سليمان بشارات

Image
صفحة من ملحق “الأيام الثقافية”

لا يختلف الكثيرون من المثقفين في إثبات افتراضية أن ما تنشره الصفحات والملاحق والمجلات الثقافية التابعة للمؤسسات الصحفية، فمن الواجب أن تنقل تفاصيل المشهد الثقافي، والتراث الحضاري لواقع هذه البلدة بما يتناسب وجمهور القراء، بل أيضا من واجبها الحفاظ على هذا الإرث الحضاري، ونقله للأجيال القادمة.

إلا أن العديد من المثقفين والكتاب والقائمين على الملاحق الثقافية بالصحف الفلسطينية يكادون يجمعون على اعتبار أن الصفحات الثقافية في الصحف الفلسطينية، وكذلك الملاحق -إن وجدت- تخضع لقوانين الحرمان من قبل الصفحات السياسية، وكذلك هيمنة الإعلان، وهو ما جعل الاهتمام بها يأتي في ذيل القائمة.

فعلى الخلاف من باقي المؤسسات الصحفية العربية التي تهتم بشكل أو بآخر بإصدار مجلات ثقافية أو حتى إفراد صحف كاملة أو ملحقات تحوي في طياتها العديد من المضامين الثقافية، تتلاشى مسميات الملاحق الثقافية من الصحف الفلسطينية، وتتقلص إلى صفحة واحدة أو صفحتين بالأسبوع، وربما في الشهر.

ومما لابد من الإشارة إليه أن بدء ظهور المجلات والملاحق الثقافية في فلسطين يعود إلى عام 1905؛ حيث الاهتمام بنشر كتابات المثقفين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة وفي الشتات، إضافة إلى ما ينتجه الكثير من المثقفين وكبار الكتاب والشعراء والأدباء العرب المناصرين للقضية الفلسطينية.

ومن أبرز المجلات والصحف والملاحق الثقافية التي عرفت طريقها للصدور في فلسطين قديما؛ مجلة “الكرمل”، وصحيفة “القدس”، ومجلة “النفائس”، والملحق الأدبي في جريدة فلسطين، والفجر الأسبوعي، والاتحاد، والحقوق، وصوت العروبة، وغيرها الكثير، فيما عكف الكثير من الأدباء والمثقفين والكتاب على إصدار بعض الملاحق والمجلات والصحف التي تعنى بالثقافة الفلسطينية، وذلك في بلاد المهجر، محاولين التواصل الثقافي مع أبناء وطنهم الذي هجّرهم الاحتلال إلى الدول العربية المجاورة، فقاموا بإنشاء الصحف والمجلات، ومن أهم هذه المجلات جريدة “غزة” التي كانت توزع في الأردن ومصر والسعودية.

إلا أن توالي الأزمات المالية، إضافة إلى ارتفاع أسعار الورق وتكلفة الطباعة، وفي المقابل تدني أسعار التسويق، جعل العديد من هذه المجلات والملاحق إما أن تتوقف عن العمل، أو تلجأ إلى الإعلانات كمصدر دخل يعوضها عن خسارتها، ومنها ما آثر الاهتمام بالقضايا السياسية اليومية؛ مما أدى بدوره إلى عزوف القارئ عنها وانحسارها، ومن ثم توقفها نهائيا.

صفحة واحدة!

وعلى الرغم من أن الحالة الثقافية الفلسطينية في بداية التسعينيات وما تلاها من سنوات شهدت ازدحاما كبيرا للصحف والدوريات والمجلات ذات الطابع والاهتمام الثقافي، إلا أن الحال الآن تغير وبات يفتقر إلى هذا المشهد.

فصحيفة القدس الفلسطينية اليومية أكثر الصحف توزيعا وانتشارا بفلسطين، والتي تطبع وتوزع في الأردن أيضا، تخصص صفحة ثقافية واحدة في الأسبوع لا يتعدى مضمونها بعض المقالات أو القصائد الغزلية أو الدينية.

يقول إبراهيم عفانه محرر الصفحة الثقافية بجريدة القدس: “إن طغيان الأحداث السياسية على صفحات الجريدة، وكثرة الإعلانات، يجعل مسئولي التحرير في الصحف الفلسطينية يعطون هذه الصفحات الأولوية على حساب الصفحات الثقافية، بمعنى آخر: الاهتمام بالصفحات الثقافية يأتي في ذيل القائمة”.

ولا يتوقف الحال عند هذا الحد، كما يقول عفانه: “حتى الصفحة الواحدة التي تصدر يوما واحدا بالأسبوع من الممكن أن تؤجل إلى أسبوع آخر؛ لعدم وجود المساحة الكافية، فالصفحات الثقافية في الصحف الفلسطينية هي قليلة، وربما تكون نادرة”.

ويشير عفانه إلى أن حسابات الربح المادي لدى الصحف يطغى على أي حسابات واعتبارات أخرى، إضافة إلى أن من يهتمون في المجال الثقافي والأدبي سواء من أصحاب الاستثمار أو غيرهم يبحثون عن الاستثمار في أي مجال آخر قد يرفع من مستوى ربحهم أو دخلهم، ويتركون المجال الأدبي؛ لظنهم أنه لا يوجد له السوق الكافي لتحقيق أرباحهم واستثماراتهم.

