنه يبايع حاكما على الإمامة كنت أول من يقف ضده ويعارضه؛ لأنه لا يوجد أحد على وجه الأرض الآن يستحق الإمامة الكبرى التي عرفها التاريخ الإسلامي في صدر الإسلام، وبالتالي نحن خرجنا من إطار الإمامة التي عرفناها في تاريخنا إلى إطار الدولة المدنية التي نعيش فيها الآن، ويجوز أن يتولاها أي إنسان مسلم أو مسيحي، أو أي شخص مواطن في الدولة؛ لأنه جزء من المؤسسة وليس هو المؤسسة كلها، وجزء من الحكومة وليس هو الحكومة كلها”.

وحول حديث “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” أشار العوا إلى أن للعلماء فيه ثلاثة تأويلات.. أولها: أن القضية تتعلق بأهل كسرى؛ حيث أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أنهم لن ينتصروا في حرب الفرس والروم، حيث إن الله نبأه بذلك من أول الأمر حين قال سبحانه {ألم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ}.

وأضاف أن التأويل الثاني: أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم خبر، والخبر لا يفيد التكليف وإنما هو إنباء، والتأويل الثالث: أن طبيعة الولاية قد تغيرت وهذا ما نأخذ به، وهو أن هذا الحديث أصبح في غير موضعه، على خلاف ما  يظن البعض من أنه دائم إلى يوم القيامة.

الهوية والشريعة

استمع إلى … جلسة المؤتمر عن الشريعة والهوية

وكانت الجلسة الثانية من المؤتمر قد تحدثت عن الشريعة والهوية ورأسها المفكر الإسلامي فهمي هويدي، وتحدث فيها كل من الدكتور إبراهيم البيومي غانم الأستاذ بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، والشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق.

فعن مكونات الهوية ودور الشريعة تحدث البيومي مركزا على أن الشريعة الإسلامية تعد من أهم المعطيات الأساسية في تكوين الهوية لدى الشعوب والبلدان الإسلامية.

وأوضح أن معطيات الهوية بشكل عام تتمثل في اللغة والدين والأعراف والثقافة والتاريخ والتطلعات السائدة في الشعب.. وأن هذه المكونات يتحدد تأثيرها في الهوية تبعا لطبيعة الشعوب.

وأضاف أن الإسلام باعتباره شريعة وعقيدة فهو المصدر الأساسي في بناء المجال التشريعي والدستوري لدى المسلمين، ويتحدد تبعا لذلك أيضا بناء هوية المجتمع، وبذلك تكون الشريعة الإسلامية المكون الرئيسي في بناء هوية المجتمعات الإسلامية.

وأكد البيومي أن أي تصحيح لمسار استرداد السيادة الوطنية والاستقلال السياسي لدى أي شعب مسلم يجب أن يكون من خلال استرداد الشريعة الإسلامية وإعادتها للبناء السياسي في الدولة.

 الشيخ محمود عاشور: الدولة الإسلامية منذ تأسيسها أقرت حقوق الشورى والمواطنة، وكفلت التكافؤ الاجتماعي لجميع رعاياها على اختلاف الدين

وحول أثر الشريعة على حقوق غير المسلمين أكد الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر السابق أن الدولة الإسلامية منذ تأسيسها أقرت حقوق الشورى، وكفلت التكافؤ الاجتماعي  لجميع رعاياها على اختلاف الدين.. عن طريق المساواة بينهم، ومحاربة العنصرية، وتوفير الحريات، وتهيئة الفرص الكاملة للجميع دون فوارق أو تمييز.

وأضاف أن الحقوق التي قررها الإسلام قائمة على أساس واحد للجميع؛ ولذلك فالذميون في الإسلام لهم حقوق المواطنة، وعليهم أداء التكاليف المادية التي تفرضها الدولة، والالتزام بكل أحكامها، أما في نظام الأسرة فالإسلام أباح  لغير المسلمين تطبيق شرعتهم فيه.

فيما ذهب الشيخ عاشور إلى ما هو أبعد من ذلك حين قال: “إن الإسلام أجاز بناء الكنائس، وإن الأسباب المتعلقة ببنائها هي مشاكل روتين حكومي، وإنه لا مانع من إصدار قانون موحد لبناء الكنائس والمساجد؛ لأن الدين يوافق على هذا”.

صحفي مصري