صلاح الدين حسن
 
   عقد السلفيون مؤتمرات حاشدة في عدة مناطق في مصر منها الإسكندرية، ومرسى مطروح، والمنصورة لمناقشة الأوضاع في مصر على خلفية الثورة الشعبية التي تفجرت في (25 يناير 2011) وكان من بين هذه المؤتمرات ما عقد في المنصورة يوم (18 فبراير 2011م) وحضره آلاف من أنصار الدعوة، وتحدث فيه الشيخ محمد حسان –أ حد مشاهير السلفيين- عن ضرورة مراجعة الاجتهادات السلفية فيما يتعلق بالدخول إلى حلبة السياسة والمشاركة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
 
وقد أبدت المؤتمرات السلفية الأخيرة هواجس من احتمال تغيير هوية الدولة العربية والإسلامية أو تعديل المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع .
 
وقال محمد حسان في المؤتمر الأخير:” البلد يصنع من جديد..ونحن سلبيون” وأكد حسان أن السلفيين وراء التاريخ، وان أهل العلم يجب أن يكونوا متواجدين في الأزمة، وخطاب حسان يعبر عن قلق سلفي من تشكل الخارطة السياسية الجديدة في مصر دون أن يكون للسلفيين أو رؤاهم حضور في المشهد، في حين رأى البعض أن ذلك محاولة من السلفية لاختطاف الثورة.
 
وهو ما يحتاج إلى اقتراب من الخريطة السلفية في مصر، فالسلفيون ليسوا صوتا واحدا؛ فقد عرفت مصر ظهور التوجهات والاتجاهات السلفية بالمعنى العام مع بواكير ظاهرة الصحوة الإسلامية في مفتتح القرن الفائت، غير أن خارطة الاتجاهات السلفية شهدت مع توالي السنين حالة من التنوع في الأفكار والرؤى، وبرغم التصاعد السلفي في المجتمعات العربية والإسلامية بشكل عام -ومن بينها مصر- فقد ظلت هذه الخارطة السلفية تتسم بتعقد وتداخل الخيوط إلى الحد الذي بات معه من الصعوبة بمكان الإحاطة الدقيقة بمكونات الخارطة السلفية في الساحة المصرية، والوقوف على أفكارها ورموزها، واتجاهاتها وقواها من روابط الوصل ومحددات الافتراق والتمايز.
 
هذه المحاولة -والتي أتت كحصيلة مراكمة ومتابعة للملف السلفي في الحالة المصرية على أكثر من صعيد- حاولت رسم ملامح للخريطة السلفية تجلي غموضها، وتكشف الكثير من تفاصيلها.
 
 
جماعة أنصار السنة المحمدية
 
التأسيس:
 
تأسست جماعة أنصار السنة المحمدية في مدينة القاهرة على يد الشيخ محمد حامد الفقي الذي نشأ في بيئة أزهرية محافظة حتى بلغ سن الثامنة عشرة، فاستفزه ما كانت تعج به البيئة المصرية وقتها؛ مما رآها شركيات وبدعيات وخرافات، أرجعها هو إلى تسلط التصوف والصوفية على المناحي الفكرية والمؤسسات الدينية.
 
 
كان الفقي من علماء الأزهر، كما كان من مرتادي (الجمعية الشرعية)، لكنه اختلف مع شيوخها حول قضية (الأسماء والصفات) وهي من قضايا العقيدة التي تختلف حولها بعض الفرق الإسلامية (كالمعتزلة والأشاعرة والجهمية والشيعة وغيرهم) مع أهل السنة والجماعة.
 
وما إن حصل الفقي على شهادة العالمية من الأزهر (الدكتوراه) حتى انطلق ومجموعة التفت حوله إلى الدعوة إلى التوحيد الخالص والدفاع عن السنة في المساجد والمقاهي والمنتديات، فذاع صيته، وكثر أنصاره حتى حدثت احتكاكات ومضايقات متبادلة بينه وبين الطرق الصوفية، فاتجه إلى العمل الجماعي المنظم من خلال إنشاء جمعية تحمل منهجهم وتنشر مبادئهم، ووضع لها قانونا، وكون لها إدارات، وبلغ أتباعه الآلاف.
 
