نبيل شبيب

Image
نبيل شبيب

تثير بعض وسائل الإعلام بين الفينة والأخرى الحديث عن التحوّل عن الإسلام، سواء أدرجه فقهاء مسلمون تحت عنوان “الردّة” أو أدرجه غربيون ومتغرّبون تحت عنوان “حرية تبديل المعتقد”، وتسعى من خلال ذلك أن تؤكّد وصمها الإسلام بالتشدد، أو إكراه الناس على العقيدة، أو ما شابه ذلك، وغالبا ما يكمن وراء “حملة إعلامية كبيرة” بهذا الصدد طرح حالة من الحالات الفردية، سيان هل هي صارخة وشاذة عن المألوف، أو كانت موضع التضخيم، ففي سائر الأحوال يجدر النظر فيما يوصف بظاهرة “التحول عن الإسلام” وحقيقة أبعادها، علما بأن تعبير الظاهرة يطلق في الأصل على عدد كبير من الحالات الواقعية، التي تنتشر انتشارا واسعا يؤهلها لتكون جديرة بهذا الوصف.

حجم “الظاهرة”!

مثال أول.. يوم السبت 23/3/2008م عشية عيد الفصح حسب الكنيسة الكاثوليكية الرومية، أقدم البابا بينديكت السادس عشر على تعميد سبعة أشخاص، كان من بينهم مجدي علام الصحفي المصري البالغ 55 عامًا من عمره، ونائب رئيس تحرير صحيفة “كوريرا ديلا سيرا” الإيطالية المعروفة، وكان علاّم المتزوج بامرأة مسيحية، معروفا بنقده الشديد للإسلام وهو ما أوصله إلى موقعه الإعلامي بإيطاليا، إضافة إلى عشقه لكل ما هو إسرائيلي وتصنيفه في خانة “اليمين الإسرائيلي المتطرف”، ممّا ينوّه به قوله في مقابلة مع صحيفة هاآرتس الإسرائيلية “إسرائيل هي الحصن الأخير في حرب الإرهاب الإسلامي ضد الحضارة الإنسانية”، ويشرحه بالتفصيل كتابه بعنوان “تحيا إسرائيل..” بصورة صارخة، وقد حصل على عدة جوائز إسرائيلية، ويقول إن اعتناقه الكاثوليكية بقي سرا مكتوما إلى ما قبل ساعة واحدة من تعميده البابوي، وهذا ما تشير إليه أسماء أولاده الثلاثة ومنهم “ديفيد”.

تعليقا على تعميده البابوي بصورة استعراضية، كتب سمير عطا الله آنذاك في “الشرق الأوسط” فأشار إلى أمرين، أحدهما ما نشرته “لوموند” الفرنسية عن اعتناق الإسلام من جانب حوالي 200 ألف كاثوليكي في معقل الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية، وثانيهما افتتاح كنيسة في العاصمة القطرية برغم قلّة المسيحيين هناك، معتبرا ذلك مؤشرا على التعارف بين أهل الأديان.

مثال آخر.. في ألمانيا أعلن في 28/2/2007م عن تأسيس ما سمي “المجلس المركزي للمسلمين سابقا” ليضم 120 عضوا (عدد المسلمين في ألمانيا 3 ملايين ونصف على الأقل)، وتلاه تأسيس مجالس مشابهة في بريطانيا وهولندا والدول الإسكندنافية بحجوم مشابهة، (الجدير بالذكر أنها منظمات صغيرة إلحادية تعادي سائر الأديان وليس الإسلام فقط) وقد تزامن ذلك مع الإعلان عن نتائج دراسة قام بها مركز “قلم محفوظات الإسلام” الموثوق لدى السلطات الألمانية وهي التي طلبت إليه القيام بتلك الدراسة فتبين من خلالها ازدياد أعداد من يعتنق الإسلام عاما بعد عام، حتى بلغ ما لا يقل عن 5 آلاف معتنق للإسلام، وكان حجم الزيادة قياسيا في عام 2005م، إذ بلغ العدد أربعة أضعاف ما كان عليه قبل عام واحد.