هذا الأمر وغيره دفع الصحف الفلسطينية إلى نشر بعض المضامين الثقافية على صفحاتها من باب “رفع العتاب واللوم” كما يرى عايد عمرو محرر الصفحة الثقافية في صحيفة الحياة الجديدة الرسمية، فيقول: “صحيفة الحياة الجديدة كانت تصدر ملحقا ثقافيا أسبوعيا مكونا من 8 صفحات، أما اليوم فتصدر صفحة ثقافية أو صفحتان بالأسبوع، والسبب هو الضائقة المالية، وارتفاع سعر الورق”.

سطحية المضمون

 

 عايد عمرو

وبينما يرى القائمون على الصفحات الثقافية والمتابعون لها أن هذه الصفحات باتت تستفيد بشكل كبير مما ينشر على شبكة الإنترنت؛ لكونها تشكل مصدرا للمعلومات، وكذلك وجودها كأحد أبرز المنافسين للصحف الورقية، إلا أنهم ما زالوا يأخذون عليها السطحية في العرض، والاهتمام فقط ببعض الأشكال دون أن تصل إلى درجة العمق في الطرح.

يقول عايد عمرو: “الصفحات الثقافية فقيرة جدا، وخاصة في تغطية الجوانب الثقافية والأدبية بشكل عام، سواء بالداخل الفلسطيني أو في الشتات، فلا توجد كتابات خاصة، ولا توجد قراءات نقدية، ولا حتى عرض دراسات أدبية أو عرض كتب، ولا حتى تغطية الفعاليات الثقافية التي تحدث في الوطن”.

ويرى عمرو أن الكثير من مضمون ما ينشر بالصفحات الثقافية لا يخضع حتى لميزان أدبي معين، بل هو تعبير عن هواية أكثر من بنائه على قاعدة أدبية، والسبب في ذلك يعود إلى الضحالة في ثقافة بعض الكتاب؛ لعدم اطلاعهم وقراءتهم، ومحاولتهم فقط تقليد ومحاكاة ما يكتبه الآخرون”.

فيما يرى محمود فطافطة -محرر الصفحة الثقافية في صحيفة فلسطين اليومية التي تصدر من غزة- أن مضمون الصفحات الثقافية في الصحف الفلسطينية ليس بالشكل المطلوب والواجب أن يكون عليه؛ سواء على شكل نوع المضمون، أو طريقة عرضه، أو حتى شموليته؛ حيث إن الطابع شبه الكلي الذي يغلب على هذه الصفحات هو البعد الفني المحلي تحديدا دون التطرق إلى القضايا الثقافية الهامة التي تحتاج إلى إثارة، ومعالجة، ونقاش علمي رصين.

ويعتبر فطافطة أن تركيز الصفحات الثقافية على الأخبار أكثر من التقارير والتحقيقات التي تكاد تكون معدومة يمنع من إطلاق صفة العلمية المهنية الإعلامية على مثل هذه الصفحات؛ بسبب تغيبها للعدالة، والتوازن، والشمولية؛ وهي أهم عناصر ومعايير العمل الإعلامي المطلوب.

أما إبراهيم عفانه فيرى أن ما يسيطر بشكل كبير على الصفحات الثقافية هو الاهتمام بالكتابات الغزلية والدينية على حساب الكتابات الأخرى ذات الأبعاد العميقة.

عدم التقدير والمحسوبية

 

 الشاعر محمود زغلول

هذا الضعف في مضمون الصفحات الثقافية يرجعه إبراهيم عفانه إلى التدخلات الخارجية لدى مسئول التحرير التي قد تؤدي إلى قبول نشر كتابات لكتاب عاديين على حساب كتاب أصحاب مضامين قوية، وهذا يفسر ضعف ما تحمله الصفحات الثقافية في الصحف الفلسطينية.

بينما يعتبر عايد عمرو أن عدم تقدير واحترام الكتاب العظام، وعدم إعطائهم أي مكافئات مالية حتى وإن كانت رمزية كشكر على جهودهم، يدفعهم للكتابة لصحف خارجية، وهذا بالتالي يضعف المضمون بالصحف المحلية.

ويضيف: إن النشر في الصحف الفلسطينية يعتمد بشكل أساسي على مدى المعرفة ما بين الكاتب ومن يعمل بهذه الصحف، وبالتالي معيار النشر هو “المحسوبية والشللية” وليس قوة النص، وهذا يكون واضحا في أن كثيرًا من الكتاب المرموقين تُنشر لهم أعمال لكن توضع في ذيل الصفحة، بينما بعض الكتاب الآخرين والمبتدئين تنشر أعمالهم في رأس الصفحة، وتخرج بشكل كبير وملفت للنظر.

