حسام عبد القادر

Image
محمود العربي

بخمسة وعشرين قرشًا فقط بدأ الحاج محمود العربي شهبندر التجار -كما يحب أن يُلقب- تجارتَه في عالم التجارة، حيث كان يجمع القروش القليلة من عيديته في العيد، ويشتري بها ألعابا نارية وحلويات ويبيعها في قريته “أبو رقبة” بمحافظة المنوفية، إحدى المحافظات شمال القاهرة.. ويكسب فيها بضعة قروش بسيطة، ويجمع هذه القروش ليشتري بها بضاعة جديدة يقوم ببيعها مرة أخرى وهكذا.. بدأت الحكاية.

ويحكي الحاج محمود العربي “76 سنة” رئيس مجموعة شركات شهيرة ورئيس اتحاد الغرف التجارية السابق خلال اللقاء الذي عقدته معه رابطة خريجي كلية التجارة بجامعة الإسكندرية شمال القاهرة تحت عنوان “قصة نجاح”، وأدار الحوار الباحث علاء حسب الله، أنه ولد في أسرة ريفية متواضعة، وكان والده مزارعًا أجيرًا يزرع أرضًا ليست ملكه، وقام بإرساله إلى “الكُتَّاب” وهو في سن ثلاث سنوات فتعلم القرآن، وأصبح هو منهجه في الحياة، حيث لم يلتحق بالتعليم بسبب ظروف والده الاقتصادية.

وعندما أصبحت سنُّه 9 سنوات، بدأ كفاحه الحقيقي، حيث أخذه شقيقه الأكبر للعمل بالقاهرة، فعمل في محل صغير للأدوات المكتبية، وكان ذلك في عام 1942 بمرتب 120 قرشا فقط، واستمر في هذا المحل لمدة 9 سنوات حتى وصل مرتبه 320 قرشًا، فقرر وقتها أن يعمل في محل آخر لتجارة الجملة، وبالفعل اتفق مع صاحب أحد محلات الجملة أن يعمل لديه مقابل 4 جنيهات، وظل يعمل لدى الحاج عبد الفتاح أبو شليب صاحب محل الجملة لمدة 15 سنة، حتى وصل مرتبه إلى 27 جنيهًا وكان مرتبًا كبيرًا وقتها، وخلال هذه السنوات تزوج وأنجب 6 أولاد، والتحق بالخدمة العسكرية لمدة ثلاث سنوات، وكان الوحيد الذي التحق بالخدمة العسكرية من مواليد 1932، حيث رفض أن يذهب لمركز التجنيد من خلال قريته فذهب إلى قسم الشرطة بالقاهرة فاعتبروه هاربًا من التجنيد.

فاتحة خير

ويقول الحاج محمود العربي: برغم أنني الوحيد الذي التحقت بالجيش من مواليد 1932 فإنها كان فاتحة خير علي، فقد تعلمت فيه الصبر والكفاح والتفاني وحب الوطن، وعايشت حرب 1956، ورأيت قصص كفاح الشعب المصري ضد العدوان الثلاثي، وبعد أن أنهيت هذه الفترة، دعوت الله عز وجل أن يكون لي محل خاص بي، وكان لزميل لي نفس الأمل، فشاركنا شخصًا كان لديه أموال وعقدنا عقد شركة بيننا على أن نكون نحن بمجهودنا وهو بأمواله، وهكذا أصبح لدي أول محل بمنطقة الموسكي بالقاهرة، وما زلت محتفظا به حتى الآن، حيث دفعت فيه خلو “مقدم” ألفي جنيه، وأصبح الآن يساوي مليوني جنيه، وكان مبدئي أن أكسب قليلا وأبيع كثيرًا، ووصل بنا الأمر إلى أننا كنا نبيع بمبلغ 1300 جنيه في اليوم الواحد وذلك عام 1964.

ويضيف الحاج محمود العربي أنه في ذلك الوقت كانت الأجهزة الكهربائية تأتي مهربة من الدول المجاورة، إلى أن جاء عام 1974 عندما قام السادات بعمل انفتاح وبدأنا نستورد أجهزة كهربائية، ففكرت أن أعمل في هذا المجال، ولكن وجود الكراسات والأدوات المكتبية في محلاتي كانت تقف حائلا بين عملي في هذا المجال؛ لأن كل مندوب يأتي من أي شركة عالمية يكتب تقريرا يفيد بأن المكان به أدوات مكتبية، إلى أن تعرفت على أحد الرجال اليابانيين وكان يدرس بالجامعة الأمريكية وكان دائم التردد على في محلاتنا، وكان يعمل لدى إحدى الشركات اليابانية المتخصصة في الأدوات الكهربائية، فكتب تقريرا يؤكد فيه أنني أصلح لأكون صاحب توكيل لشركته، فاتفقوا معي وأعطوني 6 أشهر كتجربة.

