خي الكريم؛
شكر الله لك هذه النية التي بيتها لحفظ كتاب الله، وتقبلها منك وجعلك من حفظة القرآن وأهله العاملين به الحافظين لكلامه وحدوده آمين وبعد :

وحتى تعرف فضل ما أنت مقدم عليه من حفظ كتاب الله؛ فإنني أؤكد لك أن الله سبحانه شرَّف أمة الإسلام بخصيصة لم تكن لأحد من أهل الْملل قبلهم. وهي أنَّهم يقرءون كتاب ربِهم عن ظهر قلبٍ.

كما جاء في صفة هذه الأمة عن وهب بن منبه حينما؛ قال: أمة أناجيلهم في صدورهم، بخلاف أهل الكتاب، فقد كانوا يقرؤون كتبهم نظرًا، لا عن ظهر قلب، كما تكفَّل الله بحفظ كتابه، فقال سبحانه:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.

وقد تظاهرت الأدلة على فضل حفظ القرآن الكريم، وفضل حفظته على غيرهم من الْمسلمين، فمن ذلك:
علوُّ منزلة حَافظ القرآن، الْماهر به، فعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ القرآن، وهو يتعاهده، وهو عَلَيْهِ شَدِيدٌ، فَلَهُ أَجْرَانِ. وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ، فَيَقْرَأُ، وَيَصْعَدُ بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةً، حَتَّى يَقْرَأَ آخِرَ شَيْءٍ مَعَهُ.
حافظ القرآن لا تحرقه النار، فعن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “لَوْ أَنَّ الْقُرْآنَ جُعِلَ فِي إِهَابٍ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ مَا احْتَرَقَ. قال ابن الأثير: … وقيل الْمعنى: مَن علَّمهُ اللهُ القرآنَ لم تحرقْهُ نارُ الآخرةِ، فجُعِلَ جسمُ حافظ القرآن كالإهاب له”.
تشفيعه في أهله، فعَنْ عَلِيٍّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :”مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَحَفِظَهُ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، وَشَفَّعَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ”.
أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :”إِنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ”.
إكرام والدي حافظ القرآن، وإعلاء منزلتهما، فعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيامَةِ، ضَوْءهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا – لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟
حملة القرآن مقدمون على أهل الجنة، قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ: حَمَلَةُ الْقُرْآنِ عُرَفَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وعن طاوس أنه سأل ابن عباس – رضي الله عنهما: ما معنى قول الناس: أهل القرآن عرفاء أهل الجنة ؟ فقال: رؤساء أهل الجنة.

أخي الكريم:
غير أن هناك أسسا ينبغي ألا نغفل عنها في موضوع حفظ القرآن منها:
النية الخالصة: فالإخلاص هو مفتاح القبول والتيسير.
البعد عن المعاصي: قال تعالى : {اتقوا الله ويعلمكم الله}(البقرة:282)، فمما أثر عن الشافعي قوله ” شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن النور علم ونور الله لا يؤتاه عاص”، ويقول ابن مسعود رضي الله عنه ” إن الرجل ليحرم العلم بالذنب يصيبه “.
العزيمة الصادقة: فحفظ القرآن يحتاج منك إلى عزيمة صادقة وهمة عالية.
الحفظ على شيخ، أو في أقرب مركز إسلامي، أو على أحد الأصدقاء المجيدين للقرآن، أو بمساعدة أحد المواقع المتخصصة في هذا المجال.
إتباع طريقة منهجية صحيحة : فإذا حسن البدء حسن الختام.
الاستمرار والمواصلة: فهذا أمر قد يطول أمده وزمانه وقد تمل النفس في الطريق.
الاجتهاد في القراءة حول آيات القرآن، في كتب التفسير أو القصص القرآني أو ما شابه.

وأعتقد أن هناك طرق كثيرة لحفظ القرآن أذكر لك منها طريقتين:
طريقة الصفحة: وهي حفظ صفحة من القرآن حفظا جيدا، وعدم مغادرتها لغيرها قبل حفظها جيدا، وهنا لا نلتزم بوقت محدد.
طريقة الآيات أو الآية: وفيها تحفظ 3 أو 5 أو 7 آيات من القرآن يوميا، مع تكرارهم والصلاة بهم، ومراجعتهم حتى يتم الحفظ جيدا؛ وحتى تكون القراءة صحيحة فإنه لا بد من مراعاة عدة أمور منها:
1- القراءة الصحيحة: مع تصحيح مخارج الألفاظ و ضبط الحركات.
2- الحفظ المتين: مع التكرار حتى تصل لدرجة الإجادة.
3- التسميع للغير: فإن ذلك مما يعينك على الحفظ والتذكر.
4- التكرار القريب: بحيث لا تهجر المصحف لفترة دون مراجعة بل عليك أن تتعاهد نفسك بالمراجعة فإنه يتفلت من صاحبه كتفلت العير.
5- ربط الآيات المحفوظة بما قبلها.

أخي الفاضل:
هناك بعض العوامل المساعدة التي يمكن أن تعينك على الحفظ منها على سبيل المثال:
أولا: القراءة بما تحفظه في نوافل الصلوات.
ثانيا: القراءة في كل وقت يتاح لك .
ثالثا: قراءة المحراب أي أثناء إمامة الناس في الصلاة فإنها المحك الصحيح للحفظ.
رابعا: سماع الأشرطة القرآنية المجودة لبعض القراء وخاصة أصحاب الأصوات الجميلة.
خامسا: الالتزام بمصحف واحد للحفظ، فإن التعود عليه مما يعين على الحفظ، وهذا أمر مجرب يوصي به الحفاظ.
سادسا: استعمال أكبر قدر ممكن من الحواس عند القراءة مثل (النطق/السماع/البصر/…).

أخي الفاضل:
لعلي أذكرك بفضل المراجعة فإنها من تمام الحفظ، فلا حفظ بلا مراجعة، و ليس هناك مراجعة أصلا من غير حفظ، غير أن للمراجعة أصول وقواعد منها على سبيل المثال:
التعاهد الدائم بالمراجعة وعدم الغفلة عما تحفظ.
مراجعة أكبر قدر ممكن مما تحفظ.
استغلال المواسم والمناسبات الدينية : مثل شهر رمضان فهو يعتبر بمثابة موسم المراجعة الأكبر.
كما أن هناك بعض الأمور التي تساعد على المراجعة منها:
أولاً: لإمامة في الصلاة.
ثانيا: العمل في مجال تحفيظ القرآن للأشبال ولغيرك ممن يرغبون.
ثالثا: المشاركة في برامج تحفيظ القرآن فإنها تعين على ذلك.
رابعا: قيام الليل والقراءة فيه بما تحفظ.
خامسا: لمراجعة على الغير فإنها مما تثبت المحفوظ.

وختاما؛ فهذه – أخي الحبيب – بعض الأسس والقواعد التي يحس بك أن تراعيها في مشروعك الكبير لحفظ كتاب الله عز وجل، أسأل الله أن يجعلنا وإياك ممن يحفظون كتابه ويعملون بما فيه … آمين. وتابعنا باخبارك..

وأوصيك أخي الحبيب بقراءة الموضوعات التالية فإن فيها الخير إن شاء الله: