ميجيل دياز وباولو روبرتو ألميدا

إعداد – محمد عبد الله يونس


لا يختلف الباحثون في حقل العلاقات الدولية على أن بنية النظام الدولي تشهد في المرحلة الراهنة تغيرات هيكلية في توازن القوى التقليدي تؤثر كما وكيفا على مجمل التفاعلات بين الفاعلين الدوليين، ومن ثم على طبيعة القواعد الحاكمة لهذه التفاعلات. وتعززت قناعة هؤلاء الباحثين على إثر تداعيات الأزمة المالية العالمية، ونتيجة لتصاعد أهمية قضايا دولية عالمية غير تقليدية، تتجاوز آثارها السلبية الحدود السياسية للدول؛ مثل تغير المناخ والانتشار النووي والتلوث والإرهاب وتدفق اللاجئين وأمن الطاقة وغيرها.

وقد تمثل التحول الرئيسي في بنية النظام الدولي، والذي اجتذب اهتمام المحللين بصورة ملحوظة، في صعود قوى دولية جديدة، حققت نموًّا اقتصاديًّا منتظمًا، فضلا عن امتلاكها من المقومات والإمكانات المادية والثقافية والتاريخية ما يمكنها من الإسهام في وضع القواعد الحاكمة للتفاعلات الدولية، وممارسة أدوار فاعلة على المستوى الدولي.

طالع أيضا:
البرازيل.. معلومات أساسية

وتعد البرازيل من أهم تلك القوى الصاعدة في قارة أمريكا الجنوبية، حيث استطاعت تخطي فترات عدم الاستقرار السياسي التي شهدتها منذ نهاية فترة الحكم العسكري في عام 1985- وخاصة في عام 1992 مع توجيه اتهامات بالفساد لفيرناندو كولور دي ميللو أول رئيس برازيلي منتخب في عام 1992، وفي عام 1997 حيث التداعيات الكارثية للأزمة المالية العالمية- لتصبح من أكثر الدول المؤهلة للقيام بدور محوري على المستوي الدولي.

مقومات الدور العالمي للبرازيل

تمكنت البرازيل من تخطي حاجز اللغة التاريخي الذي فصلها عن بقية دول أمريكا اللاتينية الناطقة بالإسبانية (البرازيل هي الدولة الوحيدة في أمريكا الجنوبية الناطقة بالبرتغالية)، وتمكنت من تعزيز نفوذها في محيطها الإقليمي منذ عودة الحكم المدني، مع تركيزها على التعبير عن قضايا أمريكا الجنوبية ومصالح الدول النامية في مختلف المؤسسات الدولية، لتصبح -وبحق- متحدثًا رسميًّا باسم أمريكا الجنوبية. ولعل هذا يفسر وصف وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندليزا رايس البرازيل، في عام 2007، بأنها “قوة إقليمية وشريك عالمي”، وهو وصف لم توصف به البرازيل على مدار تاريخها الحديث.

1- الثوابت الجغرافية والديموغرافية:

تضافرت عدة مقومات وثوابت لتسهم في تفرد البرازيل بمكانة إقليمية ودولية متميزة، فعلى المستوى الجغرافي تعد البرازيل خامس أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، حيث تبلغ مساحة إقليمها حوالي 8.5 مليون كم2، أي ما يقرب من نصف مساحة أمريكا الجنوبية. ويتميز إقليمها بالتنوع الطبوغرافي، وتحتل الجبال المنخفضة والهضاب الواسعة ثلثي مساحة البرازيل. ويتكون الجزء المتبقي من أراضٍ منخفضة تكسوها الغابات وتخترقها أنهار متعددة مثل الأمازون وبارانا وتابهوس وزينغو، وهو ما يضمن تمتع البرازيل بموارد مائية وفيرة، بالإضافة إلى الثروات الطبيعية المرتبطة بالتنوع البيولوجي، والثروات المعدنية، خاصة رواسب الحديد والذهب والألمونيوم.

وتتمتع البرازيل باحتياطات بترولية تصل إلى حوالي 12.6 مليار برميل من النفط، وحوالي 365 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، ويتوقع أن تحتل البرازيل مرتبة متقدمة بين منتجي النفط خلال فترة لا تزيد على عشرة أعوام، ناهيك عن تقدم البرازيل في مجال الطاقة الحيوية واعتمادها على الإيثانول المستخرج من قصب السكر في إمداد السيارات بالوقود.

وعلى المستوى الديموغرافي تحتل البرازيل المرتبة الخامسة على مستوى العالم من حيث عدد السكان، (يبلغ عدد سكانها حوالي 198 مليون نسمة)، ويمكن اعتبار البرازيل دولة حضرية، حيث يقطن حوالي ثلاثة أرباع سكانها في المدن الحضرية الكبرى مثل ريو دي جانيرو وساو باولو، التي تعد العاصمة الصناعية والتجارية للبرازيل. كما يقطن عدد كبير من المواطنين، ممن يعيشون تحت خط الفقر، في المناطق الريفية.

وتتسم التركيبة السكانية في البرازيل بالتنوع، بحيث يمكن اعتبارها نموذجًا مثاليًّا للتعايش بين عرقيات وثقافات متعددة. وعادة ما كانت البرازيل بوتقة صهر لجميع سكانها على غرار الولايات المتحدة الأمريكية. وفي حين لا تتجاوز نسبة السكان الأصليين حوالي 1 % من مجموع السكان، يمثل المهاجرون الأوروبيون غالبية السكان. وتضم البرازيل أكبر عدد من المواطنين المنحدرين من أصول إفريقية، خارج إفريقيا، وأكبر عدد ممن ينحدرون من أصول يابانية خارج اليابان، بالإضافة للمهاجرين الأوروبيين، وعدد كبير ممن ينحدرون من أصول شرق أوسطية أغلبيتهم من اللبنانيين.

بيد أن نجاح البرازيل في الآونة الأخيرة في ممارسة دور متفرد على المستوى الدولي، بحيث باتت مرشحة لشغل مقعد دائم في مجلس الأمن عن قارة أمريكا الجنوبية، ارتبط بعدة تطورات على المستويين الداخلي والخارجي منذ نهاية فترة الحكم العسكري وعودة الحكم المدني في عام 1985. فقد تمكنت البرازيل من تحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي، ناهيك عن تطوير دبلوماسية نشطة تعتمد على الربط بين موقع البرازيل كقوة محورية في منطقة أمريكا اللاتينية وبين انتمائها لدول الجنوب النامية وتمثيلها لمصالح تلك الدول في مواجهة دول الغرب المتقدمة.

2- الاستقرار الاقتصادي:

استعاد الاقتصاد البرازيلي أداءه المتوازن خلال فترة لا تتجاوز عشرين عامًا، بحيث تخطى الاقتصاد معدلات التضخم المرتفعة التي وصلت في التسعينيات إلى حوالي 2300% سنويًا، منذ ذلك الحين حقق الاقتصاد البرازيلي معدل نمو لا يقل عن 5% سنويًا حتى بعد الأزمة المالية العالمية عام 2007. وتمكنت البرازيل من زيادة احتياطاتها النقدية إلى حوالي 200 مليار دولار، كما تجاوز حجم الناتج المحلي الإجمالي للبرازيل، في نهاية عام 2008، حوالي 1.6 تريليون دولار، ما مكن الاقتصاد البرازيلي من احتلال المرتبة العاشرة على المستوى العالمي من حيث مؤشرات النمو.

ومن خلال مبادرات التصدي للفقر، تمكنت البرازيل من تحسين الأوضاع الاجتماعية لمواطنيها من خلال توفير حد أدنى من الدخل الثابت لحوالي 45 مليون مواطن برازيلي. وتشير إحصاءات مؤسسة “جتوليو فارجاس” إلى أن دخل أفقر 10% من مواطني البرازيل قد ازداد بنسبة 58% بين عامي 2001 و2006، وهو ما تواكب مع زيادة دخل أغنى 10% من المواطنين بنسبة 7% خلال نفس الفترة.

وتعد الشركات البرازيلية الكبرى من أهم دعائم استقرار الاقتصاد البرازيلي، وتنشط هذه الشركات في مجالات اقتصادية وإنتاجية متعددة مثل التعدين والطيران والإعلان والبتروكيماويات. وباتت شركات كبرى مثل “فال” و”يوزيميناس” و”إيمبارير” وشركة “بتروباس” البترولية المملوكة للدولة من أهم ركائز الاقتصاد البرازيلي. ويمكن إرجاع جانب من قوة الاقتصاد البرازيلي إلى قرار الرئيس البرازيلي الحالي لولا دا سيلفا الاستمرار في اتباع السياسات الاقتصادية الليبرالية التي دشنها سلفه هنريك كاردوسو، على الرغم من انتماء لولا دا سيلفا إلى تيار اليسار.

