بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

والله إني لا أعجب كل العجب من هذه الضجة التي أثيرت بغير موجب؛ فالرجل زار المغرب وسئل من أفراد من المسلمين المغاربة فأجابهم على سؤالهم ورخص لهم بالاقتراض الربوي من أجل السكن بحكم واقعهم الاضطراري، وهذه فتوى صحيحة لا خلاف حولها؛ لأنها تستند إلى قول الله عز وجل: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}، وعلى غرار هذه الآية تقررت في الشريعة الإسلامية القاعدة المعروفة “الضرورات تبيح المحظورات” أي المحرمات.

وفي القرآن مثلا أباح الله عز وجل للمؤمن أن ينطق بكلمة الكفر إذا أكره على ذلك، وذلك قوله سبحانه: {مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}، يعني أن من أكرهه الكفار على إعلان كفره بالإسلام كأن يسب الله عز وجل أو نبيه صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك جاز له أن يفعل ما أمر به إذا كان تحت الإكراه، وهذه أمور كلها أعظم من تعاطي الربا…

وفي السنة وفي الفقه مسائل كثيرة من هذه القاعدة؛ فالفتوى التي أصدرها الشيخ القرضاوي فتوى صحيحة أراد بها التيسير على المعوزين والمحتاجين الذين لا يجدون قدرة على استئجار السكن كما ذكرنا آنفا في مثل هذه الفتوى.

وليس بالضرورة أن تصدر الفتوى من علماء بلد المستفتي؛ فالإسلام هو خطاب الله لخلقه والله عز وجل يخاطب عباده بكتابه وعلى لسان رسوله أينما كانوا وحيثما وجدوا وليس في الإسلام عنصرية ولا عصبية ولا غير ذلك من الاعتبارات، وحتى واقعنا في المغرب يؤيد هذا، فمن المعلوم أن المغرب يجري فيه العمل بالمذهب المالكي والإمام مالك ليس مغربيا بل هو من المدينة، كما أن علماء المذهب الذين كانوا بعد الإمام مالك عبر قرون الأمة وأجيالها ليسوا كلهم من المغرب وأقوالهم وآراؤهم وفتاواهم تسري على المغاربة كلهم في هذا العصر.

فلا يمكن أن يقال في الإسلام إنه لا يستفتى إلا عالم من علماء البلد؛ لأن المفتي يتعامل مع السؤال فإذا طرح عليه السؤال أجاب عنه ولا يعنيه أن يبحث في خلفية السؤال أو في أحوال السائل، وهذا ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “أيها الناس إنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض -أي أفصح وابلغ- فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فإنما هي قطعة من نار فليأخذها لو ليذرها”.

فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يتبرأ من كل من أراد أن يتلاعب بحكمه وقضائه بطلاقة لسانه أو بالإدلاء بالحجج الكاذبة؛ لأنه يتعامل في جوابه مع السؤال والقضية، ولم يقل إنه لا بد من البحث في خلفية السائل وظروفه وأحواله، فيكفي التعامل مع السؤال. وهذا الذي كان عليه العلماء وأهل الفتوى منذ أقدم العصور، يستفتى المفتي فيفتي على حسب ما يسمع.

والذي يندى له الجبين هو ما صدر عن هيئة الإفتاء في المجلس العلمي الأعلى من تجريح وطعن في الشيخ القرضاوي ونعته بنعوت لا تليق أن تصدر من أهل العلم؛ لأن الرجل على كل حال ضيف على المغرب، والضيف له حقه وأقل ما له حق الاحترام والإكرام، ثم إنه رجع من المغرب وكان ينوه بالمغرب في كل المحافل واللقاءات وأنه بلد إسلام، وينبغي ألا يجازى بهذا الجزاء الذي ينبغي للعلماء أن يتصفوا به.

وبيان هيئة الإفتاء في المجلس العلمي الأعلى لم يناقش فتوى الشيخ القرضاوي ولم يعرض لها بنفي ولا إثبات، مع أن الناس في أشد الحاجة إلى معرفة الحكم الصحيح في هذه الفتوى، فإذا كان المطلوب ألا يفتي في البلد إلا علماؤه فعليهم أن يفتوا المسلمين في هذه الواقعة؛ فالسؤال حول هذه الواقعة كثير جدا ولا يمر يوم دون أن يطرح السؤال حولها، فكان الواجب يقضي على هيئة الإفتاء المغربية أن تسعف المسلمين في المغرب بفتوى شرعية تنقضهم مما يتخبطون فيه من الحرج والمشقة والارتباك.

والله أعلم

طالع أيضًا: