لا يختلف اثنان على أن حال الأمة الإسلامية هذه الأيام لا يسر صديقا ولا يغيظ عدوا لما تعانيه من فرقة وخلاف بين دولها ونخبها الفكرية بمختلف توجهاتها ومشاربها حتى باتت سفينة الأمة تتقاذفها الرياح وسط أمواج عاتية في بحر متلاطم وعالم متغير لا يعترف بالضعيف ولا مكان فيه إلا للتكتلات الإقليمية القوية الموحدة، الأمر الذي يفرض على النخبة في العالم الإسلامي الخروج من صراعاتها الفكرية والمذهبية والنزول من الشجرة التي تسلقتها لتؤسس لقاعدة تجمع ولا تفرق تبني ولا تهدم، تدرك أن التنوع الثقافي والعرقي والمذهبي عامل إثراء وقوة وليس عامل ضعف وتشرذم.

 

تشخيص الداء يساعد على معرفة الدواء

ولتحقيق هذه الغايات لا بد معرفة مكامن الخلل والعمل على إصلاحه، والاعتراف بأن الابتعاد عن مصدري التشريع الأساسيين الكتاب والسنة والانسياق وراء الاجتهاد في كثير من الأمور الغير ضرورية هو ما أوصلنا إلى حالة الفرقة والخلاف التي جعلت أمتنا تدور في حلقة مفرغة طوال هذه القرون، فجماهير الأمة الإسلامية اليوم ترغب في الخروج من الوضع الحالي وتبدي استغرابها من عجز الأمة عن الوحدة والتكامل ما دام يجمعها دين واحد وقبلة واحدة، ورسول واحد، لكن لا أحد يشغل نفسه بالبحث عن أسباب فرقة الأمة قديما والاعتراف بأن حالها اليوم ليس وليد صدفة وإنما هو امتداد لأخطاء وقعت قديما لا زلنا نعيش نتائجها بشكل مريع.

وهذه الأسباب القديمة وُضعت حولها هالة من القدسية تجعل أي باحث جاد يسعى لتوضيح مكمن الخطأ فيها يخشى من تصنيفه ضمن الخارجين على المقدس كما حصل مع مفكرين في مختلف العصور وجدوا أنفسهم عرضة لسهام أتباع المذاهب المقلدين الذين لم يبلغوا درجة من العلم تؤهلهم لتنقيح وتصحيح بعض الاجتهادات، ولم يرغبوا في قيام من هم مؤهلين بهذه المهمة التي بنوا عليها مصالحهم الشخصية، إلا أن بعض المفكرين المعاصرين لم يستسلموا وامتلكوا من الشجاعة ما جعلهم يتتبعون خيوط المؤامرة التي حيكت لهذه الأمة بعد انتهاء الخلافة الراشدة التي شكلت استثناء في تاريخ أمتنا عندما كان الجميع يستمدون شؤون دينهم ودنياهم من الكتاب والسنة.

وأكد هؤلاء الباحثون أن الفقهاء في صدر الإسلام ساهموا -بحسن نية- في وضع بذور الخلاف والفرقة بين مكونات الأمة، لأن اجتهاداتهم كانت سببا في ظهور الفرق والمذاهب التي عصفت خلافاتها بوحدة الأمة.

وفي اعتقادي أنَّ الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور كان يردك ما ستؤول إليه الأوضاع عندما أراد توزيع كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس على جميع الأمصار الإسلامية وحمل المسلمين على ما جاء فيه من فقه واجتهاد حتى لا تتعدد المذاهب والآراء وتفترق عليها الأمة، لكن معارضة الإمام مالك بن أنس رحمه الله لهذا لأمر أظهرت الفرق بين رجل الدولة والسياسة العارف بأهمية الوحدة وانتظام الشمل، ونظرة الفقيه الزاهد الذي ينظر إلى الآخرة على أنها واقع معاش والدنيا على أنها مجرد ممر.

ويحق لي أن أتساءل عن الأسباب التي منعت الإمام مالك رحمه الله -وهو المجتهد الخبير بآلة القياس التي استعان بها المجتهدون كثيرا- من قياس هذا الأمر على دعوة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه إلى اعتماد المصحف الذي اتفق عليه حفاظ الصحابة وتعميمه على بلاد الإسلام وحرق ما سواه من المصاحف سدا للذرائع ولطرق الخلاف والفرقة بين الأمة، ولعل أبو جعفر المنصور كان يستأنس في قرارة نفسه بعمل عثمان رضي الله عنه وأراد إغلاق الطريق على كل من تسول له نفسه تأسيس مذهب خاص به ودعوة الناس إلى اتباعه وهو ما حصل للأسف وأدى إلى ظهور الفرق الكثيرة التي تلت تلك الحقبة.

ومن وجهة نظري فإن الخلاف في وجهات النظر حول الأمور السياسية وما لم يرد فيه نص من الأمور الدينية يظل ظاهرة صحية ما لم يلبس بلباس القدسية والدين، فالتجارب أثبتت أن الاجتهاد والخلاف الفكري عندما يُخرَجُ من طور العقل البشري ويغلف بالدين يبدأ الانحراف والتشدد، ومن ثم الفرقة والاختلاف، والحروب والتناحر فيما بعد، كما حصل في صدر الإسلام للأسف حيث قامت أسباب فرقة الأمة على قاعدة دينية أسست لما جاء بعدها.

