حوار – عبد لاوي لخلافة

Image
الشيخ زحل

مراكش – بجرأته المعهودة يضع الشيخ محمد زحل – أحد مؤسسي العمل الإسلامي بالمغرب، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين – موضوع التمويلات البديلة أو الإسلامية المقترحة بالمغرب تحت محك النظر الشرعي، مطالبا بمصارف إسلامية مستقلة، وليست شبابيك ضمن بنوك تقليدية.

وأكد زحل على أنه إذا اقتصر الأمر، فيما يسمى بالتمويلات البديلة أو الشرعية، على فتح شبابيك وصناديق فرعية في المؤسسات الربوية القائمة، فإن المغاربة لن يذهبوا إليها، ونحن سنعلن الحرب على هذا، فإما أن ينشئوا المصارف الإسلامية كما هي موجودة في كل مكان، في الشرق والغرب وتحت الرقابة الشرعية للعلماء، وإما فإن هذه الشبابيك لن تخدعنا.

ويعتبر الشيخ محمد زحل أن العلماء والفقهاء لم يكونوا غائبين عن الموضوع، بل إن السياسيين هم من انجروا مكرهين لطرح التمويلات البديلة؛ خشية ضياع الاستثمارات الخليجية بالمغرب، داعيا المغاربة – خاصة العلمانيين واليساريين – إلى ترك العناد والاستفادة ممن سبقهم في تجربة المصارف الإسلامية.

ويؤيد الشيخ محمد زحل، في الحوار الذي أجري مع فضيلته بمقر إقامته بمنطقة “الحنشان” بين مراكش والصويرة، ما دعا إليه الدكتور أحمد الريسوني من ضرورة إنشاء هيئة رقابية للمعاملات الجديدة، إلا أنه يذهب إلى أبعد من ذلك بإنشاء مصارف إسلامية خالصة لها أصول وفروع مستقلة “ليحيا من حيي عن بينة”، معتبرا رأي الريسوني في شأن الطرح الاقتصادي الجديد في المعاملات المالية من قبيل الوعي بأن: “وراء الفجر الكاذب فجرا صادقا”.

وفي الحوار مواقف جريئة حول قضايا علمية هامة، فلنتابع..

* أصبح الحديث عن التمويلات البديلة أو الإسلامية بالمغرب حديث السياسيين فقط، أين دور الفقهاء والعلماء من القضية؟

** أولا: أرحب بك في هذه المنطقة النائية، وأقدر خدمات موقع “إسلام أون لاين” الجُلى التي يقدمها للإسلام والمسلمين وللعلماء والمتعلمين، وللبشرية جمعاء.

ثانيا: فيما يتعلق بأمر التمويلات البنكية الجديدة دعني أوضح أن السياسيين في المغرب انجروا للحديث عن أمر التمويلات الإسلامية مكرهين، أما العلماء فقد كانوا يخوضونه في كل وقت وما يزالون، ويعلنون استنكارهم للمعاملات الربوية، ولحرب الله ورسوله القائمة على البشر الذين شردوا عن دين الله عز وجل وأبوا الرجوع إلى جادة الصواب والعمل بشريعة نبيه عليه الصلاة والسلام.

ولهذا أكرر وأقول: إن العلماء لم يكونوا مهمشين، بل السياسيون هم الذين انجروا مكرهين لهذا الأمر في المغرب خاصة، فهم لم يكونوا يتصورون إطلاقا أن يفكر المغرب في هذه التمويلات، بل كانوا يرونها ضربا من العبث.

وقد أقسم وزير المالية مرة في البرلمان أنه لن يسمح بالاقتصاد الإسلامي وبوجوده في المغرب ولا بالمصارف الإسلامية، ولكنها استثمارات الشرقيين الآن، وجزى الله عنا إخواننا الشرقيين، الذين مهما كان الأمر، فإنهم لا يتخلون عن دينهم وعن شريعتهم، وهم الذين اشترطوا عند التعامل مع هذه البنوك أن تكون خاضعة للشريعة الإسلامية ولمراقبة العلم الشرعي.

