إفتكار البنداري
“إنهم يقولون عنا إننا العثمانيون الجدد.. نعم نحن العثمانيون الجدد”.. عبارة صارمة أدلى بها لأول مرة وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو خلال لقائه مع نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم في معسكر “قيزلجه حمام” بالعاصمة أنقرة.
وتأتي أهمية هذا التصريح من أن أوغلو سبق أن رفض إطلاق البعض في داخل تركيا وخارجها هذا المصطلح “العثمانيون الجدد” على أعضاء حكومة الحزب ذي الجذور الإسلامية.

ومن يطلق هذا المصطلح على أعضاء حكومة حزب العدالة بقيادة رجب طيب أردوغان يقصد به أن هذه الحكومة تحاول بعث الوجه العثماني من جديد إلى جسد تركيا؛ بمعنى إعادة أسلمتها في الحياة الاجتماعية والعامة، وإعادة الاشتباك مع قضايا العالم الإسلامي بقوة، والتي عزفت عنها الحكومات العلمانية السابقة، ومد جسور التعاون مع جميع أنحاء العالم الإسلامي بدون استثناء.

طالع أيضا
تركيا العائدة وإسرائيل الحائرة (تقدير موقف)
تركيا.. إلى الشرق مجدداً
زعيم “العثمانيين الجدد”.. نجم الشرق الأوسط
أربكان: أظهروا لإسرائيل غضبة العثمانيين ( فيديو )
غير أنه يبدو أن تبني داود أوغلو لهذه الصفة في معسكر “قيزلجه حمام” لا يعني به من قريب أو بعيد الطابع الإسلامي المزعوم لحكومته أو سياستها، ولكنه كان يتحدث عن الشأن الذي يخصه، وهو حدود السياسة الخارجية.

ووفق ما نقله عنه موقع “أخبار العالم” التركي الثلاثاء 24-11-2009 فسَّر أوغلو ما يقصده قائلا: “إن لدينا ميراثا آل إلينا من الدولة العثمانية.. إنهم يقولون عنا إننا العثمانيون الجدد، نعم نحن العثمانيون الجدد، ونجد أنفسنا ملزمين بالاهتمام بالدول الواقعة في منطقتنا، نحن ننفتح على العالم كله، حتى في شمال إفريقيا”.

ويبدو أن أكثر من كان يقصدهم أوغلو في عبارته “إنهم يقولون” الغرب الذين أبدوا قلقهم في الشهور الأخيرة من الانفتاح التركي على العالم الإسلامي وإفريقيا.

وفي هذا قال أوغلو في كلمته: “الدول العظمى تتابعنا بدهشة وتعجب، وخاصة فرنسا التي تفتش وراءنا لتعلم لماذا ننفتح على شمال إفريقيا”.

وفي لهجة يشوبها التحدي قال: “لقد أعطيت أوامري إلى الخارجية التركية بأن يجد ساركوزي (الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي) كلما رفع رأسه في إفريقيا سفارة تركية عليها العلم التركي، وأكدت أن تكون سفاراتنا في أحسن المواقع داخل الدول الإفريقية”.

وخصَّ أوغلو فرنسا وساركوزي بالذكر لرفضهما الشديد انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وكأنها إشارة من أوغلو إلى أن لأنقرة بدائل عدة لتقوية مكانتها الدولية عبر التواصل مع مناطق أخرى في العالم غير الاتحاد الأوروبي.

وقبل ذلك رفض أوغلو وصفه بـ”العثماني الجديد” عقب توليه الوزارة مع انفتاحه على دول العالم الإسلامي، خاصة مع رحلاته المتلاحقة بشكل متسارع ومثمر إلى سوريا وإيران والعراق والخليج وغيرهم، مفضلا على ذلك أن يوصف بأنه صاحب سياسة “تصفير العلاقات”، بمعني محو جميع أسباب الخلاف مع جميع الدول المحيطة سواء في الشرق أو الغرب، وإعادة بنائها من جديد على أسس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

وقد وضع الملامح العامة لهذه الدبلوماسية حتى قبل توليه مهامه كوزير للخارجية (مايو 2008) عندما كان مستشارا لرئيس حكومة أردوغان، وهي السياسة التي تعد تحولا جذريا للسياسة الخارجية التركية التي دأبت عليها معظم الحكومات السابقة، والتي كانت تضع عنوانا لها العبارة الشهيرة لمصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة عام 1923، “لا صديق للتركي سوى التركي”، مع احتفاظه بحق الأتراك في التواصل مع العالم الغربي فقط للاستفادة من تقدمه، والابتعاد تماما عن العالم الإسلامي “المتخلف” بحسب رؤيته.

