Book Magri

Book Magri

في سياق التدافع الذي عرفته حركة مجتمع السلم (إخوان الجزائر)  قبيل مؤتمرها الخامس، طرح الدكتور عبد الرزاق مقري كتابا بعنوان “البيت الحمسي”: مسارات التجديد الوظيفي في العمل الإسلامي، وقد كان في الحقيقة “برنامج حملة انتخابية” لرئاسة الحزب، يعرض تصوّر الرجل لإشكالات الحركة الإسلامية في بُعديها المحلّي والعالمي، وإن ركّز على الواقع الجزائري، منطلقًا من تجربة حركة الراحل محفوظ نحناح.

في البداية يجب أن نثمّن مبادرة الرئيس الجديد لحركة مجتمع السلم من حيث هي خطوة تعزّز ثقافة تدافع الأفكار والرؤى والتصورات بطريقة علمية شفّافة، بدل الاستغراق في لعبة الكواليس والاستقطاب الداخلي المُفضي إلى حالات التوتر وتنمية مشاعر “العصبية التنظيميّة” للهيئات أو الأفراد، كما هي مساهمة في  تسليط الضوء وتعريض الحركة لأشعة الشمس بكل شجاعة، عوضًا عن الاحتماء بـ “ميكانيزمات الدفاع النفسي”، من خلال الهروب إلى الأمام في كل المحطات، والعمل على تبييض الصورة مهما كانت مشوبةً بالسواد أحيانا.

بغضّ النظر عما طرحه الدكتور عبد الرزاق مقري في مؤلفه الجديد من أفكار ومقترحات عملية لاستئناف وتقوية العمل الإسلامي، ضمن ما أسماه بتجديد الوظائف العلمية والدعوية والمجتمعية والسياسية، فإن ما يهمّنا بالدرجة الأولى في هذه المقالة هو إبراز تلك الروح النقديّة الواضحة التي اعتمدها المؤلف في مقاربة موضوعات الكتاب، وهي حالة نادرة في الجزائر وربّما الوطن العربي، الاعتراف بالأخطاء أو على الأقل تناوُل المواقف والسياسات والخيارات في سياق التقييم الذي يحتمل الخطأ والصواب، لا سيما عندما تردُ من قيادي ما يزال في “الخدمة”، وليس منشقّا أو مطرودا ولا “مُتساقطًا على الطريق” بتعبير الداعية فتحي يكن رحمه الله.

لا أدري إن كان أبناء “التيار الحمسي” قد قرؤوا ما جاء في ثنايا الكتاب من شهادات قويّة في حقّ الحركة ومسارها ورجالاتها عبر ثلاث عقود، وإن فعلوا ذلك، هل يتقبّلون انتقادات رئيسهم الجديد لحصيلة الإخوان في الجزائر؟.

أنا على يقين أن أكثرهم، خصوصًا في القواعد المُقوْلبة على التمجيد وتقديس الذات، والنظر إلى النفس من منظور الكمال، كان سيطعن في تلك الأحكام التقييمية ويرمي صاحبها بتهمة التحامل على الحركة ومعاداة المشروع الإسلامي لو صدرت من أطراف محايدة أو حتّى قريبة من الجماعة ، لكن الجميل أن هذه الشهادات وردت على لسان رجل موثوق به، ولا يُزايد عليه أحد بالانتماء للتيار الإسلامي.

صحيح أن ما قاله الدكتور عبد الرزاق مقري لا يحمل أي جديد في محتوياته المعلوماتية، فقد أذاع المؤلف ما كان يتهامس به مناضلو حمس في مجالسهم الخاصّة، وصدّق بشهادته الصريحة ما ذهبت إليه تحليلات سياسية منذ سنوات، لكنّ  المفيد والجديد، هو التقدّم بـ”خطوة شجاعة” إلى الأمام على طريق النقد الذاتي ومكاشفة الواقع الداخلي على حاله دون تورية  للحقيقة أو تضخيم زائف للانجازات، حتى وإن وردت الانتقادات المسجّلة في سياق عرضي، وليست بترتيب منهجّي متعمّد.