* قلت أستاذنا “إنهم انجروا”.. من جرهم وكيف تم ذلك؟

** أنا قلت وأعي ما أقول، فهم لم يفتحوا هذا المجال ولم يسمحوا به طواعية واختيارا، ولكنهم أكرهوا عليه؛ لأن المستثمرين الخليجيين اشترطوا في تعاملاتهم أن تكون خاضعة للشريعة الإسلامية وبعيدة عن الربا.. فالذين همشوا هذا الجانب هم السياسيون، والذين خاضوه ودافعوا عنه ودعوا إلى تطبيق شريعة الله في الاقتصاد، كما هو الأمر في باقي المجالات، هم العلماء في خطبهم ودروسهم ومواعظهم وفي مقالاتهم وكتبهم، وأمر غياب العلماء عن الموضوع ليس صحيحا.

* يرى البعض من المهتمين بقضايا الفكر الإسلامي أن المصارف الإسلامية شبيهة بالتقليدية، ولكن الاختلاف فقط موجود في التسمية، ما الجديد في نظركم بالنسبة للمصارف الإسلامية؟

** أعتقد أن في هذا تجنيا على المصارف الإسلامية، فقد توجد أخطاء، ولكن أن ننسف الأمر من أساسه، ونقول إنه غير موجود، وأن هذه المصارف تخدم الربا، كما تخدمه البنوك الأخرى، فهذا بهتان وزور وكذب، بل إن هذه المصارف استطاعت أن توجد لها مركزا خاصا بها وتغزو الأسواق العالمية في أوروبا وأمريكا وغير ذلك، كما قدمت خدمات جُلى، ونجحت وكسبت وربحت بالكسب المشروع ما لم تستطع البنوك الربوية بلوغه.

وبالتالي فإن الوقوف في وجوه المصارف الإسلامية هو ضرب من العناد من طرف العلمانيين واليساريين والذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا.

* يضطر كثير من المغاربة، أمام انعدام تمويلات شرعية، إلى التعامل مع البنوك التقليدية، ما الوجه الشرعي في هذا التعامل؟

** هذا التعامل نوعان: أن يضطر الإنسان إلى فتح حساب وأن يكون له دفتر شيك فهذا شيء ضروري في المعاملات التجارية، فلا يعقل أبدا أن يسافر الإنسان وهو يحمل معه الملايين من أكادير إلى طنجة، أو من طنجة إلى الكويرة، ويعرض نفسه وماله للخطر.. ولذا ففتح الحساب والتعامل في حدود لا بأس به.

ولكن أن يتعامل تعاملا ربويا، بأن يقرض البنك ويأخذ الزيادة، أو يقترض من البنك ويعطي الزيادة، فهذا لا يقوم به مسلم يخشى الله والدار الآخرة.

* اعتبر بعض العلماء الاقتراض من البنوك التقليدية لأجل السكن من الضرورات في المغرب، ما رأيكم في هذا الترجيح الفقهي، خاصة في ظل وجود فتوى من المجلس الأوروبي للإفتاء تبيح ذلك لمسلمي أوروبا؟

** الخطأ من هؤلاء المفتين أن يقيسوا المغرب بالأقليات؛ فالمغرب، هذا البلد العريق في الحضارة وفي الإسلام، يعتبر حصنا للإسلام.. و ينبغي لهؤلاء أن يعلموا أن المغرب هو القوة الإسلامية الوحيدة على المحيط الأطلسي، وأن سقوط هذا الحصن هو سقوط لشمال إفريقيا ولغيره.

المغرب بلد مسلم ومتحضر وأصيل ومتمسك بمبادئه وقيمه وشريعته، ولا أرى هنا الضرورة إلا الضرورة التي تبيح أكل الميتة والخنزير.

* كيف ترى أن الأمر ليس ضرورة؟

** لا يجوز للإنسان أن يقترض بالربا ويدفع الزيادة إلا إذا وصل إلى حالة أشرف فيها على الهلاك، ولم يجد إنسانا يحسن إليه أو يهبه أو يتصدق عليه، وإنما وجد يهوديا جشعا أراد أن يستغل هذه الحالة، فحينئذ يجوز له أن يقترض من هذا اليهودي، ولكن بقدر الحاجة.

كما يجب أن نفرق بين الضرورة والحاجة، فالناس الآن يتحدثون عن الضرورات في الإثراء.. وهناك من يملك الملايين من الدولارات ويقول: أنا أقترض من الربا لأوسع مشاريعي!! فهذا لا كلام معه، لأنه لا يريد أن يعيش حياة إسلامية ويخضع لربه وينقاد لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولا أن يحل الحلال ويحرم المحرم.

