بسم الله،والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

ليلة النصف من شعبان، لم يأتفيها حديث وصل إلى درجة الصحة، هناك أحاديث حسنها بعض العلماء، وبعضهم ردها وقالوابأنه لم يصح في ليلة النصف من شعبان أي حديث … فإن قلنا بالحسن، فكل ما ورد أنهيدعو في هذه الليلة، ويستغفر الله عز وجل، أما صيغة دعاء معين فهذا لم يرد، والدعاءالذي يقرأه بعض الناس في بعض البلاد، ويوزعونه مطبوعًا، دعاء لا أصل له، وهو خطأ،ولا يوافق المنقول ولا المعقول.

يقول فضيلة الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر

الكلام هنا في ثلاث نقط:
1
ـ النقطة الأولى: هل ليلة النصف من شعبان لها فضل؟:

والجواب:قد ورد في فضلها أحاديث صحح بعض العلماء بعضًا منهاوضعفها آخرون وإن أجازوا الأخذ بها في فضائل الأعمال. ومنها حديث رواه أحمدوالطبراني “إن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا ليلة النصف من شعبان فيغفر لأكثرمن شَعْرِ غَنَمِ بني كلب، وهي قبيلة فيها غنم كثير”.وقال الترمذي: إن البخاريضعفه.

ومنها حديث عائشة ـ رضيالله عنها ـ قام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الليل فصلى فأطال السجود حتىظننت أنه قد قُبِضَ، فَلَمَّا رفع رأسه من السجود وفرغ من صلاته قال: “يا عائشة ـأو يا حُميراء ـ ظننت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد خَاسَ بك”؟ أي لم يعطكحقك.
قلت: لا والله يا رسول الله ولكن ظننت أنك قد قبضتَلطول سجودك، فقال: “أَتَدْرِينَ أَيُّ ليلة هذه”؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال “هذهليلة النصف من شعبان، إن الله عز وجل يطلع على عباده ليلة النصف من شعبان، فيغفرللمستغفرين ، ويرحم المسترحِمِينَ، ويُؤخر أهل الحقد كما هم” رواه البيهقي من طريقالعلاء بن الحارث عنها، وقال: هذا مرسل جيد. يعني أن العلاء لم يسمع من عائشة.

وروى ابن ماجة في سننه بإسناد ضعيف عنعلي ـ رضي الله عنه ـ مرفوعًا ـ أي إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ “إذا كانتليلة النصف من شعبان فقوموا لَيْلَهَا وصُوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيهالغروب الشمس إلى السماء الدنيا فيقول: ألا مستغفر فأغفر له،ألا مسترزق فأرزقه، ألامُبْلًى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر“.

بهذه الأحاديث وغيرها يمكن أن يقال: إن لليلة النصف من شعبانفضلاً، وليس هناك نص يمنع ذلك، فشهر شعبان له فضله روى النسائي عن أسامة بن زيد ـرضي الله عنهما ـ أنه سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله: لم أَرَكَ تصوم منشهر من الشهور، ما تصوم من شعبان قال “ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهوشهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يُرفع علمي وأنا صائم“.

النقطة الثانية:هل كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحتفل بليلةالنصف من شعبان؟ ثبت أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ احتفل بشهر شعبان، وكاناحتفاله بالصوم، أما قيام الليل فالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان كثير القيامبالليل في كل الشهر، وقيامه ليلة النصف كقيامه في أية ليلة.

ويؤيد ذلك ما ورد في الأحاديث السابقةوإن كانت ضعيفة فيؤخذ بها في فضائل الأعمال، فقد أمر بقيامها، وقام هو بالفعل علىالنحو الذي ذكرته عائشة.
وكان هذا الاحتفال شخصيًا، يعنيلم يكن في جماعة، والصورة التي يحتفل بها الناس اليوم لم تكن في أيامه ولا في أيامالصحابة ، ولكن حدثت في عهد التابعين. يذكر القسطلاني في كتابه “المواهب اللدنية” ج2ص 259 أن التابعين من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول كانوا يجتهدون ليلة النصفمن شعبان في العبادة، وعنهم أخذ الناس تعظيمها، ويقال إنهم بلغهم في ذلك آثارٌإسرائيلية. فلما اشتهر ذلك عنهم اختلف الناس، فمنهم من قبله منهم، وقد أنكر ذلكأكثر العلماء من أهل الحجاز منهم عطاء وابن أبي مُلكية، ونقله عبد الرحمن بن زيد بنأسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة.

