القاهرة- حمدي الحسيني- إسلام أون لاين.نت/ 15-1-2005
الدكتور كمال بشر رئيس جمعية حماة اللغة العربية (وسط) والدكتور صلاح فضل نائب رئيس الجمعية (يمين) والإعلامي طاهر أبو زيد

كنت الصحفي الوحيد تقريبا الموجود داخل القاعة، وكان وجودي بدافع الفضول الذي أثاره اسم الجهة الداعية جمعية “حماة اللغة العربية”، التي عقدت ندوة خاصة عن “اللغة العربية وتحديات العولمة”.

إلا أن القاعة امتلأت رغم برودة الجو وغزارة الأمطار، بعشرات من الشباب والشيوخ الذين توافدوا على مقر “المنظمة المصرية للتضامن” التي استضافت لقاء الجمعية، مساء الإثنين 10-1-2005، وهي جمعية أهلية تشكلت قبل 7 سنوات وتضم نخبة من الإعلاميين والمثقفين الذين يجمعهم معا عشق اللغة والذود عنها.

قبل الندوة بأيام نشرت الصحف المصرية خبرا عابرا لكنه لافت “حول تشكيل وزارة العدل لجنة تتولى تصحيح الأخطاء اللغوية الواردة في الأحكام التي يصدرها القضاة في المحاكم المصرية”. الخبر مر على القراء دون تعليق بينما استوقف أعضاء الجمعية فدعوا إلى عقد هذه الندوة.

مهملة من أهلها

مناقشات ومداولات شهدتها الندوة حول الأسباب التي أدت إلى إهمال اللغة العربية من جانب أهلها إلى حد احتقارها في بعض الأحيان بخلطها بكلمات من لغات أجنبية أخرى، وتعددت خلال الندوة النظريات في أسباب الإهمال وطرق معالجة الخلل في علاقة اللغة بأصحابها ومستقبل الأجيال القادمة معها.

اللغة مقياس للتقدم

رئيس الجمعية الدكتور “كمال بشر” الأمين العام لمجمع اللغة العربية والعميد الأسبق لكلية دار العلوم أشار إلى الرابط بين “قوة أي لغة وقوة المتحدثين بها فلو كانوا قوما متقدمين وحياتهم رغدة مزدهرة كانت لغتهم أكثر ازدهارا وبهاء وتألقا وهو ما لا ينطبق على الأمة العربية في الوقت الراهن”، ومع ذلك بدا شيخ اللغة العربية متفائلا فيما يتعلق بمصير اللغة ومستقبلها، والسبب يرجع إلى أنها “الرابط الوحيد المشترك بين العرب في الوقت الذي غابت فيه كل الروابط والتفاهمات السياسية والاقتصادية حتى الثقافية، وبقيت اللغة هي وسيلة التواصل في هذه الأمة”.

هدم الأعمدة

ولفت الدكتور بشر إلى أن أكبر جريمة ترتكب في حق اللغة العربية هو “نطقها بطريقة خاطئة في وسائل الإعلام مما سهل شيوع الأخطاء لدى عامة الناس وجعل من السهل أيضا أن يخطئ رؤساء الدول في اللغة العربية دون مبالاة وكذلك خطباء المساجد ومدرسو اللغة العربية في المدارس”.

قلت للدكتور بشر: منذ 7 سنوات أنتم تشتكون من إهمال اللغة العربية ولا مجيب، قال: “انظر حولك، نحن نتواصل مع أعضاء البرلمان ومسئولي الإعلام ومسئولي الثقافة وغيرهم من المسئولين، لكنهم لا يهتمون بما نقول، وأنت خير شاهد على ذلك؛ فقد دعونا كل وسائل الإعلام المتاحة لحضور هذه الندوة ولم يهتم أحد تقريبا، فهل نملك إلا حماسنا وكلماتنا نرددها لعلها توقظ يوما ما من يهتم”.

الخطر الأمريكي

أما الدكتور صلاح فضل نائب رئيس الجمعية ورئيس شعبة اللغة والآداب بالمجلس الأعلى للثقافة التابع لوزارة الثقافة المصرية، فقد حدد حزمة من التحديات تواجه اللغة العربية في عصر العولمة، قائلا: “العولمة تستهدف إزالة الحدود واقتلاع وسائل الحماية واقتحام خصوصية الشعوب وتنميط المجتمعات بنمط واحد هو النموذج الأمريكي بالطبع؛ وصولا إلى أمركة الفعل الإنساني وتهميش الثقافات الهشة وإجبارها على التراجع فضلا عن جذب المفكرين والمبدعين من كل المجتمعات وإغرائهم بمميزات اقتصادية وحياة متقدمة للهجرة إليها ولتكريس تفردها وتميزها”.

غير أنه رأى -رغم ذلك- أنه لا يوجد ما يدعو للقلق من ذوبان اللغة العربية في عصر العولمة؛ والسبب “أنها لغة القرآن والله سبحانه وتعالي تعهد بحفظها” ثم إنها اللغة الوحيدة في العالم القادرة على الصمود بل هي الأطول عمرا حيث يصل عمرها إلى حوالي 1700 عام، فضلا عن تمتعها بالمرونة دون غيرها من لغات العالم، فكتابات بداية القرن الماضي تختلف عن أسلوب الكتابة في نهايته. وفي هذا الصدد ضرب الدكتور فضل مثالا برواية “صهاريج اللؤلؤ” للروائي المصري خيري شلبي الصادرة في تسعينيات القرن العشرين فهي مأخوذة عن كتاب بنفس الاسم للأديب توفيق البكري كتبه عام 1906، “والذي يطالع العملين يكتشف مدى المرونة والتطور الذي لحقا باللغة في العملين وهو ما يبعث على الاطمئنان وعدم الخوف على مصير اللغة العربية في المستقبل”.

