النجاح للصحافة – سامر خويرة

الشيخ حامد البيتاوي
الشيخ حامد البيتاوي

 فلسطين- وقف على منبر المسجد الأقصى متحدثًا عن المحاولات الإسرائيلية المتكررة لهدم المسجد، وأهاب بالمصلين أن يقفوا أمام تلك المحاولات وأن يحاربوها بالقوة، فاستدعاه الحاكم العسكري الصهيوني، وبدأ يهدده ويتوعده، فلم يبقَ الشيخ صامتًا، بل قال للضابط: تأدب وأنت تتحدث معي، كما أنك مسؤول أمام شعبك فأنا مسؤول أمام الله عن شعبي، وأنا لا أحاربكم بالسلاح أو الحجارة، فقال له الضابط: ليتك تفعل، فمهما تفعل سيأتي اليوم الذي نقتلك، لكنك تحاربنا بسلاح أقوى من الرصاص وهو الكلمة، فأنت تحرِّض آلاف المصلين علينا، وهم يحاربوننا بسبب كلامك، أنتم معشر الإسلاميين قنبلة موقوتة تنفجر في أي لحظة لتدمر إسرائيل، لكننا لن نسمح لكم بذلك.

مثل هذه المواقف تجعل الشيخ البيتاوي يزيد فخرًا بالدعوة لله وتدريس الدين، وأضاف أن من صفات الخطيب الناجح ألا يخاف في الله لومة لائم، وأن يملك الجرأة اللازمة، والخطابة أمانة ونحن ندفع ثمنها، ويضيف: “إن من أهم عوامل نجاح الخطبة أن تتطرق إلى موضوع يهم الناس ويعيشون في فلكه”.

طفل نجيب وفلاح أصيل

وُلد حامد سليمان جبر خضير في 4-12-1944م في نابلس قرية بيتا، لأسرة ريفية ولأبوين فقيرين يعملان كمعظم الفلسطينيين وقتها في الزراعة، تُوفِّي جده وهو يؤدي مناسك الحج وتعلم والده في الكتاتيب، يقول الشيخ إن أكثر ما أثَّر فيه وهو طفل صورة والده وهو يقرأ القرآن الكريم خاصة سورة الحديد.

وكان للبيئة التي نشأ فيها الشيخ الأثر الأكبر في حياته وشخصيته فيما بعد، حيث البُعْد عن مظاهر الفساد، وكذلك الخشونة التي اتصفت بها حياة القرية، حيث كان يضطر للسير مسافة تزيد عن 10 كم للوصول إلى الحقل الذي كانت عائلته تمتلكه، ثم الذهاب للقرى المجاورة ولمخيمات نابلس لبيع التين والعنب والصبر، وانتظار ظلِّ القمر للعودة ليلاً لقريته.

ويتذكر الشيخ حامد الحياة البسيطة التي كان يعيشها الناس في ذلك الوقت، حين كان أهالي القرية في مواسم الحصاد يتركون بيوتهم ويذهبون للمبيت في “المعرش” داخل حقولهم لعدة أشهر، وهو ما زرع عشق الأرض والطبيعة والأشجار والسهول في نفسه، وأن الاستذكار بين سنابل القمح العالية كانت من أكثر الأمور المحببة لقلبه، ويضيف باسمًا أنه لم يكن يعرف شكل العملة حتى وصل إلى المرحلة الإعدادية في دراسته.

حتى إنه بعد أن توظف دأب على قضاء الإجازة السنوية في قطف الزيتون واستصلاح الأراضي البور وتسييج الحقل، كما عمل فترة من الوقت في مجال البناء، حيث كان يتقاضى أجرًا مقداره نصف دينار في اليوم الواحد.

دراسته وتعليمه وعمله

لا يزال الشيخ يذكر حصوله على شهادة الثانوية العامة “التوجيهي” عام 1964م، خاصة مدير المدرسة في ذلك الوقت الأستاذ “أحمد القصراوي” وهو يخرج جميع طلبة المدرسة البالغ عددهم ألف طالب تقريبًا للصلاة جماعة في باحة المدرسة.

وتابع الشيخ دراسته الجامعية في كلية الشريعة التابعة للجامعة الأردنية، وحصل على شهادة الليسانس عام 1968م بتقدير جيد جدًّا، وبعد تخرجه من الكلية عين موظفًا في المحاكم الشرعية في الضفة الغربية، وفي عام 1991م حصل على شهادة الماجستير في الشريعة الإسلامية من كلية الشريعة في جامعة النجاح الوطنية.

كما عمل بالإضافة إلى وظيفته في المحاكم الشرعية مدرسًا غير متفرغ في المدرسة الإسلامية بنابلس، ومن ثَم في كلية الروضة المتوسطة، ومحاضرًا غير متفرغ في كلية الشريعة بجامعة النجاح الوطنية في نابلس.