بعد وفاة الشيخ الفقي تعاقب على جماعة أنصار السنة عدد من الرؤساء حتى عام 1969، وهو العام الذي أدمجت فيه الحكومة المصرية جماعة أنصار السنة في الجمعية الشرعية، واستمرت الجماعة على هذا الحال حتى جاء عام 1972، فأعيد إشهار الجماعة مرة أخرى على يد الشيخ رشاد الشافعي (المؤسس الثاني)، مستفيدة من أجواء حالة الانفتاح السياسي التي سمح بها الرئيس السادات.
وينتشر أعضاء الجمعية في كل محافظات مصر، ولها في مصر قرابة مائة فرع وألف مسجد.
 
الهيكل الإداري
 
ـ الرئيس العام للجماعة: وهو الذي ينتخب من قبل الجمعية العمومية للجماعة.
ـ الجمعية العمومية للجماعة: ويمثل فيها عن كل فرع عضوان فقط، ما عدا القاهرة؛ حيث يمثلها خمسة عشر عضوا، والإسكندرية ويمثلها سبعة أعضاء؛ وذلك لاتساعهما وكثرة عدد الفروع بهما.
ـ مجلس إدارة الجماعة: وهو الذي ينتخب من بين أعضاء الجمعية العمومية للجماعة، ويتكون من الرئيس ونائبه، والوكيل، والسكرتير العام، وأمين الصندوق، وعشرة من الأعضاء.
ـ الهيئة التنفيذية: وهي المعينة من قبل أعضاء مجلس الإدارة، وتشمل إدارات: التخطيط، والمتابعة، والدعوة، والإعلام، والبحث العلمي، والمشروعات الدعوية والإغاثية، والمالية، والعلاقات العامة، والفروع، والشباب، والشؤون القانونية.
 
أهم الرموز
 
من الرؤساء: الشيخ محمد حامد الفقي – عبد الرزاق عفيفي- عبد الرحمن الوكيل – رشاد الشافعي – محمد علي عبد الرحيم – صفوت نور الدين.
 
ومن العلماء: الشيخ عبد الرزاق حمزة عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية سابقا، والشيخ أبو الوفا درويش رئيس فرع الجماعة بسوهاج، والدكتور محمد خليل هراس أستاذ العقيدة بجامعتي الأزهر وأم القرى، والشيخ محمد عبد الوهاب البنا المدرس بالحرم المكي، والشيخ عبد الظاهر أبو السمح إمام الحرم المكي ومؤسس ومدير دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة.
 
المنهج
قامت هذه الجماعة على دعوة الناس إلى التوحيد الخالص المطهر من جميع أنواع الشرك، والدعوة إلى صحيح السنة بفهم السلف الصالح، وإرشاد الناس إلى نصوص الكتاب، والدعوة إلى مجانبة البدع والخرافات ومحدثات الأمور، كما تدعو إلى أن الإسلام دين ودولة، وعبادة وحكم، وصالح لكل زمان ومكان، ومن ثم يجب الدعوة إلى إقامة المجتمع المسلم، والحكم بما أنزل الله، فكل شرع غيره في أي شأن من شؤون الحياة معتد عليه سبحانه، منازع إياه في حقوقه، ويجب في ذلك اتباع السياسة الحكيمة دون استعجال أو صدام لإقامة شرع الله تعالى في الأرض.
 
كما تعتقد الجماعة أن النظام الديمقراطي نظام كافر؛ لأنه يعطي الإنسان حق التشريع الذي هو حق خالص لله، وأن نظام الإسلام له ذاتية خاصة، فليس له علاقة بالنظم الغربية الحديثة، لكن الجماعة ترى أن الانتخابات بالترشيح وبالتصويت وسائل جائزة في حد ذاتها؛ لأن مزاحمة أهل الديمقراطية لتقليل شرهم في الانتخابات العامة وغيرها أمر جائز، مع مراعاة الضوابط الشرعية إذا ترجحت المصالح على المفاسد.
 
وفي مجال أصول الدعوة، ترى الجماعة شرعية العمل الجماعي، ولا تقر التحزب لغير السنة والجماعة، وتقر التنظيم بالضوابط الشرعية.
 
وترى الجماعة أن إقامة الدولة الإسلامية (التمكين) لا يتحقق إلا بنشر التوحيد الخالص؛ فهو شرط لتحقيق وعد الله بالنصر وعودة الخلافة، وترفض بشدة العمل المسلح ضد الحكومات، وتعتبره خروجا لا ينتج عنه إلا اتساع دائرة الفتن.
 
التمايزات
 
على المنهج السابق تعمل جماعة أنصار السنة، لكن الملاحظ أن خطابها الرسمي يغرق كثيرا في تفاصيل العقيدة، ويعطي اهتماما لمحاربة البدع، لكنه لا يتطرق كثيرا لقضايا إشكالية في البيئة المصرية مثل قضية الحاكمية، كما يبتعد هذا الخطاب تماما عن السياسة، لكن المنهج الكلي للجماعة، والذي يقر العمل الجماعي المنظم -بضوابط- والذي تحدث عن وجوب إقامة شرع الله، بل الحكم بالكفر على من لا يطبقه.
 
هذا الموقف، جعل من هذه الجماعة إطارا فضفاضا سمح بمساحة من العمل تحت لافتتها لجميع التيارات السلفية في مصر تقريبا من علميين وحركيين ومداخلة، وإن بقيت السيطرة على مفاصل الجماعة للتيار المدخلي المصري بحكم تماهيه مع الأجهزة الأمنية التي تفرض رقابة صارمة على الجماعة، وتتدخل في كثير من تفاصيل حركتها؛ مما أبعد سلفية الإسكندرية الذين بدؤوا نشاطهم ضمن إطار الجمعية، إلا أنهم ابتعدوا عنها لرغبتهم في العمل في مساحة واسعة وبعيدة عن مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى بعض المآخذ الشرعية على الجمعية.
 
ومع ذلك فقد شهدت الجماعة مؤخرا صراعا داخليا نشب بين تياراتها على إثر صدور كتاب للشيخ عادل السيد بعنوان: (الحاكمية والسياسة الشرعية عند علماء أنصار السنة) اتهم فيه السلفية السياسية ودعاة المدرسة السكندرية وحتى السلفية الجهادية باختراق المنهج العقائدي لأنصار السنة مستغلين الظرف السياسي المحلي والدولي الذي تمر به البلاد لتشويه سمعة السلفية الحقيقية، من خلال تداخل السياسي بالعقائدي بين المنتمين لجماعة أنصار السنة.
 
الدعوة السلفية
النشأة
 
في سبعينيات القرن الماضي بلغ النشاط الطلابي في الجامعات ذروته، وظهر ما وصف بالصحوة الإسلامية على يد ما كان يعرف بالجماعة الإسلامية، التي ذهب معظمها للانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن نفرا من هؤلاء الطلبة في جامعة الإسكندرية على رأسهم محمد إسماعيل المقدم رفضوا الانضمام لجماعة الإخوان المسلمين متأثرين حينها بالمنهج السلفي القادم من الجزيرة العربية، وذهبوا ليكونوا نواة لدعوة سلفية أخذت في النمو بعد انسحاب الطلاب المتأثرين بالمنهج السلفي من الجماعة الإسلامية التي كان قد أحكم الإخوان قبضتهم عليها.
 
وبدأ التنافس شديدا بين هؤلاء الشباب السلفيين والإخوان على ضم الطلاب والسيطرة على المساجد، وبلغ ذروة الصدام عام 1980، على إثره قرر هؤلاء السلفيون العمل بطريقة منظمة، فكونوا ما يشبه باتحاد الدعاة، ثم أطلقوا على أنفسهم بعد ذلك اسم (المدرسة السلفية)، وأصبح محمد عبد الفتاح (أبو إدريس) قيم هذه المدرسة أسوة بالمدارس العلمية التي كانت قائمة في عصور الازدهار في التاريخ الإسلامي، ورفضوا لفظ الأمير، لاعتبارهم أنه يقتصر على إمارة الدولة.
 
وبعد عدة سنوات من العمل الحركي والجماهيري أطلقوا على منظمتهم (الدعوة السلفية) بعد انتشارهم في كل أنحاء مصر، وكثرة أتباعهم الذين يقدرون بمئات الآلاف، لكنهم يشتهرون بمسمى هو (سلفيو الإسكندرية).
 