خليفة أبو جرة سلطاني أتى على كثير من التفاصيل في فصول مختلفة من الكتاب، وقد كانت نبرة النقد واضحة أحيانا، ودبلوماسية أو ضمنيّة في أحيان أخرى، ولم يجدْ الكاتب حرجًا في أن يخطّئ حتى الشيخ المؤسس محفوظ نحناح في بعض المواقف والسلوكات، هذا فضلاً عن تبيان أوجُه القصور والانحراف الذي شاع وسط هياكل الحركة وقياداتها على وجه الخصوص.

لا أريد أن أثقل على القارئ بهذا التمهيد، وإن كان ضروريّا لوضع شهادات الرجل في سياقها الثقافي والنفسي لدى عموم الإسلاميين، لذا أفضّل الولوج مباشرة إلى تلك “الملاحظات” التي أبداها المؤلف في كتابه الأخير، وأترك الحكم تجاهها  للقارئ النبيه.

خليفة أبو جرة سلطاني أتى على كثير من التفاصيل في فصول مختلفة من الكتاب، وقد كانت نبرة النقد واضحة أحيانا، ودبلوماسية أو ضمنيّة في أحيان أخرى، ولم يجدْ الكاتب حرجًا في أن يخطّئ حتى الشيخ المؤسس محفوظ نحناح في بعض المواقف والسلوكات

يتحدث عبد الرزاق مقري في البداية عن بعض المُعطيات التاريخيّة التي ظلت طيلة عقود محلّ جدال بين الإسلاميين المتنازعين بشأن أهل “الفضل والسبق” في البناء التنظيمي  للحركة الإسلامية في الجزائر، وبهذا الصدد، يعترف المؤلف أن  الشيخ محفوظ نحناح حينما خرج  من السجن سنة 1981 كان تنظيمه “ضعيفًا مفكّكا يعتمد على عناصر أغلبهم بلا مستويات علمية عالية، لكن اجتمعت له ظروف ساعدته على التحاق قيادات محلية عالية الكفاءة بتنظيمه، ومن هذه الظروف انحياز تنظيم الإخوان المسلمين إليه في النزاع على الصلة، بينه وبين الشيخ جاب الله” (ص 45)، ثمّ يذهب أكثر من ذلك، ليقرّ بمسؤولية الإخوان العالميين سنوات الثمانينات في منع قيام الوحدة بين الفصائل الإسلامية الجزائرية، إذ ينقل عن شيخه الروحي الدكتور أحمد بوساق قوله: “لو كنت اتبع هوى نفسي لجمعت كل القوى الإسلامية في الجزائر من أجل محاربة الشيخ محفوظ (بسبب مسؤوليته ومسؤولية الإخوان المسلمين في فشل مسعى الوحدة)، لكن حينما أتبّع العقل والشرع، أقول لكم كونوا مع الشيخ محفوظ لأنه رغم سلبياته هو أفضل من غيره من الدعاة في الجزائر” (ص 79)، نعم يضع الجملة الاعتراضية المشار إليها أعلاه بين مزدوجين، وقد شعرت أن الدكتور مقري تعمّد حصر العبارة السالفة بين قوسين حتى لا يتحمّل مسؤولية الإقرار بها، لكنها في النهاية، تفيد موقف فصيل معتبر في تلك المرحلة، يسمّى جماعة الحياد التي كان ينتمي إليها المؤلف في جامعات الشرق/الوسط  الجزائري قبل اندماجها في الهيكل الإخواني لاعتبارات تقديرية رأتها المجموعة المذكورة.

يقرّ رئيس حركة مجتمع السلم بمسؤولية الإخوان العالميين سنوات الثمانينات في منع قيام الوحدة بين الفصائل الإسلامية الجزائرية

وهذه المسألة بالذات، أي قرار الإخوان المسلمين بتزكية الشيخ محفوظ نحناح كمراقب عام للجماعة في الجزائر، ومدى تأثيرها على مساعي الوحدة مع باقي الفصائل، لا سيما جماعة الشيخ جاب الله في الشرق، بل إسهامها بشكل كبير في ترجيح كفة  القوى الإسلامية لصالح جماعة الشيخ نحناح، لطالما أثارتها قيادات من حركة النهضة التاريخية، المتّهم رائدها عبد الله جاب الله  دومًا بنزعته الزعاماتية.

في مسألة أخرى تتعلق بالأنماط التنظيمية التي عرفتها الجماعة، يرى مقري “أن التيار الجارف لجبهة الإنقاذ لم يؤثّر في تماسك الحركة كالتأثير الذي صنعه تغيير الطبيعة الهيكلية والمقاربات التنظيمية التي اتّجه إليها الشيخ حينما أراد الانتقال من جمعية الإرشاد إلى تأسيس الحزب، وخصوصًا حينما قاد الحركة إلى قرار التكييف الذي بموجبه اندمجت الجماعة في الحزب”، مضيفا أن “تلك التحولات أدت إلى اهتزازات كبيرة في المنظومة القيادية، إذ انشق عن الشيخ محفوظ نحناح أكثر من نصف القيادات الجهوية، وكانت كلها ذات كفاءة ومستويات علمية عالية”(ص47).

صحيح أن المؤلف لا ينتقد بهذا الصدد خيارات الجماعة بشكل مباشر، لكنه يحمّل تلك الاجتهادات مسؤولية الخسارة الفادحة التي تعرّضت لها على مستوى الكوادر القيادية، لأن العادة التي جرت في أدبيات الإسلاميين، هي عوزُ حالات الاستنزاف التنظيمي إلى مسمّى “السقوط على طريق الدعوة”، دون مراعاة التأثيرات البالغة لإدارة التنظيم بكل أبعادها الفنيّة واللائحيّة والسياسيّة والأخلاقية وحتى الإنسانيّة .

ويضيف الكاتب ضمن نفس التداعيات، أن تكييف هيكلة الحركة أي (الدمج) ساهم في إرباك “المرجعيات الإسلامية والشرعيّة”، علما أنّ إشكالية غيابها من أهم العقبات التي واجهت مسيرة العمل الدعوي في الجزائر، وقد فاقم دخول أكثر الدعاة معترك الحياة الحزبية والانتخابية من هذا المأزق التاريخي.

يعتبر مؤلف الكتاب في موضع آخر، أن  “الخطأ الأساسي الذي وقعت فيه الحركة هو تأخرها في تأسيس حزب سياسي، باعتبارها القوة الإسلامية الأولى والأساسية إلى غاية الثمانينات،  مما جعل كل أدائها يقوم على ردود الأفعال التي أصبح يصنعها الصراع الثنائي بين نظام الحكم والجبهة الإسلامية للإنقاذ”، (ص42).

وفي هذه الرؤية، نجد أن مقري يخرج عن المسلّمة التي بتداولها “الإخوان” من أن الجماعة تعمّدت عشية دسترة التعدديّة (23 فيفري 1989) التريّث، لاختبار نوايا السلطة من غاية الانفتاح الحزبي من جهة، وبهدف إعطاء فرصة لتوحيد الصف الإسلامي من جهة أخرى.