فمنذ بدأ عصر الاجتهاد فيما لم يرد به نص واجترار آلة القياس -وظهور المذاهب التي أسسها أصحابها لمصلحة عامة وخرج بها الأتباع عن سياقها الفقهي التعبدي إلى متاهات السياسة والمصلحة الشخصية والتخندق المذهبي والطائفي- والمسلمون يعيشون في فرقة وخلاف إلى يومنا هذا، والباحث في عصر نشأة المذاهب الفقهية وخلافات أتباع الأئمة يدرك أن المشكلة ليست في المذاهب الفقهية التي قامت على تقريب ما عسر فهمه من الكتاب والسنة على العوام؛ وإنما في أتباع المذاهب الذين حولوها إلى سبب من أسباب الفرقة والخلاف بين الأمة، ولك أن تتخيل أن بعض أتباع هذه المذاهب وصل بهم التعصب المذهبي إلى درجة القول بعدم جواز صلاة المالكي وراء الحنبلي، والشافعي وراء الحنفي والعكس، علما أن الأئمة الأربعة كان بعضهم يصلي وراء بعض.. لكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت ظهور الطوائف وتقسيم المسلمين إلى سنة، وشيعة، ومعتزلة، وصوفية، وخوارج، إلى غير ذلك من الفرق التي نخرت جسم الأمة حتى حولته إلى جسم مصاب بداء نقص المناعة سرعان ما غزته الأمراض والفيروسات التي تنوعت ما بين حروب خارجية شنها أعداء الإسلام كالتتار، والصليبيين، والروم قديما، وانتهاء بحروب الحلفاء من الغرب والشرق على الخلافة العثمانية التي تفرقت بعدها أمة الإسلام أيدي سبا، وما تبع ذلك من حروب فكرية مسخت أجيالا تحولت فيما بعد إلى معول هدم داخلي مهمته الإجهاز على ما تبقى من أسباب الوحدة

 

 

دور المستشرقين واتفاقية سايكس بيكو

ولعل أخطر فرقة واجهتها الأمة الإسلامية في العصر الحديث هي التي نتجت عن قيام المستشرقين بإيفاد إرساليات إلى مختلف أقاليم الأمة -من إندونيسيا شرقا حتى موريتانيا غربا- وقامت بدراسات وافية عن حال الأمة الإسلامية ومذاهبها المختلفة ومشاربها المتعددة، لمعرفة الطرق التي تمكِّنهم بعد ذلك من إذكاء خلافات الطرق والمذاهب من جديد عن طريق ابتكار أساليب أخرى للفرقة سرعان ما تلقفها أعداء الداخل وحولوها إلى تيارات فكرية متصارعة فيما بينها مثل الصراع القائم بين البعثيين، واليساريين، والناصريين، والإسلاميين ومدارسهم المتعددة من سلفية، وإخوان، ومتصوفة، وهي خلافات عصفت بالأمة حديثا وزادت من فرقتها، ووجدت في اتفاقية سايكس بيكو أرضية صلبة تقف عليها.. فهذه التيارات وتلك الاتفاقية المشؤومة عملت على تفتيت الأمة الإسلامية جغرافيا وسياسيا ووضع حدود مصطنعة بين مختلف أقاليمها، لا بل إن اتفاقية سايكس بيكو عملت على بعثرة كل إقليم وأذكت نار الوطنية الضيقة بين مواطني الدول المسلمة حتى صار مواطنو كل دولة ينكفئون على أنفسهم ويرون جارهم –الذي يتكلم لسانهم ويصلي إلى قبلتهم- غريبا عليهم لا تربطهم به رابطة.

 

عدم الاستفادة من دروس الماضي

ومما يحز في النفس حقا أن النخبة المسلمة وحتى العوام مجمعون على أن اتفاقية سايكس بيكو هي التي قطَّعت أوصال أمة الإسلام وأنها السبب الأول في ما تعيشه اليوم من فرقة وخلاف وتخلف، لكن لا أحد يستفيد من دروس التاريخ، فها هي نفس النخبة اليوم تعمل وتساعد على نشر الفوضى الخلاقة التي بشرت بها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندليزا رايس والتي تهدف إلى تجزئة المجزأ وتقسيم المقسم، وكرة الفوضى الخلاقة تتدحرج من دولة مسلمة لأخرى ولن تقف حتى تنجح في تفكيك آخر دولة من الدول الإسلامية الكبيرة جغرافيا وديموغرافيا.

 

الحلول الرئيسية

ولتحقيق الوحدة والانسجام بين الأمة الإسلامية لا بد لها أولا من العودة إلى منبع الإسلام الصافي المتمثل في الكتاب والسنة، والانطلاق من قاعدة الأخوة الإسلامية وأن نطق المسلم بالشهادتين كفيل بعصمة دمه وماله وعرضه بغض النظر عن مذهبه أو طائفته، فهذه قاعدة صلبة أسسها الإسلام لوحدة المسلمين وما لم ينطلقوا منها ويعملوا بها فستظل الفرقة والتناحر قائمة بين مكونات الأمة، من سنة وشيعة وغيرهم من طوائف الأمة الكثيرة.