ويعد الاقتصاد البرازيلي من أكثر الاقتصادات الصاعدة جذبًا للاستثمار، فقد بلغ حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2007 حوالي 37 مليار دولار، وهو ما يقدر بضعف حجم الاستثمارات الأجنبية التي تدفقت على الاقتصاد البرازيلي خلال عام 2006.

وبناء على تلك المؤشرات، توقع جولدمان ساشس أن يصبح الاقتصاد البرازيلي الاقتصاد السادس على مستوى العالم بحلول عام 2050، وذلك إذا استمر في النمو بمعدل لا يقل عن 306% خلال السنوات المقبلة. ووفق التقديرات سالفة الذكر، من المتوقع أن يجاوز حجم الاقتصاد البرازيلي  نظيره الإيطالي بحلول عام 2025، وأن يتساوى مع اقتصادات كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا بحلول عام 2031.

وعلى الرغم من السياسة الليبرالية التي تبناها دا سيلفا، فقد ظل الاقتصاد البرازيلي منغلقًا نسبيًا، إذ لا تتعدى نسبة التجارة الخارجية منة الناتج المحلي الإجمالي حوالي 25%. ومن المرجح أن تبدأ الحكومة البرازيلية موجة ثانية من الإصلاحات الاقتصادية للتصدي لتصاعد العبء الضريبي الذي وصلت نسبته إلى حوالي 38% من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة لتردي أوضاع الاقتصاد العالمي، ومن ثم ضعف قدرته على استيعاب الصادرات البرازيلية ومحدودية خيارات التحفيز المالي.

ويتوقع أن تشمل الإصلاحات الاقتصادية استئناف برنامج خصخصة الشركات المملوكة للدولة، وتنشيط الاقتصاد لخلق وظائف جديدة لاسيما مع الزيادة التي شهدتها أعداد الموظفين الحكوميين في البرازيل من 900 ألف إلى 1.1 مليون خلال الأعوام الست الماضية، فضلًا عن تنظيم الاقتصاد غير الرسمي الذي يصل إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي إلى حوالي 40%، وتحسين أوضاع الفقراء الذين تصل نسبتهم لحوالي 20% من إجمالي عدد السكان.

3- النهضة السياسية:

لم يكن استمرار الحكم المدني الديمقراطي في البرازيل لمدة عشرين عامًا متواصلة منذ نهاية فترة الحكم العسكري، بالأمر السهل خاصة بعد وفاة تانكريدو دي ألميدا نيفيز أول رئيس منتخب من جانب المجلس التشريعي وممثلي الولايات قبل توليه السلطة رسميًا وبعد إجبار الرئيس فيرناندو كولور دي ميللو أول رئيس منتخب بصورة مباشرة من جانب الشعب في عام 1992 على الاستقالة على إثر اتهامات بالفساد. ولم تشهد البرازيل استقرارًا على المستوى السياسي سوى مع انتخاب فيرناندو هنريك كاردوسو رئيسًا في عام 1994.

تمكن كاردوسو من إقامة دعائم النظام المدني مستعينًا بخلفيته العلمية كأستاذ لعلم الاجتماع وخبراته كناشط سياسي قضى فترة طويلة من عمره في المنفى إبان فترة الحكم العسكري، إلى جانب خبراته كوزير للخارجية ثم وزير للمالية خلال فترة حكم اتمار أوجوستو فرانكو منذ عام 1992. وعقب فوزه في الانتخابات الرئاسية عام 1994 على منافسه لولا دا سيلفا بدأ كاردوسو في تنفيذ إصلاحات اقتصادية وسياسية ساهمت في إعادة انتخابه مجددا للرئاسة عام 1998. وامتنع كاردوسو عن تعديل الدستور بشكل يمكنه من الترشح لفترة رئاسية ثالثة كما كان يرغب مؤيدوه. بل وساهم بشكل غير مباشر في انتخاب لولا دا سيلفا للرئاسة بإصراره على اتخاذ موقف محايد من الانتخابات الرئاسية.