ثم يعرّج المؤلف على تداعيات ذلك الاستقطاب الذي نشب لاحقا بين حركة المجتمع الإسلامي (حماس) وفق التسمية الأصلية وبين الحزب المحلّ، في سياق النأي بالنفس عن الأخطاء الجسيمة الواقعة،  إذ يؤكد الرجل بهذا الشأن، أن “إستراتيجية التميّز عن الفيس كانت صحيحة وضرورية وواقعية، بغض النظر عن الأخطاء التكتيكية التي وقع فيها الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، سواء من حيث التصريحات أو السلوك السياسي في توازن العلاقة بين طرفي الصراع”، (ص 42)، قبل أن يقدّم في موضع ثان نماذج  عمّا يراها “هفوات”، مثل قول  الراحل نحناح:” إنّ الجيش نزل إلى الشارع لحماية الديمقراطية”، على إثر اضطرابات ساحة أول ماي سنة 1994، وكتصريحه عن جبهة الإنقاذ بعد حلّها  أن “الزجاجة انكسرت”، (ص80).

 ربّما يبدو للبعض الآن بعد سنوات مرّت عن المناخ السائد وقتها، أن هذه التصريحات مجرّد “عبارات عابرة”، لكن وضعها في سياقها التاريخي والسياسي يجعلها في مستوى “المواقف الساخنة”، وتعدّ هذه الاعترافات من الدكتور مقري شجاعة غير مسبوقة في الاعتراض على بعض  اجتهادات الشيخ المؤسس عليه رحمة الله، ينسجم فيها مع ملاحظات معلومة للداعية العراقي أحمد الراشد، الذي يعيب على الفقيد نحناح ما يسميه ” ألفاظا مرجوحة”، أي أنه كان في وسعه أن يستعيض عنها بسواها من الراجح.

يعترف عبد الرزاق مقري أن ثمن مشاركة حمس في الحكومات الجزائرية كان غاليا، مُرجعا السبب إلى “خيانة نظام الحكم الذي استغل وطنية الشيخ نحناح”، حيث  “استعملت السلطة الحاكمة تضحيات الحركة ووظفت مواجهاتها الفكرية مع منهج التطرف بكل تفاصيله لتغليب الكفة لصالحها على حساب الحركة الإسلامية بكل تشكيلاتها بما فيها حمس

ولا يكتفي المؤلف بذلك، بل يقرأ سلوك الشيخ نحناح في اتجاه “محاولة كسب المؤسسة العسكرية، حتى تفسح له المجال ليكون بديلاً لجبهة التحرير الوطني وجبهة الإنقاذ”، وإن حاول الكاتب أن يغطّي عن هذه الفكرة، بتبرير بعض المواقف المعاكسة للحزب المحلّ،  كـ”ردّ فعل عن الإيذاء الشديد الذي تعرض له”  من طرف قيادات الإنقاذ. (ص80).

ومفاد هذا التحليل الذي يقدمه رجل كان قياديّا إلى جنب الراحل نحناح منذ 1991، أن هذا الأخير كان يناور، ويمارس لعبة “فنّ الممكن” على حساب الحقيقة المبدئية، من أجل التموقع السياسي، ومثلُ هذا الخيار ليس معيبًا في ذاته، ضمن معايير الموازنات الشرعية والواقعيّة، لكنه يسبّب إلى اليوم إحراجًا سياسيّا وأخلاقيّا لدى الحركة مع نظرائها الإسلاميين.

وفي ذات السياق، يعتقد صاحب “البيت الحمسي”  أن نهج المشاركة في إعادة بناء مؤسسات الدولة كان ضروريّا ومحتوما، قبل أن يستدرك التقييم المعبّر عنه، بتأكيده ضمنيّا عن “خطأ الابتداء المبكّر لهذه الإستراتيجية وطول البقاء فيها”.(ص42).

أكثر من ذلك، يعترف عبد الرزاق مقري أن “ثمن هذه الإستراتيجية كان غاليا جدا”، مُرجعا السبب إلى “خيانة نظام الحكم الذي استغل وطنية الشيخ نحناح”، حيث  “استعملت السلطة الحاكمة تضحيات الحركة ووظفت مواجهاتها الفكرية مع منهج التطرف بكل تفاصيله لتغليب الكفة لصالحها على حساب الحركة الإسلامية بكل تشكيلاتها بما فيها حمس”، (ص43).