ثم يقول القسطلاني:
اختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولينِ،أحدهما:أنهيُستحب إحياؤها جماعةً في المسجد، وكان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهمايلبسون فيها أحسن ثيابهم ويَتبخَّرُونَ ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك،ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك وقال في قيامها في المساجد جماعة: ليس ذلك ببدعة،نقله عنه حرب الكراماني في مسائله.

والثاني:أنه يكره الاجتماع في المساجد للصلاة والقصص والدعاءولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصَّة نفسه، وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشاموفقيههم وعالمهم.

ولا يُعرفللإمام أحمد كلام في ليلة النصف من شعبان، ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان منالروايتين عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه في روايةٍ لم يُستحب قيامها جماعة، لأنهلم ينقل عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا عن أصحابه فِعلها، واستحبها في روايةلفعل عبد الرحمن بن زيد بن الأسود لذلك، وهو من التابعين، وكذلك قيام ليلة النصف منشعبان لم يثبت فيها شيء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا عن أصحابه، إنما ثبتعن جماعة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام، انتهى. ملخصًا من اللطائف.

هذا كلام القسطلاني في المواهب،وخلاصته أن إحياء ليلة النصف جماعةً قال به بعض العلماء ولم يقل به البعض الآخر،وما دام خلافِيًّا فيصحُّ الأخذ بأحد الرأيين دون تَعَصُّبٍ ضد الرأي الآخر.

والإحياء شخصيًا أو جماعيًا يكونبالصلاة والدعاء وذكر الله سبحانه، وقد رأى بعض المعاصرين أن يكون الاحتفال في هذهالليلة ليس على النَّسَقِ وليس لهذا الغرض وهو التقرب إلى الله بالعبادة، وإنمايكون لتخليد ذكرى من الذكريات الإسلامية، وهي تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلىمكة، مع عدم الجزْمِ بأنه كان في هذه الليلة فهناك أقوال بأنه في غيرها، والاحتفالبالذكريات له حُكمه.

والذي أراه عدمالمنع ما دام الأسلوب مشروعًا، والهدف خالصًا لله سبحانه:
النقطة الثالثة:هل هناك أسلوب مُعَيَّنٌلإحيائها وهل الصلاة بِنِيَّةِ طول العمر أو سَعَةِ الرزق مشروعة، وهل الدعاء لهصيغة خاصة؟
إن الصلاة بنية التقرب إلى الله لا مانع منهافهي خير موضوع، ويُسَنُّ التنفُّلُ بين المغرب والعشاء عند بعض الفقهاء، كما يسنبعد العشاء ومنه قيام الليل، أما أن يكون التنفل بنية طول العمر أو غير ذلك فليسعليه دليل مقبول يدعو إليه أو يستحسنه، فليكنْ نَفْلا مطلقًا.

قال النووي في كتابه المجموع: الصلاةالمعروفة بصلاة الرغائب وهي ثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة منرجب ، وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة، هاتان الصلاتان بِدْعَتَانِ مُنكرتان،ولا تَغْتَرّْ بذكرهما في كتاب قوت القلوب ـ لأبي طالب المكي ـ وإحياء علوم الدين ـللإمام الغزالي ـ ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض مَنِاشْتَبَهَ عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما فإنه غالط في ذلك:

وقد صَنَّفَ الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيلالمقدسي كتابًا نفسيًا في إبطالهما فأحسن فيه وأجاد. “مجلة الأزهر ـ المجلد الثانيص 515“.
والدعاء في هذه الليلة لم يَرِدْ فيه شيء عن النبيـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن مبدأ الاحتفال ليس ثابتًا بطريق صحيح عند الأكثرين،ومما أُثِرَ في ذلك عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ سمعته يقول في السجود ” أعوذ بعفوكمن عقابك وأعوذ برضاك من سَخَطِكَ، وأعوذ بك منك، لا أُحصى ثناء عليك، أنت كماأثنيت على نفسك” رواه البيهقي من طريق العلاء كماتقدم.

والدعاء الذي يكثر السؤال عنه في هذهالأيام هو : اللهم يا ذا المنِّ ولا يمن عليه، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطولوالإنعام ، لا إله إلا أنت ظهر اللاجئين وجار المستجيرين وأمان الخائفين، اللهم إنكنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقيًا أو محرومًا أو مطرودًا أو مُقَتَّرًا على فيالرزق فامْحُ اللهمَّ بفضلك شقاوتي وحرماني وطردي وإقتار رزقي

وجاء فيه: إلهي بالتجلي الأعظم فيليلة النصف من شهر شعبان المعظم، التي يُفْرَقُ فيها كل أمر حكيم ويُبرم… … وهيمن زيادة الشيخ ماء العينين الشنقيطي في كتاب “نعت البدايات“.