وقد أثرى انتخاب لولا دا سيلفا رئيسًا في عام 2002 التجربة السياسية البرازيلية من عدة جوانب، على رأسها تجاوز مرحلة “الانتقال الديمقراطي” إلى رسوخ عملية التحول الديمقراطي في البرازيل، وذلك بنجاح مرشح من التيار اليساري المعارض في الوصول لسدة الرئاسة دون حدوث انقلاب عسكري، في مقابل قبول لولا دا سيلفا بعدم إجراء تغيير جذري في السياسات الاقتصادية الليبرالية التي أرساها الرئيس كاردوسو تجنبًا لتداعيات ذلك على الاستثمارات الأجنبية في مختلف قطاعات الاقتصاد البرازيلي. كما أسهمت خلفية دا سيلفا كيساري وقيادي في النقابات العمالية في تدعيم استقرار النظام السياسي والارتقاء بنشاط مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية.

دوائر السياسة الخارجية

اتسمت الدبلوماسية البرازيلية خلال عهدي فردريك كاردوسو ولولا دا سيلفا بقدر كبير من الفاعلية، وبدأت سياسة البرازيل الخارجية تنحو تجاه الانخراط في المبادرات والتحالفات متعددة الأطراف. ويدل على ذلك تجاوب البرازيل مع اقتراح الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين بتوسيع مجموعة الدول الثماني لتصبح مجموعة الثلاث عشر G13. كما نجحت البرازيل في تحويل مجموعة الـ BRIC (الأحرف الأولى من أسماء دول البرازيل وروسيا والهند و الصين) من مجرد أفكار وطروحات تحليلية للاقتصادي جولدمان ساشيس إلى إطار تشاوري فاعل بين الدول الأربع، لاسيما بعد عقد أول مؤتمر لوزراء خارجية تلك الدول في مدينة يكاترينبرج الروسية في 16 مايو 2008، ثم عقد أول قمة لقادتها في مدينة يكاترينبرج في 16 يونيو 2009، وذلك لمناقشة مشكلات الاقتصاد العالمي وكيف يمكن للدول النامية مواجهتها.

1- التقارب مع القوى الصاعدة

تميل الدبلوماسية البرازيلية إلى التقارب مع القوى الدولية الصاعدة مثل الهند والصين وجنوب إفريقي، وتعمل على تعزيز أواصر العلاقات معها في مواجهة القوى الاقتصادية التقليدية. ويمكن الاستدلال على ذلك بالموقف البرازيلي المؤيد لإنشاء مجموعة العشرين الاقتصادية في اجتماعات منظمة التجارة العالمية على المستوي الوزاري في كانكون عام 2003، رغم الخلافات بين مواقف الدول الأعضاء في تلك المجموعة والتي باتت واضحة بعد انهيار محادثات منظمة التجارة العالمية بجنيف لتحرير التجارة في أغسطس 2008.

ورغم أن البرازيل لم تكن البرازيل مؤيدة لمواقف كل من الهند والصين خلال محادثات منظمة التجارة العالمية بجنيف، فقد عملت على تعزيز العلاقات التجارية معهما نتيجة إدراكها ما تمثله أسواق كلتا الدولتين من ربحية اقتصادية للاقتصاد البرازيلي.

وفي المقابل لم تهمل البرازيل كلية تعزيز علاقاتها مع القوى الدولية التقليدية، وإنما باتت دبلوماسيتها تتمتع بقدر كبير من الانتقائية والتوازن، وهو ما يتضح في انضمامها للمبادرة الفرنسية لمحاربة انتشار الايدز خلال الفترة الرئاسية الأولى للرئيس دا سيلفا، وكذلك انضمامها لمبادرة اليابان لمكافحة التغير المناخي، فضلا عن التزامها بالتعاون مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بتوسيع نطاق استخدام الوقود الحيوي.

ومن جهة أخرى، استفادت البرازيل من عدة تغيرات محورية على المستوى الدولي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، تمثل أبرزها في تراجع نفوذ الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، ما مكن البرازيل من تعزيز نفوذها والقيام بدور الوسيط وصانع السلام بين دول أمريكا اللاتينية، وهو ما أدى إلى تصاعد النفوذ البرازيلي في أمريكا اللاتينية بشكل لم يكن من الممكن تصوره إبان الهيمنة الأمريكية على شئون القارة انطلاقا من اعتبارها الدائرة الحيوية الأولى للأمن القومي الأمريكي. فعلى سبيل المثال قامت البرازيل بالوساطة في التوتر الحدودي بين فنزويلا وكولومبيا في مارس 2008، بعد قيام كاراكاس بالتدخل العسكري في الإكوادور.