ظاهرة.. إنّ الأرقام المذكورة تقريبية، وهي غيض من فيض، لكنها كافية للإشارة إلى أن ما يُسمّى “ظاهرة التحوّل عن الإسلام” إلى دين آخر أو إلى الإلحاد، لا تكاد تمثل شيئا من الناحية العددية بالمقارنة مع ظاهرة اعتناق الإسلام، حتى أصبح أسرع الأديان انتشارا في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الأثرى عالميا والأشد ممارسة للعداء تجاه الإسلام والبلدان الإسلامية في السنوات الماضية على الأقل، وكذلك هو الأسرع انتشارا في القارة الإفريقية، موطن أفقر دول العالم، والمعرضة لأنشطة التنصير أكثر من أي بقعة أخرى في العالم.

الدوافع الفردية

برغم ذلك ينبغي التساؤل عن الدوافع، ويمكن أولا أن نقارن بين حالتين متقابلتين..

أولاهما حالة مينا آهادي، البالغة 55 عاما من العمر، وهي رئيسة “المجلس المركزي للمسلمين سابقا” في ألمانيا، وتتحدث عن نفسها فتقول إنها عزفت عن الإسلام واعتنقت الشيوعية منذ صغرها، وكانت في إيران، بلدها الأصلي، قبل أن تهاجر منه إلى أوروبا، وعندما تتحدث عن الإسلام لا يخرج حديثها عن العموميات، ممّا تردّده الحملات العدائية للإسلام، بدءا باضطهاد المرأة انتهاء بالقمع الاستبدادي.

والحالة الثانية صبرية دوروتيا بالم، اعتنقت الإسلام عام 2007م وهي ابنة 46 عاما، وكانت من المتخصصين في الاستشراق، وتقول إنها وجدت في الإسلام راحتها النفسية لا سيما “عندما انقطع عن مشاغل الدنيا خمس مرات في اليوم، وألجأ إلى الله في الصلاة” وفق تعبيرها. ويمكن أن نضع بين أيدينا أيضا صورتين متقابلتين أخريين:

أولاهما: لمجدي علام الذي سبقت الإشارة إليه، ويقول إن تركه للإسلام كان من فرط ما عايشه وهو فتى ناشئ من التضليل السياسي والإعلامي في مصر أثناء حرب 1967م، ثم تجربته مع المخابرات المصرية بتهمة تجسسه لصالح “إسرائيل” بعد أن عشق فتاة يهودية.

والصورة الثانية: بالمقابل لعارف عبد الرحمن، روديجر دويتش سابقا، وقد اعتنق الإسلام بعد أن ناهز الـ 67 عاما من العمر، وعاش منذ شبابه -كما يقول عن نفسه- حائرا بين عمله في ميدان تشغيل الأجهزة الآلية للقمار واللهو وبين دعمه للأعمال الخيرية، ثم بقي يدرس الإسلام عدة سنوات، قبل أن يجد ضالته فيه.

غيض من فيض

اختيار الأمثلة السابقة عشوائي، ولكن المتابعة المكثفة توصل أيضا إلى تأكيد ضعف الأطروحات التعميمية التي تريد أن تنفي عنصر “الاقتناع” في اعتناق الإسلام، فتروّج للقول مثلا إن النسبة الأعظم لاعتناق الإسلام تعود إلى الرغبة في الزواج بمسلم، وربما صدقت هذه الصورة جزئيا قبل جيل كامل، ولكنها تتناقض كثيرا مع الواقع الحالي الذي تحدّد ملامحه أمثلة عديدة جدا، توثقها كتب عديدة، ومن الأمثلة عليها (العناوين مترجمة عن الألمانية): “الإسلام خيارنا” لإبراهيم أحمد بواني، أو “ألمان يرشدهم الله” لمحمد بن أحمد، و”الإيمان مع العقل، طريقي إلى الإسلام” لصلاح الدين ديجان بوروفنيكا، وغيرها كثير.

أما التحوّل عن الإسلام فيصعب تحديد الدوافع إليه لسببين، أولهما انخفاض عدد من يقدمون على ذلك، وثانيهما أن هذا القليل عندما يكتب أو يتحدث علنا عن الأسباب فنادرا ما يتحدث عن الدافع حديثا منهجيا، فلا يمكن استخلاص حقيقة ما يفكر به، ولئن سرد تجربة شخصية ما، يشرد بها عن مضامين الإسلام نفسه!

تعليلات مبدئية

الثابت أن هذه الظاهرة -أو على الأصح: حالات التحول عن الإسلام وإن قلّت- موجودة، وتستحق الدراسة المنهجية، ويمكن طرح بعض التعليلات المبدئية لها على ضوء ما يستخلص من تلك الكتابات النادرة، وكذلك على ضوء أحاديث مباشرة خاصة مع بعض من تحوّل عن الإسلام، بمعنى رفضه لممارسات يومية ومظاهر تقليدية، وإن بقي يعتبر نفسه مسلما.