ولذا من الخطأ القول إن المغرب حكمه حكم الجاليات بدعوى عدم وجود مصارف إسلامية به. فالمغرب وإن لم توجد فيه هذه المصارف، إلا أنه على أهله أن يناضلوا ويعملوا ويجدوا حتى توجد.

والناس يقيمون الدنيا ولا يقعدونها في سبيل الحفاظ على رغيف الخبز، وينضمون إلى الأحزاب والنقابات؛ لذا فعليهم أن يفعلوا ذلك في سبيل الحفاظ على عقيدتهم وعلى دينهم، وعليهم أن يغضبوا لله ولرسوله – صلى الله عليه وسلم – إذا مست شريعته أو اعتدي على دينه، كما يغضبون لأنفسهم حين يعتدى على ضروراتهم الخاصة وعلى عيشهم.

* إذن لا ترى ضرورة في الاقتراض من البنوك لأجل السكن مثلا؟

** نعم لا أرى ذلك ضرورة، فمن استطاع أن يسكن بالإيجار فعليه أن يسكن به إلى قيام الساعة، ما دام يقدر على دفع الإيجار، ولا ضرورة له في الإسكان بالربا.

* وإذا كان ذلك يؤثر على مصروفه اليومي وتكاليف تربية أبنائه وأسرته؟

** هذه أمور يجب أن نقيسها بمقياسنا، فيوم كان المسلمون قانعين، والكل يريد أن يعيش في مستواه، ولا يتطلع إلى ما سواه، كانوا يعيشون في البساطة والحلال. أما الآن فقد استشرى الربا حتى أصبح الناس يقترضون بالربا لشراء أضحية العيد، وهذه أمور يجب على العلماء ألا يسكتوا عنها، بل يجب أن يقفوا في وجهها بتوعية المسلمين التوعية الصحيحة حتى يعلم الناس أن الربا مسخطة لرب العالمين. وأنه ليس هناك ذنب بعد الشرك أعظم من الربا إطلاقا، ولم يأت في ذنب أن الله تعالى توعد صاحبه بالحرب إلا في موضعين: آكل الربا والمعادي لأولياء الله تعالى.

يقول الرسول الكريم: “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب”، والمقصود بأولياء الله هم المؤمنون الصالحون المتقون، الغيورون على دينهم، المدافعون عنه من الرسل والدعاة الصالحين، وعن التعامل بالربا، يقول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ* فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ”(البقرة/278، 279).

* ألا ترى شيخنا الفاضل، أن غياب العلماء أو “تغييبهم” عن ملامسة قضايا حساسة، مثل التمويلات التقليدية أو الربوية، هو السبب في إدامة حرمان المغاربة من تعامل مالي شرعي؟

** أعود وأؤكد لك أن السياسيين هم الغائبون عن هذا النوع من المعاملات، وأن العلماء كانوا دائما بالمرصاد للربا والتنديد به.. ولا تمر فرصة ولا وقت إلا وينوهون بما أنزل الله في هذا الشأن، وما بينه رسوله في ذلك. وأما الذين انجروا للحديث عن التمويلات الشرعية أو البديلة – كما يسمونها – فقد ذكرت سابقا لماذا انجروا، وقلت إن الإخوة الشرقيين هددوا بالانسحاب من المغرب، إذا كان الآخرون سيضطرونهم للعمل بالربا.

* ولكن يلاحظ أن دور العلماء اقتصر في مثل هاته القضايا على سرد النصوص الشرعية بدون اجتهادات مسايرة للواقع وإعطاء بدائل ومشاريع؟

** العلماء نوعان: هناك علماء الجانب الرسمي، وأنت تعرف أنهم يداهنون ويدارون.. وهناك العلماء، الذين تسمونهم العلماء المستقلين والأحرار، الذين يصدعون بأمر الله ولا يخافون في الله لومة لائم، فجهودهم في هذا الميدان بينة ومشكورة، وهي واضحة كالشمس لا يستطيع أحد إنكارها.

* ولكن حتى في جانب العلماء المستقلين هناك من يسرد النصوص الشرعية فقط، ويكتفي بأسلوب “قال الله.. قال الرسول صلى الله عليه وسلم..”؟

** وماذا تريده أن يقول؟! ففي الدراسات الاقتصادية الآن في الأكاديميات والجامعات والكليات كل يعالج الأمر من زاويته، فالعلمانيون واليساريون يعالجونه بنظرة مادية محضة، والإسلاميون والعلماء ينطلقون من دينهم وشريعة نبيهم، ولا أعتقد أن هناك تخاذلا ولا تهميشا في هذا الأمر.