انتقل الشيخ في عمله من كاتب في محكمة نابلس الشرعية إلى رئيس للكتاب، ومن ثَم وكيلاً للقاضي الشرعي، ثم قاضيًا شرعيًّا في مختلف مدن الضفة، واستقر به الحال بعد دخول السلطة الفلسطينية رئيسًا لمحكمة الاستئناف في نابلس بقرار من الرئيس ياسر عرفات، ولا زال على رأس عمله حتى الآن.

تبعات الكلمة الصادقة

بدأ الشيخ إلقاء الخطب في المساجد منذ كان طالبًا في كلية الشريعة بالأردن، ولا تزال ذكريات أول خطبة ألقاها الشيخ عالقة في ذهنه، حيث طلب منه الوقوف خطيبًا في مسجد الجوفة في عمَّان، يقول الشيخ:“اخترت موضوع الشباب والتربية ليكونا محور حديثي، وكان الدعاء للملك في آخر الحديث أمرًا مفروضًا على الخطباء، فقلت: “اللهم وفِّق ملك البلاد للحكم بكتاب الله وسنة رسوله الكريم، ويسِّر له بطانة صالحة” على خلاف المتعود، فما إن انتهيت من الصلاة وخرجت من المسجد، فإذا بأحد الأشخاص يتبعني ويطلب مني الوقوف، وعرفني بنفسه على أنه ضابط في الأمن العام، وسألني عن اسمي، ولماذا اخترت الشريعة الإسلامية لكي أدرسها؟

وبعد أن أجبته على أسئلته وجدتها فرصة للوقوف مع نفسي قليلاً، وقلت إما أن أتوقف عن الخطابة أو أستمر بها مع تحمل التبعات المترتبة عليها، وبما أن حياتي ورزقي بيد الله وحده، ولا يستطيع أحد أن يسلبني أيًّا منهما، فقد قررت المضي في هذه الطريق، والحمد لله الذي وفقني في ذلك الاختيار”.

وهكذا كان هذا النهج له ظلال كثيرة على حياة الشيخ فيما بعد. فقد مُنع من الخطابة، وفُرضت الإقامة الجبرية عليه من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، واستدعته المخابرات كثيرًا للتحقيق عقب كثير من خطبه، وتم منعه من السفر منذ عام 1982م، ثم سجن لمدة عام في 1990م في سجن النقب الصحراوي وفي سجن الفارعة. ومع ذلك لم تتغير قناعاته بحتمية بمجاهدة الأعداء بكل الوسائل المتاحة، وأن الكلمة تقف جنبًا إلى جنب مع المال والنفس.

الإبعاد إلى مرج الزهور

شكَّل إبعاد إسرائيل 415 عضوًا من أبناء الحركة الإسلامية عام 1992م إلى “مرج الزهور” في جنوب لبنان، فترة اعتبرها الشيخ حامد “محنة ومنحة” بذات الوقت، فمن الصعب أن تجد نفسك في ليلة وضحاها بعيدا عن الأهل والوطن في بلاد غريبة تنتشر فيها الحيوانات المفترسة والأفاعي، وتغطيها الثلوج من جميع النواحي: “فقد كانت فترة معاناة كبيرة بالنسبة لنا، حتى أن الغيم القادم من فلسطين كان يبكينا، كما أنه إسكات للصوت الإسلامي فقد كان من بيننا أكثر من مائتي شخص من الخطباء والواعظين والقادة المؤثرين في المجتمع الفلسطيني.

لكن الإبعاد كانت له صور إيجابية أخرى، فلقد اعتبرناه جهادًا في سبيل الله، كما أن وكالات الأنباء العالمية والمصورين والصحفيين نقلوا صورتنا وصوتنا للعالم أجمع، فلقد بثت إحدى المحطات التلفزيونية خطبة لي وصلت لأكثر من 80 مليون مشاهد في العالم، وأعتبرها من أهم خطبي على مدار سنوات الدعوة”.

انتماؤه الفكري.. وصحوة عرب 48

وعن التطور الفكري لدى الشيخ، يقول: إنه بدأ عندما تعرف على جماعة الإخوان المسلمين منذ كان طالبًا في المدرسة الثانوية عام 1962م، حيث لم يكن قد سمع بكلمة أحزاب قبل ذلك الوقت، ثم انتسب إليها رسميًّا في الأردن عندما كان طالبًا في كلية الشريعة، وتأثَّر برسائل البَنَّا وانكبَّ على قراءتها، وكذلك بأفكار الداعية الإسلامي “سيد قطب” وكتبه العديدة، والشيخ “يوسف القرضاوي”، وحرص على حضور جميع محاضراته وندواته.

ولا يزال البيتاوي يذكر أفكار إحدى المحاضرات التي ألقاها د. القرضاوي في نابلس عام 62، عندما أكَّد على أن الإسلام وحدة واحدة متكاملة.

يقول الشيخ حامد: إنه لا يزال يذكر بالخير الشيخ عبد الله نمر الذي كان له دور كبير في دخول الفكر الإسلامي لسكان 48، فبعدما ظنَّ الجميع أن أهلنا هناك قد تهودوا، فإذا بالعمل الإسلامي ينتشر بين الشباب، ثم لعب الشيخ رائد صلاح -رئيس الحركة الإسلامية في الداخل- دورًا هامًّا في هذا الصدد، وكان يتحمل مشقة المجيء لنابلس لحضور الدروس والمحاضرات والمهرجانات والأعراس والتي لعبت دورًا كبيرًا في ازدياد المد الإسلامي بين شعبنا هناك، حيث يصل عدد الحضور في بعض هذه المهرجانات إلى مائة ألف تقريبًا.

خطيب المسجد الأقصى.. أشرف وسام

يلقي الشيخ حامد دروسًا في الأقصى منذ عام 1968م، وازدادت صلته بالقدس التي يعتبرها من أحب الأماكن إلى قلبه، وزادت هذه الصلة أيضا بارتباطه بزوجته “أم حاتم” وهي من القدس.

لكن تظل قصة تعيينه خطيبًا للمسجد الأقصى غريبة جدًّا، ويعتبر الشيخ هذا اليوم تاريخيًّا، ففي عام 1985م حاولت إحدى الجماعات الصهيونية اقتحام المسجد الأقصى للصلاة فيه، وعندما انتشر الخبر بين الفلسطينيين، دبَّت الغيرة في قلوبهم، فإذا بأكثر من ربع مليون مصلٍّ يتواجدون يوم الجمعة في باحات المسجد، وكنت متواجدًا هناك أيضًا، وما إن انتهت الصلاة حتى بدأنا نصرخ بأعلى صوتنا“خيبر خيبر يا يهود.. دين محمد بدأ يعود”، وكان مدير الأوقاف موجودًا هناك، وعندما رأى الحالة التي كنت عليها أصدر أمرًا بتعييني خطيبًا للمسجد الأقصى.

رابطة علماء فلسطين

وفي عام 1991م تداعى عشرات العلماء إلى عقد اجتماع في المسجد الأقصى للتشاور بخصوص العمل الدعوي الإسلامي، ومن أجل الدفاع عن القضية الفلسطينية، وقضايا المسلمين عامة، وقرروا تشكيل “رابطة علماء فلسطين” في الضفة الغربية وقطاع غزة، انتسب إليها مئات العلماء المشهود لهم بالعلم والصلاح.

ويقول الشيخ حامد: إن مهمة الرابطة تتلخص في تنظيم وتكثيف الدروس والندوات والمحاضرات الدينية، وإصلاح ذات البين، وإصدار البيانات السياسية، والفتاوى الشرعية، وغيرها، وكما أنها ليست بديلاً عن المؤسسات الدينية كالمحاكم الشرعية والأوقاف ودور الفتوى، بل هي داعمة لها في رسالتها.

وخلال اجتماع لاحق للرابطة تم تعيين الشيخ حامد رئيسًا لها، وكما تم كذلك فتح مقرات ومراكز لها في العديد من المدن الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة، إلا أن القوات الإسرائيلية سارعت لإغلاقها بعد عامين فقط، وكما قامت بإبعاد الكثير من القائمين عليها من أبناء الحركة الإسلامية إلى مرج الزهور في الجنوب اللبناني، إلا أن نشاطها لم يتوقف وهو مستمر حتى الآن.

وقد أصدرت الرابطة العشرات من الفتاوى الهامة ومنها، الفتوى الخاصة بالعمليات الاستشهادية ضد العدو الإسرائيلي، حيث بيَّنت الرابطة أنها من أعظم الجهاد في سبيل الله، وهي ليست انتحارية كما يصفها البعض.

كما بينت الحكم الشرعي للمفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، والعملية السلمية، والتنسيق الأمني والاعتراف بدولة إسرائيل.

كما أن الرابطة تبنت الدعوة إلى القيام بحملات تبرع لنجدة المسلمين في البوسنة والهرسك وكوسوفا، وأصدرت كذلك فتوى ضد “كازينو” أريحا والذي أقامته شركة أجنبية في عهد السلطة، وغير ذلك من الفتاوى الشرعية والبيانات السياسية.

مؤلفات وكتب

وللشيخ حامد عدة مؤلفات بعضها طبعت ووزعت، مثل كتاب “خطب داعية” وهو جزآن، وكتاب “التوبة”، و “ولا تقربوا الزنى”، و”ذكريات شيخ”، و”المنافقون”، و”حقوق المرأة في الإسلام”…

وهناك مجموعة أخرى لم تطبع بعد، منها “ذكريات المبعدين” ويعرض فيه الشيخ بأدق التفاصيل الحياة التي عاشها المبعدون لمرج الزهور، وكتاب “صفات اليهود في القرآن”، وكتاب “انتفاضة الأقصى أسبابها ونتائجها”، حيث يرى فيه أن الانتفاضة حسَّنت من صورة الفلسطيني في نظر العالم أجمع، فبعد أن اعتبروه قد تنازل عن أرضه ووطنه، جاءت الانتفاضة لتؤكد على أن التنازل ممنوع والثبات والمقاومة هما الحل الوحيد للفلسطينيين، كما أن المعاصي وانتشار الفواحش قد قلَّت لدرجة كبيرة.