أهم ما يمكن رصده من الدوافع والأسباب:

1- الخلط الدائم والمعروف، بين ما يقول به الإسلام، وما يمارسه كثير من المسلمين، نتيجة الجهل أو التقاليد أو التربية المنحرفة أو التوعية الناقصة، وهي ممارسات تتناقض مع الإسلام نصا وروحا، ولكن يُرفع فوقها عنوان الإسلام، فيبدو من خلالها التشدد والتطرف وضيق الأفق، ناهيك عن التمسك بمظاهر التخلف والتأخر.

2- الإرث الثقافي والإعلامي والتربوي المدرسي الثقيل في كثير من بلدان الغرب (التي يقتصر هذا الحديث عن حالات التحوّل فيها) والذي كان من عناوينه المعروفة الإسلام دين السيف، الإسلام يضطهد النساء، الإسلام دين الاستبداد، وما شابه ذلك، وهذا مما يؤثر على الأجواء العامة والبيئة الثقافية للفرد، وإن لم يصمد بحد ذاته عند الدراسة الموضوعية، والشاهد على ذلك سقوط بعض تلك المقولات، مثل مقولة “المسلمون يعبدون محمدا” (صلى الله عليه وسلم) وهي ما اعتُمد لنشر وصفهم بالمحمديين ردحا طويلا من الزمن.

3- ركوب بعض الأفرد (المتحوّلين) موجة التخويف من الإسلام، كما انتشرت سياسيا وإعلاميا منذ سقوط الشيوعية واشتدت بعد تفجيرات عام 2001م في نيويورك وواشنطن، وانطلاق موجات عداء الإسلام المتعددة الأشكال والميادين، فبعض من لم يكن يعتنق الإسلام إلا بالهوية أو المولد، يظنّ في تلك الأجواء مدخلا مناسبا إلى الشهرة والكسب.

4- حرص مراكز فكرية وإعلامية وثقافية غربية، لا تزال صناعة القرار فيها تحت تأثير ما عرف بالثورة الطلابية أو الثورة الجنسية من عام 1968م وما تلاه، على إبراز كل إنتاج أدبي أو فكري أو إعلامي مهما كان “ضعيفا” بالمعايير المعتبرة، ما دام يتماشى مع أطروحات التحرر المطلق من الأديان والأخلاق والقيم، وقد يصل إلى درجة العداء للأديان عموما، وهذا ما نعرف من نماذجه “التي صُنعت شهرتها صنعا” سلمان رشدي وتسليمة نسرين، ونجد عليه أمثلة مصغرة باستمرار، كتسليط الأضواء على امرأة مسلمة تنزع حجابها، أو أخرى وجدت نفسها ضحية المتشددين في بلد إسلامي بعد زواجها من مسلم، وما شابه ذلك.

بين الغضب والتعقّل

لا جدوى من بذل الجهد -وقد بُذل فعلا- بحثا عن أسباب ودوافع يمكن طرحها من زاوية المقارنة الموضوعية بين الإسلام وأديان أخرى، أو حتى بين التدين عموما والإلحاد، كي نعتبر تلك الأسباب والدوافع كامنة من وراء حالات التحول عن الإسلام المحدودة حجما وتأثيرا في الغرب.

ولا ينفي ذلك وجود دراسات مقارنة يقوم بها بعض مراكز الاستشراق والفكر وقد توصل إلى نتائج خطيرة بسبب اللباس العلمي الذي ترتديه، ولكن لا توجد صلة وصل موضوعية بين تلك النتائج -وهي في حاجة إلى بحث مفصل لا ينفسح له المجال هنا- وبين ما يطرحه الأفراد الذين يتحوّلون عن الإسلام، والذي لا يخرج عن الإطار العام المذكور عبر الأمثلة الواردة في مطلع الحديث.