* أقول عن وسائل الترجيح واستخراج قضايا اجتهادية من هذه النصوص، فهناك من اجتهد في قيمة الفائدة مثلا؟

** العلماء في المغرب قاوموا الاستعمار الفرنسي، وبعد الاستقلال جاء المد اليساري، ورغم ذلك حاولوا المحافظة على الأصل، وأن يعرفوا الناس بحرمة الربا وتنفير الناس منه، وقد نجحوا في ذلك.

واليساريون والعلمانيون يسعون اليوم إلى منع المصارف الإسلامية بالمغرب؛ لأنهم يعلمون أن المغاربة ـ ملتزمين وغير ملتزمين ـ لهم حنين إلى دينهم وإلى شريعته، وحين تفتح أمامهم هذه المصارف، فسيذهبون إليها جميعا ولا يبقى أحد مع المصارف الأخرى، فهذا هو الذي يخشون، وهذا الذي سيقع.

ولا يزال العلماء يدافعون على دينهم ويدعون إلى شريعة ربهم في هذا المجال، ولا يزال العلمانيون واليساريون يمانعون ويعارضون.. وهكذا، فالصراع قائم بين الحق والباطل، والله تعالى معز دينه وناصر أولياءه والعاقبة للمتقين.

* من يقترحون المصارف الإسلامية يفكرون في فتح شبابيك خاصة ضمن البنوك الربوية، ويتعامل من يريد التعامل بالشرع معها؟

** أنا أقول: إذا اقتصر الأمر، فيما يسمى بالتمويلات البديلة أو الشرعية، على فتح شبابيك وصناديق فرعية في المؤسسات الربوية القائمة، فإن المغاربة لن يذهبوا إليها، ونحن سنعلن الحرب على هذا، فإما أن ينشئوا المصارف الإسلامية كما هي موجودة في كل مكان، في الشرق والغرب وتحت الرقابة الشرعية للعلماء، وإما فإن هذه الشبابيك لن تخدعنا، ولن تخدع الشعب المغربي.

* ولكن هناك مشاريع ودراسات لإعادة صياغة المنظومة الاقتصادية في البنوك وفق الرؤية الإسلامية.

** عندما تقول للمسلم، وللمغربي خاصة، إن هذا البنك الشعبي أو بنك المغرب أو بنك كذا فيه فرع للمعاملات الشرعية، فلن يصدق ذلك. فهو يقول: هذه مؤسسات ربوية فأوجدوا لنا مؤسسات بديلة ومستقلة أصلا وفرعا. فكما أن لهذه المؤسسات البنكية أصولا وفروعا، فلا بد أن تكون للبنوك الإسلامية أصولا وفروعا، مؤسسات أصيلة ومؤسسات تابعة لها، ولن يرضى المغاربة بأقل من ذلك.

* الدكتور أحمد الريسوني دعا – على الأقل – إلى وجود هيئة رقابية شرعية لهذه التمويلات واستبشر خيرا بهذه الدعوة لفتح الباب أمام التعاملات الإسلامية؟

** أعرف اعتدال أخينا الدكتور أحمد الريسوني، وهو أخونا وحبيبنا ويقدرنا ونقدره، وهو في هذا يقول: “وراء كل فجر كاذب فجر صادق”، ولذلك استبشر.. وأنا أقول: لا بد أن تعطونا مؤسسات بديلة لهذه المؤسسات ليحيا من حيي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، وليذهب اليساريون ومن شايعهم إلى البنوك الربوية، وليذهب الإسلاميون الملتزمون ومن ناصرهم إلى البنوك الإسلامية.. ولا نعتبر هذه البنوك إسلامية حتى تخضع للمعاملات الإسلامية، وتكون تحت رقابة لجان شرعية متخصصة، كما هو الشأن في المؤسسات الموجودة في الأقطار الأخرى من الدنيا.

* إذن هل ترضى بنصف الحل الآن.. مرحليا على الأقل؟

** طوال عمري لا أرضى بالحلول الوسط، إما حق وإما باطل، وليس بينهما وسط، “أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ* مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ”(القلم/35، 36)، وربنا الكريم يقول: “ِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا”(النساء/150، 151). فالذين جزءوا الإسلام وجعلوه عضين، وخلطوا في مبادئهم هم أشد كفرا من الذين عارضوه من أساسه.