“مجد أجدادنا”

ولم يسبق أن نقل عن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان تصريحه بقبوله صفة “العثمانيين الجدد” على نفسه أو أعضاء حكومته، لكنه دائم التذكير بالإرث العثماني لتركيا، والذي كثيرا ما يذكر به شبابها خلال خطاباته الجماهيرية عندما يتحدث عن “مجد أجدادهم وتسامحهم مع جميع الأقليات الدينية والعرقية التي كانت مطوية في رداء الدولة العثمانية، ودورهم الحضاري في قيادة العالم لعدة قرون”.

وفي إحيائه لإرث أجداده العثمانيين في داخل البلاد يبذل أردوغان مع حكومته حاليا جهودا مضنية لحشد أكبر تأييد ممكن في الرأي العام لمبادرته الخاصة بالتوصل لحل سلمي مع الأكراد الذين يخوض معهم الجيش التركي معارك مسلحة منذ عام 1984 على خلفية محاولة بعض الأكراد الانفصال عن تركيا بحجة تلقيهم معاملة عنصرية.

وتثير هذه الإشارات الأردوغانية للجذور العثمانية الإسلامية لتركيا قلق وضيق خصومه في الداخل من الكماليين، وهؤلاء هم من كان يشير لهم خلال كلمته في ذات المعسكر الذي تحدث فيه داود أوغلو (قيزلجيه حمام) بقوله: “لقد أطلقنا مبادرتنا الديمقراطية تجاه الأكراد.. والآن نحضر لمبادرات مماثلة للعلويين والغجر الذين عانوا التمييز العنصري لسنوات طويلة (على عكس أجواء التسامح والمساواة التي كان يعيشونها في كنف الدولة العثمانية)؛ لنضع حدا لسياسة العنف تجاه أي أقلية تمثل عرقا أو دينا مختلفا في تركيا”.

ووصف أولئك الذين يرفضون هذا الانفتاح على بقية مكونات المجتمع التركي بأنهم “يريدون حبس تركيا في قفص”.. متابعا بإصرار: “نحن نتحرك للأمام برؤيتنا، ويقوينا في هذا ماضينا، وأخوتنا، وتضامننا، وتعاوننا”.

وحرص الكماليون الذين حكموا تركيا في معظم الـ80 عاما الماضية منذ عهد أتاتورك على قطع كل صلة بين تركيا الحديثة العلمانية والدولة العثمانية الإسلامية، بحجة أن الهوية التركية كانت ذائبة وغير ظاهرة بالمرة خلال الفترة العثمانية، ولم تظهر مصطلحات الأتراك وتركيا والهوية التركية إلا بعد إعلان كمال مصطفى أتاتورك قيام الجمهورية التركية وإسقاط الدولة العثمانية ثم إلغاء الخلافة الإسلامية.

وكان من بين إجراءات شاملة وجذرية نفذها أتاتورك ومن بعده أتباعه لمحو الملامح العثمانية الإسلامية من على وجه وعقل تركيا لفت وجهها ناحية الغرب، ولفها بالرداء الأوروبي في معظم مناحي الحياة، خاصة الاجتماعية منها.

وجاءت سياسات حكومة رجب طيب أردوغان التي تولت الحكم لأول مرة عام 2002 كنقطة تحول مفصلية في تاريخ تركيا، زادت من “اتهامه” بمحاولة إحياء الروح العثمانية من جديد، خاصة مع أجواء الحرية الدينية التي تسعى حكومته لتوفيرها للمحجبات وطلاب المدارس الدينية والاحتفالات الدينية، وخطتها للتصالح مع الأقليات، وصدامها مع إسرائيل على خلفية سياساتها في الأراضي الفلسطينية، والاتفاقيات الكبرى التي وقعها مع دول العالم الإسلامي التي وصلت لحد إلغاء تأشيرات الدخول مع بعضها كما حدث مع سوريا.