فكري عابدين

Image
جانب من المؤتمر الصحفي

قدم ما يزيد عن 300 رجل دين وعالم مسيحي ليس بينهم رجال دين من الفاتيكان اعتذارا عن الحروب الصليبية وبعض نتائج “الحرب على الإرهاب” التي أضرت بالمسلمين وتسببت بآثام وخسائر بشرية وعقائدية، طالبين المغفرة من الله الرحيم، والصفح من الأمة الإسلامية في جميع أنحاء العالم.جاء ذلك في رسالة جوابية ردا على رسالة بعث بها في وقت سابق 138 عالما ومفكرا مسلما. وفيما حمل رد رجال الدين المسيحيين في 11-10-2007 عنوان “حب الله وحب الجار”، كان عنوان الرسالة التي بعث بها علماء الدين المسلمون هو “كلمة سواء بيننا وبينكم”. 

طالع أيضا:

وجاء الإعلان عن رد رجال الدين المسيحيين في مؤتمر صحفي عقده بالمجمع الثقافي في أبو ظبي الإثنين 26-11-2007 الداعية الإسلامي الحبيب علي الجفري بحضور البروفيسور ميروسلاف فولف مدير مركز الإيمان والثقافة في جامعة ييل بالولايات المتحدة.

وبدأت الرسالة بالإقرار بحدوث تجاوزات بحق المسلمين في الماضي والحاضر: “إننا نود البدء بالإقرار بأن العديد من المسيحيين في الماضي في الحروب الصليبية مثلا، وفي الحاضر في تجاوزات ما يسمى الحرب على الإرهاب مثلا، أذنبوا بارتكابهم آثاما ضد جيراننا المسلمين، فقبل أن نصافحكم ردا على رسالتكم، نطلب مغفرة الله الرحيم، وصفح الأمة الإسلامية من جميع أنحاء العام”.

خطوات قادمة

هذه الرسالة اعتبرها الداعية الجفري خطوة غير مسبوقة للتقارب بين الديانتين والحضارتين منذ أكثر من 500 عام، لافتا إلى أن أتباع الإسلام والمسيحية يمثلون 55% من سكان الأرض.

ورأى أن هذا التقارب الملموس اليوم يجسد أولى الخطوات والأرضية الصلبة التي يجب أن نقف عليها للعودة من جديد إلى السلم والتآخي والوئام بين البشر.

وأكد الجفري أن الرد المسيحي الإيجابي، وما تضمنه من اعتذار للمسلمين سيقابله خطوات قادمة لتعزيز الحوار بين الديانتين، كعقد اللقاءات المشتركة والمؤتمرات على كافة المستويات؛ مما سيثري من حوار الديانتين، ويعطيه دفعا قويا حتى يفهم العالم دعوة الإسلام الحقيقية للسلام والوسطية والاعتدال.

وردا على سؤال بشأن عدم توقيع أي من رجال الدين بالفاتيكان على الرسالة، قال الجفري: “بعثنا برسالتنا إلى الفاتيكان، وإلى الآن لم يأتنا الرد منهم، سواء بالإيجاب أو السلب، ونتمنى أن يكون ردهم إيجابيا”.

وأوضح أن رسالة علماء الدين المسلمين وجهت إلى 27 رجل دين قياديا في العالم، وجاء الرد من 25 قياديا مسيحيا، ليتبقى رد الفاتيكان وإحدى الكنائس الأرثوذوكسية.

تأثيرات سياسية

وخلال المؤتمر الصحفي قال البروفيسور ميروسلاف فولف مؤسس ومدير مركز الإيمان والثقافة بجامعة ييل والذي أعد رسالة الرد: “إنني سعيد بوجودي هنا بهذه المناسبة الكبيرة في تاريخ المسيحيين والمسلمين، وأرى أن هذه المبادرة جيدة رغم الظروف الصعبة التي تعيشها العلاقات بين المسلمين والمسيحيين والتي هي في أدنى مراحلها”.

وأضاف أن ما هو مهم في رسالة المسلمين (كلمة سواء بيننا وبينكم) أنها جاءت من كافة شرائح المسلمين، وهذه بادرة طيبة ومليئة بالأمل، وتمكنت من تحريك وجدان المسيحيين وإيقاظ حب التصافح والتقارب والمحبة بين الجانبين.

وأشار إلى أن رجال الدين المسيحي الذين وقعوا رسالة الرد هم من جميع أنحاء العالم، وغالبيتهم من الولايات المتحدة، ويمثلون أكبر شريحة من المسيحيين من مختلف الطوائف والمدارس المسيحية.

وأكد أن الوثيقة المسيحية ليست سياسية، وهي قد تقع في موقع قبل السياسة، إذ تعرض أفكار ومعتقدات من وقع عليها، لكنه رأى أن “الرد المسيحي سيكون له تأثير من الناحية السياسية بحكم اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية (نوفمبر 2008)، بالإضافة إلى المؤتمرات الدينية التي ستعقد بين المسلمين والمسيحيين لتعميق مبدأ التفاهم والحوار وتقبل الآخر”، موضحا أن “مثل هذه الدعوات واللقاءات لا تعني فقط المسلمين والمسيحيين، بل على اليهود أيضا أن يشاركوا فيها باعتبارهم شريكا أساسيا في عملية السلام العالمي”.

وأعرب البروفيسور ميروسلاف عن أمله بأن تتلاشى الفروقات بين المسيحيين والمسلمين، وأن يبدأ الحوار انطلاقا من هاتين الرسالتين اللتين تمثلان الطاولة المشتركة لحوار صريح يحترم الطرفين.

خطاب معتدل

من جهته قال الداعية عارف علي مدير المركز الإسلامي الملكي للدراسات والبحوث بعمان إنه خلال 15 عاما من العمل في مواضيع المقارنة بين الأديان لم ير قط وثيقتين كاللتين صدرتا عن علماء الدين الإسلامي ورجال الدين المسيحي.

وأشار في المؤتمر إلى أن ما يميز رسالة المسلمين أنها تحمل إجماعا بين أكابر المذاهب من أهل السنة والجماعة وكذلك الطوائف الشيعية وغيرهم، حيث أجمعوا على مخاطبة الكنائس المسيحية للالتقاء على كلمة سواء، وعبادة الله ومحبته ومحبة الجار، وهو ما يؤسس لخطاب إسلامي مسيحي معتدل.

وتشهد العلاقة بين الفاتيكان والعالم الإسلامي أجواء توتر منذ استشهاد البابا بنديكت السادس عشر خلال محاضرة في موطنه ألمانيا العام الماضي باقتباس يربط الإسلام بالعنف.

ولم يخفف من حدة هذا التوتر اللقاء الأول من نوعه بين البابا والعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز في 6-11-2007، والذي جددا فيه “الالتزام بالحوار بين الثقافات وبين الأديان بهدف تعايش مثمر وسلمي بين البشر والشعوب، وأهمية التعاون بين المسيحيين والمسلمين للنهوض بالسلام والعدل والقيم الروحية والأخلاقية”.