الرموز
 
ومن رموزهم: محمد إسماعيل المقدم، وأحمد فريد، وسعيد عبد العظيم، ومحمد عبد الفتاح، وياسر برهامي، وأحمد حطيبة، ومحمود عبد الحميد، وأبو إدريس، كما ينتمي الثلاثي الشهير: محمد حسان، ومحمد حسين يعقوب، وأبو إسحاق الحويني، إلى مدرسة الدعوة السلفية، وإن غلب عليهم الجانب العلمي الوعظي، ومراعاتهم لمقتضيات العمل في الفضاء الإعلامي.
 
المنهج
 
يدعو هؤلاء السلفيون إلى العودة لأخذ الإسلام من أصليه: الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ويهتمون بمسائل التوحيد وتصحيح العقيدة، والنهي عن البدع والخرافات، ويدعون كل من التزم بهذا المنهج إلى الاجتهاد في طلب العلم الشرعي؛ حتى يتسنى للمسلم معرفة الأوامر والنواهي في الفروض والسنن والواجبات، كما يهتمون بكتب التراث، ونقولات الأئمة من أصحاب المذاهب والفقهاء؛ ولذا يطلق عليهم أيضا (السلفية العلمية).
 
إلا أنهم ينفون عن أنفسهم تهمة “الرجعية”، إذ لا تتعارض السلفية مع التقدم؛ لأن التقدم في الإسلام تقدم أخلاقي يمضي قدما في تحقيق الرسالة التي نيطت بهذه الأمة، مع الأخذ بأسباب العمران المادي في نواحي الحياة كلها، وأن المفهوم الإسلامي للحضارة أرقى بكثير من التصور الغربي، لكن الشائع عن هؤلاء السلفيين أنهم يتبنون استراتيجية لتغيير المجتمع تمر بأربع مراحل:
 
أولا: التصفية: وهي تصفية عقائد المسلمين من كل ما يعتبرونه مخالفة شرعية، وإقناعهم بالمنهج السلفي في الحياة، وأن يقوم علماء المسلمين بتنقية الكتب الشرعية كلها من الأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات والآراء الفقهية التي تخالف الحديث الصحيح.
 
ثانيا: مرحلة التربية: وهي التي تجعل من الفرد سلفيا صالحا؛ حيث يتم دعوة وتربية أغلبية المسلمين على هذه الكتب الصافية من أي أخطاء، وبعدها تأتي مرحلة التمكين الشامل دون انتخاب أو انقلاب.
 
ثالثا: المفاصلة: حيث يعلن المؤمنون انفصالهم عن الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله، ويعلنون أن هؤلاء الحكام على باطل، وينذرون الحكام وأعوانهم بالرجوع عن باطلهم، وإلا سيواجهون جهادا إسلاميا من أهل الحق، ويطالب كل المسلمين بتحديد موقفهم بشكل واضح إما مع أهل الحق، وإما مع أهل الحكم، وهنا حكمهم هو حكم أهل الباطل.
 
رابعا: الجهاد: وهو في حالة إذا ما رفض الحكام الالتزام بالإسلام بعد الإنذار السابق فحينئذ يجاهدهم أهل الحق؛ لأن الصفوف في هذه الحالة ستكون قد تمايزت، فصار بعض الشعب مع الحق وبعضه مع الباطل، وهنا سيكون الفريقان المتصارعان واضحين لا لبس فيهما، فلا يقع ضحايا لا علاقة لهم بالصراع، بل يكون أي إنسان إما مع هذا الفريق أو ذاك.
 
التمايزات
 
يؤمن أصحاب مدرسة الدعوة السلفية -كما يؤمن أنصار السنة المحمدية- بالعمل الجماعي التنظيمي العلني، لكن أصحاب الدعوة السلفية يرفضون العمل من داخل مؤسسات الدولة الرسمية؛ ولذا فهم يرغبون في إنشاء تنظيم علني لكن لا يخضع لإشراف الدولة لسببين:
 
الأول: لأنهم يعتبرون أن مؤسسات الدولة غير إسلامية، والعمل تحت لوائها يعد بمثابة دخول للعبة السياسية التي يرفضون المشاركة فيها.
 