2- دور قيادي في أمريكا اللاتينية

تتمتع البرازيل على المستوى الإقليمي بمكانة متفردة وبوضع قيادي في الإقليم نظرا لمساحتها الكبيرة واقتصادها القوي، وهو ما يميزها عن فنزويلا منافسها الإقليمي الرئيسي.

بدأ الدور القيادي للبرازيل في أمريكا اللاتينية خلال فترة رئاسة “جوزيه سارني” منذ عام 1986، وقد سعى سارني لتوثيق علاقات البرازيل مع الأرجنتين بعد سنوات من التوتر، ونجح في تدشين اتحاد جمركي معها سرعان ما امتد ليشمل باراجواي وأوروجواي. وتحول الاتحاد الجمركي فيما بعد إلى اتفاقية السوق المشتركة بين دول أمريكا الجنوبية (ميركوسور)، والتي تم تدشينها في مارس 1991. وبالرغم من إخفاقها نسبيًا في تحقيق التوقعات الاقتصادية التي صاحبت إنشائها، فإنها أسهمت في تقوية الروابط السياسية بين الدول الأعضاء.

واكتسبت الدبلوماسية البرازيلية زخما ملحوظا خلال فترتي رئاسة كاردوسو، مع تركيز إدارته على لعب أدوار الوساطة وصنع السلام في المحيط الإقليمي، مثل الوساطة التي قامت بها البرازيل مع كل من الأرجنتين وشيلي والولايات المتحدة في النزاع بين بيرو والإكوادور، والتي أسفرت عن توقيع اتفاقية سلام بين الدولتين عام 1995، وكذلك المساعدة على منع انقلاب عسكري في باراجواي.

وفي السياق ذاته تمكن الرئيس كاردوسو من رعاية أول قمة إقليمية في أمريكا الجنوبية تم عقدها في البرازيل عام 2000 بحضور جميع قادة دول أمريكا الجنوبية، وتمكنوا خلالها من إطلاق “مبادرة التكامل الإقليمي في أمريكا الجنوبية”، تشمل بناء خطوط اتصال ومواصلات لتسهيل الانتقال بين دول الإقليم.

ومع انتخاب لولا دا سيلفا رئيسًا عام 2002، استمر النفوذ الإقليمي للبرازيل في التصاعد، فالتاريخ السياسي لدا سيلفا كمناضل سياسي وناشط عمالي يساري كان أحد عوامل تميزه بين قادة الإقليم، واعتباره مثال يحتذى لقادة التيار اليساري. وأدى صعود دا سيلفا إلى إكساب الساسة اليساريين الجدد في أمريكا الجنوبية مزيدا من الاحترام، الذي كان أحد عوامل صعود اليسار في الإقليم، لاسيما بعد انتخاب ميشال باشيلت في شيلي وتاباريه فاسكيس في أوروجواي. ولم يكن أمام الرئيسين هوجو تشافيز في فنزويلا وإيفو موراليس في بوليفيا سوى الاعتراف بمكانة لولا كرئيس ينتمي للتيار اليساري. ومن جهة أخرى ساهمت سياسات دا سيلفا الاقتصادية الليبرالية في تعزيز علاقات البرازيل مع حكومات يمين الوسط في الإقليم وخاصة في كولومبيا.

وبدأت انجازات لولا دا سيلفا الدبلوماسية في أمريكا اللاتينية في الظهور مع نجاحه في التقريب بين وجهات نظر دول الإقليم بهدف توقيع الاتفاق التأسيسي لاتحاد أمم أمريكا الجنوبية (أونسار) في مايو 2008، وذلك على الرغم من العقبات التي اعترضت إقراره. وينص الاتفاق على تحقيق التكامل الإقليمي في مجالات الطاقة والنقل والبنية التحتية، بالإضافة لإنشاء برلمان مشترك لدول أمريكا الجنوبية وأمانة عامة للمنظمة. وبالرغم من توقع البرازيل لاحتمالية عدم تحقيق أونسار للأهداف التي أنشئ لأجلها (مثل إنشاء منطقة تجارة حرة للسلع غير الحساسة بحلول عام 2014، وللسلع الأخرى بحلول عام 2019)، إلا أنه يظل إطارا مؤسسيا لحل الخلافات بين دول أمريكا الجنوبية بالطرق السلمية.