اهتزاز الانتماء

وفتح الإعلامي المصري الكبير طاهر أبو زيد الباب أمام مناقشات الحضور التي جاءت بشكل تلقائي معبرة عن مخاوف متنوعة من جميع الحاضرين نتيجة تدهور أحوال اللغة العربية.

أول هذه المخاوف طرحها اللواء منير شاش أحد أكبر قادة حرب أكتوبر 1973 ومحافظ شمال سيناء الأسبق محذرا من اهتزاز الانتماء لدى الأجيال الجديدة بسبب التوسع في انتشار المدارس الأجنبية بمصر قائلا: “فوجئت بأن أحفادي يتحدثون معي بلغة خليط من العربية والألمانية لأنهم يتعلمون في مدارس ألمانية، والأخطر عندما تقام مباريات بين مصر وفريق ألماني يشجع الأطفال الفرق الألمانية”.

وطلبت شابة جامعية الكلمة معترضة على صعوبة اللغة العربية مقارنة بينها وبين اللغات الأجنبية الأخرى التي تعلمتها وأجادتها بسرعة أكبر من تعلمها للغتها الأم، وطلبت من المنصة ضرورة حل هذه المشكلة حتى لا يهرب الشباب من العربية إلى اللغات الأجنبية الأخرى.

وعلى الفور انفعل فتحي الملا -إعلامي مصري بالإذاعة والتليفزيون- محذرا من أن “هناك مؤامرة أمريكية على اللغة العربية، أطرافها من الداخل يحاولون الدعوة إلى تغيير قواعدها وتدميرها، متسائلا: أين دور الدولة وكليات اللغة العربية بالجامعات لتتولى حماية اللغة من هذا الخطر؟!”.

وفي المقابل رد عليه محمد الخولي مترجم سابق بالأمم المتحدة وعضو بالجمعية: “أعترض على أن يكون للولايات المتحدة دور في فرض ثقافتها فهي لم ترسل دباباتها لتدمير لغتنا بل نحن المسئولون عن هذا التدمير، وأي شيء غير ذلك يعد هروبا من المسئولية”.

اقتراحات للحل

وبينما تقترح المهندسة زينب -بهيئة كهرباء مصر- أن يتولى الأزهر دعم جهود الجمعية لحماية اللغة العربية بما لديه من إمكانيات ضخمة ليس في مصر فقط بل في أنحاء مختلفة من العالم العربي أجمع، مشيرة إلى أن وزارة الكهرباء في طريقها لوضع قاموس مصطلحات سيتم تعميمه على الدول العربية المشاركة في مشروع الربط الكهربائي الموحد.

ومن آخر القاعة جاء صوت شخص غاضب قدم نفسه بأنه عضو الجمعية ويعمل في تراخيص المحلات بمحافظة القاهرة، اعترض على قرار غير مكتوب بعدم منح تراخيص لمحلات تحمل أسماء ورموزا إسلامية بينما تتم الموافقة على الأسماء الغربية.

وطلب أشرف راضي –مترجم- الكلمة واقترح البحث عن أسلوب جديد لترجمة المصطلحات الأجنبية -خاصة العلمية- إلى العربية لأنها تعبر عن مفاهيم فكرية لأصحابها الأصليين ويصعب ترجمتها للغات الأخرى بدقة، واتفق معه محمد الخولي في أن المصطلحات البيئية والمرتبطة بالمعلوماتية هي التحدي الصعب أمام المترجمين إلى العربية.

وتدريجيا ارتفعت وتيرة المناقشات وإيقاعها لتغطي على برودة الجو وتصاعدت معها الغيرة على اللغة ووقفت صحفية كبيرة في السن تشكو من ضعف لغة الإعلاميين الجدد ووقوع الكثير منهم في أخطاء إملائية صغيرة، واعتبرت أن هذه كارثة السبب وراءها أن الظروف الاقتصادية فرضت على الآباء الحرص على تعليم أبنائهم اللغات الأجنبية لضمان وظيفة في ظل البطالة المتفشية في المجتمع المصري، مطالبة بضرورة الحد من نشر إعلانات طلب الوظائف باللغات الأجنبية في الصحف المصرية.

التجربة الكورية

ووقفت سيدة تجلس على يمينها تتفق مع ما قالته جارتها وأضافت أن السبب في ذلك يرجع إلى انتشار الجامعات الأجنبية في مصر التي وصل عددها إلى 5 جامعات بدءا من الجامعة الأمريكية وانتهاء بالبريطانية والفرنسية والألمانية وحتى الكندية، وتساءلت: لماذا لا ننشئ جامعات عربية في الغرب أيضا مثلهم؟ ثم رد عضو آخر -قال إنه سيعكس الأمر مع المتحدثين- يزف لهم خبرا حول تعاقده مؤخرا للعمل مع برنامج ترعاه الحكومة الكورية الجنوبية ويهدف إلى تعليم 5 آلاف جندي كوري اللغة العربية كل عام!.

عند هذا الحد لملمت أوراقي وخرجت من القاعة أحدث نفسي قائلا: “سبحان الله الكوريون يتعلمون العربية والعرب ينسونها!”.