ولا يختلف المتحدثون في أن البيئة الأكاديمية والتعليمية التي ينشأ فيها الكتاب وكذلك العاملون أيضا في الصحف الفلسطينية تلعب دورا كبيرا في إدراك أهمية الصفحات الثقافية، والواقع الذي يجب أن تكون عليه، وطبيعة التفكير فيما يمكن أن تحويه بما يتناسب والجمهور القارئ.

ويوضح كل من إبراهيم عفانه ومحمود فطافطة أنه لا يوجد تخصص منفرد يجعل الإعلاميين أصحاب اهتمامات ثقافية، وقدرة على التعامل مع العمل الثقافي بشكل أفضل كما هو الحال بالمجالات الأخرى.

وهذا كله يصب في أحد الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى ضعف الاهتمام من قبل الجمهور القارئ صاحب الاهتمامات الثقافية كما يرى فطافطة، وقد يدفعه إلى البحث عن مصادر أخرى من شأنها أن تعوض له هذا النقص، وهو ما قد يتسبب أيضا في “التشويه الثقافي” في حال عدم الاطلاع على المصادر الموثوقة.

الثقافة الممولة

 

 محمود فطاطة

انتشار العديد من المراكز الثقافية الغربية في فلسطين، وكذلك محاولة التغيير في الفكر الثقافي للمواطن الفلسطيني، دفع العديد من هذه المراكز أو المؤسسات الثقافية الغربية إلى رصد تمويل بهدف إصدار بعض الملاحق غير منتظمة الصدور، وهذه الملاحق إما تحاول نشر بعض الكتب المترجمة من خلالها، أو حتى الاهتمام بتغطية زاوية معينة من الثقافة الفلسطينية ومعالجتها وفق الأجندة التي تضعها.

ويرى محمود فطافطة أن مضمون وأهداف هذه الصفحات أو الملاحق التي يمكن أن يطلق عليها اسم “الثقافة الممولة” تتواءم والممول، وبالتالي تكون في غالبها لا تتعاطى مع ما هو مطلوب من مادة ثقافية وطنية تراعي أخلاقيات الواقع، أو تلبي احتياجات الجمهور الواعي.

ويتفق معه الشاعر الفلسطيني محمود زغلول بالقول: “إن هناك بعض الكتاب مدعومين من بعض الجهات الممولة، وهذه الجهات تفرض رؤيتها على كتاباتهم، وهذا بالتالي يدفعهم للكتابة بنمط معين، والابتعاد عن أنماط أخرى”.

ويتابع بالقول: “الهدف الأساسي لهذه الجهات الممولة هو مصادرة الأدب والثقافة الفلسطينية الحقيقية، وجعلها ثقافة تنحصر وفق رؤيتهم”.

المطلوب

العمل على القيام مباشرة بإعادة المشهد الثقافي الفلسطيني إلى أولوياته على المستوى الرسمي، أحد أبرز المطالب التي يدعو لها عايد عمرو في سبيل إنقاذ الصحافة الثقافية الفلسطينية، وكذلك الثقافة الفلسطينية بشكل كلي؛ لأن الثقافة لا تشكل أولوية عند صناع القرار سواء في السلطة أو التنظيمات العاملة على الساحة المحلية.

ويضيف: إننا بتنا نفتقر إلى المشروع الوطني الثقافي الفلسطيني كما كان عليه في السبعينيات والثمانينيات، ولهذا السبب فإن ثقافتنا بدأت بالاندثار، والمستفيد من ذلك هو الاحتلال الذي يحاول أن يروج لثقافته بكل الوسائل، بل بات يزرعها في أبناء الجيل الفلسطيني.

ويتساءل عمرو: كيف يمكن لفلسطين أن تبدأ التحضيرات من أجل الاحتفال بمدينة القدس المحتلة عاصمة ثقافية لعام 2009 في ظل غياب الملاحق الثقافية في الصحف الفلسطينية، أو اقتصارها على صفحات قليلة تنشر في فترات متباعدة؟!

ويضيف بالقول: “نحن لا نمتلك مجلة ثقافية واحدة، ولا حتى اتحادا للأدباء، أو دور نشر، ولا حتى دور سينما أو إنتاج سينمائي خاص ومميز”.

فيما يعتبر محمود فطافطة أن المطلوب على مستوى الساحة الثقافية الفلسطينية هو تحييد الكتابات الثقافية من دائرة الصراع الذي يدمغ الحالة الحزبية السياسية الفلسطينية؛ لأن ذلك من شأنه أن يؤثر بشكل كبير على نوعية وتميز المادة الثقافية، خاصة إذا أدركنا أن الجانب الثقافي واسع جدا، وقضاياه كثيرة.

ويرى لطفي زغلول أنه من الضروري أن يتم تنفيذ العديد من المشاريع الثقافية؛ كتأسيس المطابع، ودعم الإصدارات الثقافية الدورية وغير الدورية، وكذلك إصدارات الكتاب؛ حتى تكون وطنية خالصة، لا أن يستولي عليها ويصادرها الممول الأجنبي.


  صحفي فلسطيني.