وفي السياق ذاته نجحت البرازيل في جمع قادة دول أمريكا الجنوبية بمدينة سانتييجو في شيلي للتباحث حول الاستقطاب السياسي في بوليفيا، كما قامت بدور رئيسي في استعادة الاستقرار في هاييتي بعدما تم اختيارها كرئيس لبعثة الأمم المتحدة لحفظ الاستقرار والأمن في هاييتي، واستطاعت أيضا تعزيز نفوذها في المنطقة بقرارها قبول ضم السلفادور لمبادرة الإيثانول العالمية.

واعتمدت البرازيل على عقد مؤتمرات التعاون الإقليمي بين أمريكا اللاتينية والأقاليم الأخرى لتعزيز مكانتها القيادية، وعقدت منذ عام 2005 مؤتمرين قمة للتعاون بين أمريكا اللاتينية والعالم العربي والقارة الإفريقية، وبذلك أصبحت البرازيل المتحدث الرسمي باسم أمريكا الجنوبية في المحافل الدولية.

وتتمثل الإشكالية الرئيسية التي تواجه الدور القيادي للبرازيل في أمريكا اللاتينية في التنافس الإقليمي مع فنزويلا، خاصة مع تولي هوجو شافيز لرئاستها وسعيه لاستغلال ثروات بلاده النفطية لترويج مشروعه البوليفاري وتصوير البرازيل على أنها مجرد دولة تابعة للولايات المتحدة. ففي عام 2007، انتقد شافيز وقادة الدول الحليفة له في كوبا ونيكاراجوا وبوليفيا البرازيل لكونها عضو في مبادرة الوقود الحيوي العالمية بقيادة الولايات المتحدة، باعتبارها السبب الرئيسي لأزمة الغذاء العالمي. وكان هذا الانتقاد أحد الأسباب التي دفعت البرازيل لعدم تأييد مشروع شافيز لمد خط غاز إقليمي يربط دول أمريكا اللاتينية.

أما الإشكالية الثانية التي تواجه البرازيل فتتمثل في الشكاوي المتكررة من جانب جيرانها مثل بارجواي وسورينام من عدم وفاءها بوعودها بإمدادهم بالمساعدات المادية.

وبالرغم من تلك الإشكاليات، تظل البرازيل أكثر دول أمريكا الجنوبية المؤهلة للعب دور محوري على المستوي الإقليمي. ويعد الازدهار الاقتصادي أحد أهم دعائم مكانتها الإقليمية، ولعل هذا ما يفسر توافد العمالة من دول أمريكا اللاتينية عليها سواء بالطرق الشرعية أو غير الشرعية. وفي هذا الإطار تشير الإحصاءات الحكومية البرازيلية إلى أن تحويلات العمال الأجانب من دول أمريكا اللاتينية بالبرازيل قد وصلت إلى حوالي 1 مليار دولار، وما زالت مستمرة في التصاعد.

وبجانب توافد العمالة، تحاول شركات أمريكا اللاتينية تدشين فروع لها في جميع أنحاء البرازيل، ودائما ما يحاول الرئيس دا سيلفا استثمار ذلك عبر اقتراح قيام الشركات البرازيلية بشراء منتجات الشركات اللاتينية حتى ولو لم ينطوِ على تحقيق هامش ربح. وقدم دا سلفا تنازلات عديدة لتدعيم علاقاته مع دول الجوار مثل دفع الرسوم المرتفعة التي فرضتها الحكومة اليسارية الجديدة في بارجواي مقابل إمداد البرازيل بالطاقة الكهربية المتولدة من سد إيتابو.


ميجيل دياز محامي برازيلي عمل مستشارا للعديد من الوزراء في الحكومة البرازيلية. باولو روبرتو ألميدا أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في جامعة Uniceub البرازيلية، وأستاذ مساعد في معهد “ريو برانكو” Rio Branco التابع للأكاديمية الدبلوماسية البرازيلية.

*عرض موجز للفصل الخامس من كتاب “القوى والمبادئ.. القيادة الدولية في عالم آخذ في التقلص”، الصادر عن مؤسسة ستانلي الأمريكية، مايو 2009. ومؤسسة ستانلي هي مركز فكري أمريكي أنشئ عام 1956، يهتم بقضايا العلاقات الدولية ويهدف إلى تعزيز التعاون العالمي وتطوير رؤية عامة وحوار بناء حول القضايا العالمية الهامة.