وهو دعاء لم يَرِدْ عن النبي ـ صلىالله عليه وسلم ـ قال بعض العلماء إنه منقول بأسانيد صحيحة عن صحابيينِ جليلين، هماعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ وعمر من الخلفاء الراشدينالذين أَمرنا الحديث بالأخذ بسنتهم، ونَصَّ على الاقتداء به وبأبي بكر الصديق فيحديث آخر، وأصحاب الرسول كالنجوم في الاقتداء، بهم كما روى في حديث يقبل في فضائلالأعمال.

ولكن الذي ينقصنا هوالتثبت من أن هذا الدعاء ورد عن عمر وابن مسعود ولم ينكره أحد من الصحابة، كماينقصنا التثبت من قول ابن عمر وابن مسعود عن هذا الدعاء: ما دعا عَبْدٌ قَطُّ بهإلا وَسَّعَ الله في مشيئته أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا.

ومهما يكن من شيء فإن أي دعاء بأيةصيغة يشترط فيه ألا يكون معارضًا ولا منافيًا للصحيح من العقائد والأحكام.

وقد تحدث العلماء عن نقطتين هامتين فيهذا الدعاء، أولاهما:
ما جاء فيه من المَحْوِ والإثبات في أم الكتاب وهو اللوحالمحفوظ وهو سجل علم الله تعالى الذي لا يتغير ولا يتبدل، فقال: إن المكتوب فياللوح هو ما قدره الله على عباده ومنه ما هو مشروط بدعاء أو عمل وهو المعلق واللهيعلم أن صاحبه يدعو أو يعمله وما هو غير مشروط وهو المبرم، والدعاء والعمل ينفع فيالأول لأنه معلق عليه، وأما نفعه في الثاني فهو التخفيف، كما يقال:”اللهم إني لاأسألك رد القضاء بل أسألك اللطف فيه وقد جاء في الحديث “إن الدعاء ينفع فيما نزلوما لم ينزل” والنفع هو على النحو المذكور.

روى مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سئل: فيم العملاليوم ؟ أَفِيمَ جَفَّتْ به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يُستقبل؟ قال “بلفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير” قالوا: فَفِيمَ العمل؟ قال: “اعملوا فكُلٌّمُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له” وفي رواية : أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال” منكان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان أهل الشقاوة فسيصير إلىعمل أهل الشقاوة، اعملوا فكل ميسر ثم قرأ :(فَأَمَّا مَنْ أُعْطَى وَاتَّقَى.وَصَدََّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى . وَأَمَّا مَنْ بَخِلَوَاسْتَغْنَى . وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (سورة الليل: 5-10)ولم يَرْتَضِ بعض العلماء هذا التفسير للمحو والإثبات في اللوح المحفوظ،فذلك يكون في صحف الملائكة لا في علم الله سبحانه ولَوْحُهُ المحفوظ، ذكره الآلوسيوالفخر الرازي في التفسير.

والنقطة الثانية:ما جاء فيه من أن ليلة النصف من شعبان هي التييُفْرَقُ فيها كل أمر حكيم ويُبرم. فهو ليس بصحيح فقد قال عكرمة: من قال ذلك فقدأبعد النجعة، فإن نص القرآن أنها في رمضان، فالليلة المباركة التي يفرق فيها كل أمرحكيم نزل فيها القرآن، والقرآن نزل في ليلة القدر. وفي شهر رمضان. ومن قال : هناكحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: “تُقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتىإن الرجل لَينكح ويولد له وقد أخرج اسمه في الموتى” فالحديث مرسل، ومثله لا تُعارضبه النصوص “المواهب اللدنية ج 2 ص 260” وإن حاول بعضهم التوفيق بينهما بأن ما يحصلفي شعبان هو نقل ما في اللوح المحفوظ إلى صحف الملائكة.

ولا داعي لذلك فالدعاء المأثور فيالكتاب والسنة أفضل.
وللاستزادة يمكن الرجوع في مجلةالأزهر، المجلد الثاني ص 515 والمجلد الثالث ص 501 ومجلة الإسلام المجلد الثالث،العددان 35، 36.
والله أعلم

الشيخ عطية صقر