والثاني: أنهم لا يودون الخضوع للرقابة الأمنية، ولا للتوجيهات الحكومية في ممارستهم لدعوتهم.
 
وبالفعل أنشأ سلفيو الإسكندرية تنظيما كاملا، له فروع ومسؤولون، ذا آلية ونظام صارم، لكن عندما بدأ في التوسع شرعت الأجهزة الأمنية في محاولة تفكيكه، وتم توقيف محمد عبد الفتاح أبو إدريس (قيم الدعوة السلفية)، وسعيد عبد العظيم (المشرف على المجلس التنفيذي للدعوة السلفية)، وتم وقف مجلة «صوت الدعوة»، وإغلاق معهد إعداد الدعاة.
 
ولم يبق لهم من مجالات العمل سوى الجامعة، ولم تعترض الأجهزة الأمنية على مساحة العمل هذه إلا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ حيث ضيق الأمن عليهم الخناق، فلم يسمح لهم بالسفر والعمل حتى خارج الإسكندرية، وخير قادة المدرسة السلفية في الإسكندرية بين حل التنظيم أو اعتقال جميع قياداتهم في الخارج، فاختاروا الأول.
 
وإذا كانت جماعة أنصار السنة لا ترى بأسا في المشاركة السياسية في النظام السياسي غير الإسلامي على اعتبار أن مزاحمة أهل الديمقراطية لتقليل شرهم في الانتخابات العامة وغيرها أمر جائز، مع مراعاة الضوابط الشرعية، فإن سلفيي الإسكندرية يفتون بحرمة هذه المشاركة على اعتبار أن موازين القوى الحالية عالميا وإقليميا ومحليا لا تسمح لهم بالمشاركة إلا بالتنازل عن عقائد ومبادئ وقيم لا يمكن التنازل عنها.
 
لكن موقفهم القاضي بعدم المشاركة السياسية لا يعني عندهم عدم الانشغال بالسياسة؛ فخطابهم السلفي يتناول السياسة من جهة التأصيل الشرعي والعقدي، فهم يسعون إلى إصلاح السياسة والحكم، ويتقاطع خطابهم مع القضايا الحياتية واليومية وإبداء الرأي فيها، على عكس أنصار السنة.
 
ومع أن سلفيي الإسكندرية يؤمنون بأن السرية منهج نبوي استخدمه كثير من الأنبياء، إلا أنهم لا يرون الآن حاجة للعمل السري؛ لأنهم تمكنوا من دعوتهم العلنية، وأن السرية أضر من العلانية في هذا الزمان -على حد تعبير ياسر برهامي- لأنها قد تؤدي إلى الصدام مع الدولة؛ وهو الأمر الذي يرفضونه، كما يؤمن سلفيو الإسكندرية بكفر الحاكم الذي لا يحكم بشرع الله، لكنهم لا يكفرونه عينيا، أي لا يقولون إن الحاكم فلانا كافر إلا بعد أن تقام عليه الحجة، فإذا امتنعت فلا.
 
 
السلفية المدخلية
النشأة
 
التيار السلفي المدخلي في مصر هو امتداد للتيار السلفي المدخلي في المملكة العربية السعودية، والذي كان قد برز إبان حرب الخليج الثانية 1991، والتي كانت نتيجة لغزو العراق تحت حكم صدام حسين للكويت، وبدأ هذا التيار في الظهور كتيار مضاد للتيارات المعارضة لدخول القوات الأجنبية كالإخوان والسرورية، فذهبت أبعد مما ذهبت إليه مؤسسات الدولة الرسمية مثل هيئة كبار العلماء، والتي أفتت بجواز دخول القوات الأجنبية على أساس أن فيها مصلحة، إلا أنهم لم يجرموا من حرم دخولها أو أنكر ذلك، فجاء الجامية واعتزلوا كلا الطرفين وأنشؤوا فكرا خليطا يقوم على القول بمشروعية دخول القوات الأجنبية، وفي المقابل يقف موقفا معاديا لمن يحرم دخولها أو ينكر على الدولة ذلك، وهذا على أساس مرجعية سلفية تتمترس في أدلة من القرآن والسنة ويعرفون بـ”الجامية” نسبة لمحمد أمان الجامي الإثيوبي الأصل، وهو المؤسس الحقيقي لهذا التيار، ويلقبون أيضا بـ”المدخلية” نسبة إلى ربيع بن هادي المدخلي وهو أحد رموز هذا التيار في المملكة العربية السعودية.
 