من الاستهلاك للإنتاج

 

 ندوة محمود العربي

ويمضي العربي من تقدم لآخر، حيث زار اليابان وكان ذلك في عام 1975، ورأى مصانع الشركة التي حصل على توكيلها، فطلب منهم إنشاء مصنع في مصر، وكان لديه أرض في طريق مصر-إسكندرية الزراعي، زارها خبراء من اليابان وأقروا بصلاحيتها، وتم إنشاء أول مصنع لهذه الشركة في مصر.

ويقول العربي: بدأت بـ60 ألف مروحة في المصنع، وكان هناك صعوبة في تسويقها، حيث كان المستهلك المصري يثق في السلعة الأجنبية أكثر من المصرية، إلا أنه مع الوقت بدأت الثقة تتواجد وبعنا كل المراوح وبدأت عجلة المصنع تدور، وحققنا نقلة في الصناعة من 40% تصنيع محلى إلى 75% ثم إلى 95% في المراوح والشفاطات، ثم بدأنا نضم أجهزة الكاسيت والتلفزيونات، حتى أدخلنا الآن جميع أنواع الأجهزة الكهربائية، والثلاجات 80% منها تصنيع محلي، والتلفزيونات 80%، واللمبات 98% والسخانات 95%، والآن نصدر لأربعين دولة على مستوى العالم.

13 ألف عامل

وعن حجم العمالة بشركاته، يعود العربي بذاكرته للوراء عندما بدأت تجارته بشخص واحد فقط، وأصبح يعمل لدية الآن 13 ألف شخص، ويطمح إلى أن يصلوا إلى20 ألف شخص في 2010، موضحا أن الشركة الأم باليابان يعمل بها 180 ألف موظف، ويتمنى أن يصل لهذا الرقم لمساعدة الشباب المصري على التخلص من البطالة.

ويؤكد الحاج العربي أن أقل فرد في شركاته وهو الساعي مثلا يأخذ حوالي 600 جنيه في الشهر، بينما أصحاب المؤهلات المتوسطة تصل مرتباتهم إلى ألف جنيه شهريًّا، أما صاحب البكالوريوس فيصل مرتبه إلى 1500 جنيه شهريًّا، وكل هذه الأرقام هي بداية التعيين، ولدينا خبرات تبدأ مرتباتهم من 5 آلاف إلى 15 ألف جنيه.

والطريف أن العربي يرفض تماما أن يعمل في شركاته أي مدخن، وأصبح هناك شرط من شروط التعيين هو عدم التدخين، ومن يضبط مخالفًا يعاقب على الفور، كما يرفض التعامل مع أي تاجر إسرائيلي مؤكدا أنه ما دامت مشكلة القضية الفلسطينية باقية فإنه لن يتعامل مع أي تاجر من إسرائيل، وقد سبق أن رفض مقابلة وفد تجاري من إسرائيل أثناء رئاسته لاتحاد الغرف التجارية لنفس السبب.

احموا مالكم بمالكم

ووجه العربي رسالة في نهاية الندوة إلى رجال الأعمال والتجار، قال فيها: “احموا مالكم بمالكم”، مؤكدًا ضرورة مشاركتهم في القضاء على مشكلة البطالة، في إطار مسئوليتهم الاجتماعية، حيث سيؤدي تنامي هذه المشكلة إلى ثورة للجياع بمصر سيكون أول المتضررين منها هم رجال الأعمال.

وقبل أن يغادر العربي قاعة الندوة وجه حديثه للشباب مؤكدًا أن الرزق في التجارة وفير، وأن عليهم ألا يجلسوا في منازلهم بانتظار العمل، ثم وضع لهم وصفة سحرية للنجاح هي: رؤية وهدف واضح، وإصرار وعزيمة وثقة وتوكل على الله، وأن يحبوا لغيرهم ما يحبونه لأنفسهم.


كاتب مصري مهتم بالشأن الاقتصادي، يمكنك التواصل معه عبر البريد الالكتروني لنطاق نماءnamaa@islam-online.net