محمد صبرة

الدوحة– كشف الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أنه يكتم اجتهادات فقهية وفتاوى حول قضايا معاصرة تجنبا لتشويش الجماهير عليه، مشيرا إلى أنه أخفى فتواه بجواز مصافحة الرجال للنساء الأجانب عند الضرورة لعدة سنوات.

وفي الندوة التي نظمتها وزارة الأوقاف القطرية مساء أمس الإثنين للاحتفال بذكرى الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، أشهر قضاة قطر وعلمائها طوال الستين عاما الأخيرة، قال الدكتور القرضاوي: إن “كثيرا من العلماء المعاصرين يتخوفون من إعلان اجتهاداتهم التي تخالف الآراء السائدة”.

وفاجأ القرضاوي الحضور بقوله: “كان لي رأي في مصافحة الرجل للمرأة وصلت إليه ولم أنشره إلا بعد سنوات خشية أن يشوش الناس علي”، مشيرا إلى أنه يرى “جواز مصافحة الرجل للمرأة بشرطين هما أن تكون هناك ضرورة، وحال أمنت الفتنة”.

طالع أيضا:

وضرب مثلا عمليا لفتواه بما يحدث له عند زيارة قريته “صفط تراب” التابعة لمدينة المحلة الكبرى شمال القاهرة وتستقبله قريباته -بنات العم والخال والجارات- وهن يمددن أيديهن فيضطر لمصافحتهن.

واعتبر “أن الفتنة مأمونة في تلك المصافحة بحكم القرابة وكبر السن، وليس من اللائق رد يد القريبة أو الجارة الممدودة يدها بالسلام”، موضحا أنه لم يجرؤ على نشر الفتوى لسنوات، ثم نشرها في الجزء الثاني من كتابه “فتاوى معاصرة”.

وجاء كشف القرضاوي عن إخفاء هذه الفتوى في معرض حديثه عن الشجاعة الأدبية والعلمية للشيخ بن محمود، مشيرا إلى أن بن محمود أفتى بجواز إحرام الحجاج من مطار جدة بدلا من إحرامهم بالطائرات، وبجواز رمي الحجاج للجمرات قبل الزوال أيام العاشر والحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة، وبجواز حلق الشعر وقص الأظافر للمضحي في الأيام العشر الأولى من ذي الحجة….؟

وشدد القرضاوي على ضرورة تحلي العلماء بالشجاعة العلمية في اختيار الرأي الذي يقتنعون بصحته والشجاعة الأدبية في إعلان الرأي للناس.

وقال: إن “هناك علماء متحررون يسيرون وراء الدليل، وليس وراء فلان أو علان، ينظرون إلى ما قيل، لا من قال، وقد يصلون باجتهادهم إلى آراء لها قيمتها في ميزان العلم، ولكنهم يحتفظون بها في صدورهم، أو يفتون بها لخاصة خاصتهم ولا يجرؤون أن يعلنوها للناس، خشية من هياج العامة أو سخط الخاصة، وخوفا من أن تتعرض سمعتهم للتشويش من الحرفيين والجامدين”.

وفي هذا الصدد ذكر القرضاوي أن الشيخ محمد أبو زهرة، أحد كبار علماء الأزهر الراحلين، أخفى رأيه في حد رجم الزاني المحصن 20 عاما، ثم أعلنه أمام علماء مختصين منهم الشيخ مصطفى الزرقا، والدكتور صبحي الصالح، والدكتور حسين حامد حسان في ندوة عن “التشريع الإسلامي” في ليبيا عام 1972.

وكان الشيخ أبو زهرة يرى أن رجم الزاني المحصن كان شريعة يهودية، أقرها الرسول في أول الأمر، ثم نسخت بحد الجلد في سورة النور.

“رضا السلاطين”

في المقابل انتقد القرضاوي: “العلماء الذين يراعون رضا السلاطين والأمراء ويتبعون أهواءهم فيفرخون لهم من الفتاوى والتخريجات والحيل، ما يسهل لهم ما يريدون من قرارات وقوانين، قد تحلل الحرام، أو تحرم الحلال، أو تسقط الفرائض أو تشرع في الدين ما لم يأذن به الله، وهؤلاء هم الذين يسمون (علماء السلطة) أو (عملاء الشرطة) أعاذنا الله شرهم”.

كما انتقد العلماء والخطباء والدعاة الذين يراعون رضا عوام المتدينين وجماهيرهم، ويتبعون أهواءهم، بالتشدد في الدين، والتعسير في الفتوى، مشيرا إلى أن كثيرا من المتدينين يعجبهم العالم المحافظ المتشدد، ولا يعجبهم العالم الميسر المجدد.

واعتبر أن دخول العلماء “سوق المزايدة في الدين لاكتساب رضا المتزمتين وإعجابهم ينافي التجرد للحق، والإخلاص لله، بل هو رياء المهلك”.

وعلق الشيخ القرضاوي على قول البعض إن العالم المعسر المشدد أكثر ورعا، وأعظم تقوى لله من الميسر قائلا: “هذا خطأ كبير لأن العالم الذي يفتي بالتيسير يتبع المنهج القرآني والهدي النبوي، ويتبع منهج الخلفاء الراشدين خاصة، والصحابة عامة، مثل حبر الأمة، وترجمان القرآن: عبد الله بن عباس الذي اشتهر برخصه”.