المنهج
 
لم يختلف المداخلة عن غيرهم من التيارات السلفية غير الجهادية الأخرى في اعتقادهم بعدم الخروج على الحاكم المسلم، وإن كان فاسقا، إلا أن المداخلة -خلافا لكثير من التيارات السلفية- يعتبرون أنه لا يجوز معارضة الحاكم مطلقا، ولا حتى إبداء النصيحة له في العلن، ويعتبرون ذلك أصلا من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، ومخالفة هذا الأصل يعتبر خروجا على الحاكم المسلم.
 
كما أن المدخلية تعتبر أن الاعتراف بالحاكم والولاء له وحده لا يكفي إذا لم يتم الاعتراف بمؤسسات الدولة الأخرى مثل منصب المفتي مثلا أو بمؤسسة الأزهر، كما أنه ليس لأحد أن يخرج عن فتوى علماء البلاد الرسميين، فإذا حلل هؤلاء العلماء فوائد البنوك فإنه على الرعية المسلمة في هذا البلد الإذعان لتلك الفتوى وعدم مخالفتها، ومن يخالف ذلك فإنه على طريق “الخوارج”.
 
 
كما تتمايز المدخلية عن غيرها من التيارات السلفية في أنها تعتبر أن الجماعة المسلمة هي الدولة والسلطان، ومن ثم فهي تشن هجوما حادا على الجماعات الإسلامية وتصفها بالحزبية؛ لأنها ضد مفهوم الجماعة في رأيهم، ومن ثم فهم “خوارج “على النظام، ومبتدعة في الدين، وهجومهم عليهم يهدف إلى إنهاء الفرقة في الأمة، والتفافها حول سلطانها.
 
ويعتبر المداخلة أن الحكم بما أنزل الله أمر فرعي، وليس أصلا من أصول العقيدة، وبذلك فإن من يحكم بغير ما أنزل الله ويشرع القوانين الوضعية لا يكون قد ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام بأي حال من الأحول.
 
رموزها
 
محمود لطفي عامر – أسامة القوصي – محمد سعيد رسلان – طلعت زهران – أبو بكر ماهر بن عطية – جمال عبد الرحمن – علي حشيش – عبد العظيم بدوي.
 
التمايزات
 
يعتبر المداخلة أنهم الطائفة المنصورة، وأن منهجهم هو منهج أهل السنة والجماعة؛ ولذا فهم يتصفون بالحدة في نقدهم لمخالفيهم إلى درجة يصفها البعض “بالتجريح”، فيكاد يكون الهجوم المدخلي قد نال كل الرموز السلفية وتياراتها في مصر تقريبا، فكل من يخالف منهجهم هاجموه، وهم في ذلك يحتسبون الأجر عند الله؛ لأن كشف زيغ المخالفين وانحرافهم عن العقيدة السلفية واجب شرعي يثابون عليه.
 
وبالطبع فكل من ليس على منهجهم فهو ليس على المنهج السلفي وفهم السلف، لكن يبدو أن الهجوم على السلفية الحركية والعلمية كان الأشرس؛ فكثيرا ما ينتقد محمد سعيد رسلان السلفيين الحركيين، ويصفهم بأنهم أهل ثورة وفتن، ومن أهل إحداث القلق والفوضى، ثم يهون من نتيجة دعوتهم ويصفها بالفشل في كل البلاد التي عملوا فيها والتي أوصلوها للخراب والدمار.
 
أما محمود لطفي عامر فقد نذر نفسه للهجوم على رموز السلفية العلمية، وسلفيي الإسكندرية بمجموعة من الخطب وكثير من المقالات وصفهم فيها بأنهم قطبيون، واعتبر أن ما يقولونه ليس من منهج أهل السنة، ووصف عامر: محمد حسان، ومحمد حسين يعقوب، ومحمد إسماعيل المقدم بأنهم “قوم مراوغون مخادعون يريدون طمس الحقائق بزيف العواطف والتعصب والهوى”.