* لكن هناك أسلوب التدرج والمرحلية في تطبيق هذا القرار بعدما تم ترسيخ التعاملات الربوية لعقود في المغرب؟

** التدرج هو أن ينشئوا مؤسسة إسلامية وبنك إسلامي أو مصرف إسلامي مستقل، لا أن يفتحوا صناديق لمؤسسة ربوية يختلط فيها الحلال بالحرام.. نحن نريد الحلال المحض. ومن قال لك إننا نريد أن نخلط الحلال بالحرام؟!

* ذكرت وجود لجنة من العلماء لمراقبة هذه التمويلات، فهل ستكون من العلماء الرسميين أو مستقلين؟

** نفرق بين العلماء، فالعلماء علماء: “إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ” (فاطر/28)، والعلماء عندما يتعلق الأمر بالأحكام والشريعة، فإنهم ينطلقون من النصوص الشرعية، ولا نقول هذا عالم مستقل وهذا غير مستقل. فإذا كانت هناك لجنة من أهل العلم والتقوى والورع تشرف على هذا فهنا سيكون التوفيق في التنفيذ.

وليس هذا فقط، فالأمر بالمغرب ناشئ من جديد، ولا بد للمغاربة أن يستفيدوا من تجارب من سبقهم في هذا المجال، عليهم أن يتركوا الأنانية ويتواضعوا ويأخذوا عمن سبقهم، وأن يبعثوا بعثات طلابية لكليات الاقتصاد في هذه البلدان ولهذه المؤسسات المالية ليأخذوا عنها ويستفيدوا من تجاربها، ومن دون هذا فلن يقوم الأمر ولن ينجح ولا يوفق فيه.

* تتعدد مداخل المطالبة بالتمويلات الإسلامية بالمغرب من جدل سياسي إلى نضال مدني إلى عرض إعلامي، أي المداخل التي يراها الشيخ محمد زحل كفيلة بتسريع تنفيذ هذا الاختيار الشعبي؟

** العلماء بفضل الله تعالى هم من بادر بنصح الشعب وبيان طريق الخير والشر، وعرفه بالحلال والحرام. ومن ثم فالدعوة إلى الله بالحسنى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وربط الناس بدينه تعالى هو أيسر السبل وأسهلها لتحقيق الغاية والحصول على المراد، وهذا الذي نراه.

والسياسة فيها وفيها، ولكن إذا أمكن التعامل بين هذه المداخل جميعا لتحقيق الغاية فمرحبا، وإذا لم يكن الأمر كذلك فسبيل الله واضحة وسبيل المجرمين بينة، وسبيل الدعوة إلى الله عز وجل وتعليم الناس وتحسيسهم بالحلال والحرام وتنفيرهم من الحرام كما نفر الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: “لأن يزني أحدكم ستا وثلاثين زنية أهون على الله أن يأكل درهما من الربا”، أو “الدرهم الواحد من الربا مثل أن ينكح الرجل أمه في الإسلام” وفي رواية “عند الكعبة”.. وكثير من الناس لما يسألونني في مجال الإسكان لا أجد وسيلة أقنعهم بها بسهولة غير هذا الأسلوب، الذي سلكه الرسول عليه الصلاة والسلام في التنفير من هذا الأمر.

أما عندما تتحدث لهم عن النصوص فهذا لا يجدي، وتزيد بالقول: إن هذا حرمه الله والرسول الكريم، وحتى إذا تحديت الشرع وسكنت بالربا، فستعيش من أول الأمر في مشاكل، وسيحدث شقاق مع زوجتك، وسينحرف الأولاد.. أما السكن بما هو طمأنينة وراحة فلن تحصل عليه، لأن الله تعالى توعد فاعله بالحرب.. وعندما يسمع الناس ذلك فإنهم يكفون عن ذلك ويقلعون.

* يرى بعض خصوم التوجه الإسلامي أن اشتداد المعركة حول التمويلات الإسلامية وضرورته بالمغرب نابع من بعد أخلاقي عاطفي ولا علاقة له بمجال التنمية الاقتصادية والمشاريع المنتجة، كيف تردون على هذا الرأي؟

** الإنسان ليس حجرا.. الإنسان مادة وروح، عقل وعاطفة، وربه الذي خلقه وأنشأه وعلم طبيعته بنى تربيته الدينية على الأمرين: على الترغيب والترهيب.. على الإقناع بالحجة، وعلى الترغيب بالموعظة الحسنة.