كثير ممّا يصنعه هؤلاء يصب في خانة “الإثارة المتعمدة”، حتى أن آرزو توكر نائبة رئيسة ما يسمّى بـ”المجلس المركزي للمسلمين سابقا”، ذكرت أن اختيار هذه التسمية للمنظمة الصغيرة كان يستهدف “الاستفزاز لانعدام الاهتمام بنا حتى الآن”، ويسري ذلك على مهاجمة وزير الداخلية الألماني شتويبلي بسبب إطلاقه مشروع “مؤتمر الإسلام” ومطالبته بقطع كل اتصال مع “المنظمات الإسلامية” برغم أنّه دعا “علمانيين” يحملون اسم الإسلام ويعارضون تطبيقه إلى المشاركة في المشروع منذ البداية، كما يسري على ما قيل بشأن “تهديدات بالقتل” تلقاها بعض “المسلمين سابقا” ورد فعل الأجهزة الأمنية بوضعهم تحت الحماية ليلا ونهارا!

الاستفزاز وسيلة من وسائل إثارة الغضب ودفع “المتسرّعين” إلى مواقف مضادة، قد تكون متشددة متطرفة، فتصبح هذه المواقف مادة مرحّبا بها للضجة الإعلامية المطلوبة، فيساهم المعترض على تلك الممارسات في التهويل من شأنها بدلا من التخلص منها وإن كان هذا هدفه.

تجنّب التهويل لا يعني الامتناع عن تقدير واقع الحالات المعنية كما هي، والتصرف المتعقل المدروس كيلا تتحوّل إلى “ظاهرة” بالفعل.. على أن التصرّف المطلوب هو ما ينبغي توجيهه إلى الجهات التي يمكن أن تتأثّر بتلك الممارسات، في أوساط المسلمين أنفسهم وخارج نطاقهم، فهي المستهدفة أولا، وهي التي يمكن أن ترسم على حسب توجهاتها معالم البيئة العامة حول الوجود الإسلامي في الغرب، نخبويا وجماهيريا.

لا يعني ذلك وضع صيغة ما لحملة مضادة وإطلاقها من عقالها، بل المطلوب من الأصل هو الكشف عن حقائق الإسلام وطرحها بصيغة شمولية، وهذا واجب على المسلمين على أي حال، فيكون في ذلك الردّ المتعقل غير المباشر، ولكنه المؤثر على المدى القريب والبعيد، في الاتجاه الصحيح.

هذا ممّا يُرجى أداؤه على مستوى التنظيمات الإسلامية العاملة في أوروبا، لكن كثيرا ممّا يصنعه الأفراد يترك أثره الفعال أيضا إذا كان متوازنا هادفا. ويمكن أن نذكر على سبيل المثال الأثر الكبير الذي تركه في حينه كتاب “حلية كاديمير” عن تحوّلها من حياة مغنية إلى حياة مسلمة ملتزمة، وقد أثارت به ردود فعل إيجابية أضعفت كثيرا من مفعول سلسلة من الكتب الأخرى التي صدرت من قبل بصيغ مشوّهة لحقيقة الإسلام ووضع المرأة المسلمة فيه. ونذكر مثالا آخر كتاب “لماذا تقتل يا زيد” بقلم يورجن تودنهوفر (من الكتاب العاملين المعروفين في السياسة والإعلام)، وما يزال تأثيره مستمرا إلى الآن.

مثل هذه الأعمال الفردية يمكن أن تترك أثرا أكبر وأن ينشأ عنها المزيد فتصبح “مستديمة”، عندما تجد من يحتضنها بصورة مناسبة من جانب التنظيمات والمراكز الإسلامية في أوروبا، كأن تخصص جائزة دورية لأفضل إسهام فكري وثقافي يخدم الإسلام ووجوده في الغرب، أو عقد ندوات دورية على مستوى فكري وثقافي يشارك فيها مفكرون وكتّاب من المسلمين وغير المسلمين، أو تشكيل لجنة تختار سنويا أفضل مقولة تردّدت عن الإسلام والمسلمين في بلد من البلدان الأوروبية لتكريم صاحبها.

والقاسم المشترك لهذه الأمثلة المعدودة هو تأكيد أنّه بقدر ما يكون الردّ على التحوّل عن الإسلام في أوروبا رصينا ومتعقلا وفي إطار صيغة شمولية، بقدر ما يكون مفعوله على المدى البعيد كبيرا، ويكون كشفه عن تهافت المضمون الحقيقي لأعمال من يتحوّلون عن الإسلام لأسباب لا علاقة لها بحقيقته.


كاتب فلسطيني المولد (عكا) سوري الأصل، من مواليد 1947 م، ومقيم في ألمانيا منذ عام 1965م.