وبالتالي فإن الإنسان ليس آليا حتى يخاطب فيه عقله وحده، فهو مادة وروح وعقل، وإنما نجح القرآن في إقناع الإنسان لأنه جمع بين هذه الأساليب، فأحيانا يخاطب في الإنسان عقله، وأحيانا يخاطب فيه روحه ووجدانه، وأحيانا يربطه بمصالحه ورزقه: وما أنزل من السماء، وما أنبت وأخرج من الأرض.. فهذا المنهج هو الذي يحقق للإنسان السعادة والإقناع والوصول إلى الحقيقة.

* هذا على مستوى إقناع الفرد بجدوى التمويلات الشرعية، ولكن البعض يعتقد أن جانب التمويلات والاقتصاد لا علاقة له بالأخلاق، إذ إن هناك موازنات مالية يجب احتسابها، ومعادلات اقتصادية؟

** الذين سمحوا بهذه المؤسسات المالية المبنية على الشريعة في بلاد الغرب، ما دفعتهم لذلك العاطفة، وإنما دفعتهم المصلحة، ودفعهم أن هذه المؤسسات حققت الأرباح وصنعت ما لم تصنع المؤسسات الأخرى. ولذا قام منذرون من القوم يقولون بأن سبب الشقاء للإنسان في الغرب وفي العالم جزء منه يسببه الربا..هذا النظام الظالم، الذي يقوم على استنزاف الناس وجهودهم بوجود طائفة تجمع وتكدس، وطائفة تتعب ولا ترتاح لتعطي ثمارها هذه الطائفة.

* من خلال تجربتكم الدعوية وباعتباركم أحد مؤسسي العمل الإسلامي بالمغرب، ما سبب غياب التوجيه الشرعي في مجالات الاقتصاد والسياسة والاجتماع؟

** الشرع كله غائب عن الساحة، والدكتور أحمد الريسوني يقول دائما إن أكثر تطبيق الشريعة يتعلق بالأفراد ولا يتعلق بالسلطان.. وهذا صحيح من جانب، ولكن لا ننسى الجهود التي بذلها الاستعمار لمحو الشريعة وإحلال قوانينه محلها.. فالاستعمار لم يسمح في أثناء هيمنته وحكمه لبلاد الإسلام إلا بزاوية ضيقة في تطبيق المحاكم الشرعية فيما يسمى بالأحوال الشخصية. بينما سطا على كل الجوانب وأبعدها عن الشريعة.. والشريعة لم تكن مبعدة طوال القرون، بل كانت حاضرة في كل أقطار الإسلام إلى سقوط الخلافة العثمانية ودخول الاستعمار، فهو الذي فعل الأفاعيل.. وتفنن في إبعاد الشريعة عن هوية الأمة ولغتها ومقومات حياتها.

وبما أن الشريعة غابت عن الساحة، فالناس لا يتعاملون مع الأشباح، فهم يتعاملون مع الواقع، ولو أنه لا يسمح بدراسة الشريعة في القانون والعدالة فلن تجد من يهتم بها.. ولكن عندما تبسط الشريعة على حياة المجتمعات الإسلامية فستجد الكل يهتم بها: العامة والخاصة.

* أخيرا.. ما الآليات والخطوات المستعجلة لتنفيذ التمويلات الإسلامية بالمغرب الآن.. ما واجب الفرد والعالم؟

** لا بد من حملة دائمة، لا يقع فيها الملل ولا الكلل من العلماء والدعاة لتوعية الناس.. والناس والحمد لله في فطرتهم الوعي بشريعة الله وحبها والتعلق بها.

أما الآليات، فأنا لست متخصصا، ولكن لا بد أن نستفيد من الآخرين ونبعث بعثات طلابية لهذه المؤسسات المالية للاستفادة منها، ولا بد مع الخبرة من المراقبة الشرعية. ولا بد أن يجتمع على الأمر رغبة وموافقة الجميع، وأن يتحمس له الحكام والعلماء والمفكرون والدعاة وعامة الناس.

وكل أمر يحبه الله تحقيقه والسير في طريقه ليس مفروشا بالورود، ففي طريقه عقبات ومعوقات، ولا بد من الصبر.. وإذا صبر الإنسان حصل على مراده، ونال نعم الله تعالى، ويكون فتحه سبحانه وتعالى قريب، وهو ولينا وهو نعم المولى ونعم النصير.