الأخ الكريم، لا أخفيك أن رسالتك مليئة بالقضايا الشائكة والمحيرة في كيفية التعاطي معها ومناقشتها، فأنت تثير الكثير من المسائل الكلية والجزئية التي يحتاج الدخول فيها إلى مطولات، غير أن سؤالك الكبير و”الأهم” –بتعبيرك- في ختام رسالتك: “ما الأدلة الناصعة الواضحة التي لا تشوبها شائبة ولا يختلف عليها اثنان أن الإسلام هو الدين الحق؟”.

وسأحاول الإجابة على رسالتك الطويلة عبر المحاور التالية:

مساءلات.. وأسئلة معاكسة

أنت تؤكد في مفتتح رسالتك على إيمانك، وأنك تسأل بهدف أن “تدفع عن نفسك كل شبهة لتصل إلى درجة اليقين الذي يرضي الله عنك به”، وهذا ما تحدد به موقفك، لكن قارئ أسئلتك وإشكالاتك لا بد أنه سيخلص إلى نتيجة مفادها: أنك متشكك في الإيمان بالدين أصلاً وبالإسلام تحديدا، وبصدقية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وحتى القرآن بدأ يخالجك بعض الشبهات حوله.

وكل هذا وقع منك بسبب تقول عنه في الختام: “نحن نقول: إن استعمال العقل سيقود للإيمان، ولكن ما إن نبدأ باستعمال العقل حتى نجد أمامنا الشبهات”. معنى ذلك أن عقلك أدى بك إلى الشك نقيض الإيمان.

لكن أريد أن أتوقف معك قليلا حول مداخل إشكالاتك، وأن أمارس عقلي أيضًا في مناقشة شبهاتك؛ لنرى إلى ماذا سنصل. واستصحب معي أنك تريد الإنصاف حسب قولك لا العناد.

محطتك الأولى كانت حول الإيمان بالدين، وأن الدين ما هو إلا وهم اخترعناه لنقنع به أنفسنا. والثانية: أن القرآن لا يركز بقوة على صدقية الرسول، وغالبا ما ينكر طلب الناس لآية حسية على صدقه، وأنت تريد دليلا حسيًّا على صدقه. الثالثة: أن الدين والعقل متناقضان؛ فالدين يفرض علينا التسليم بأمور لا قبل لعقولنا بها.

الرابعة: سيرة الرسول يمكن قراءتها بطريقتين: صورة مثال التواضع واللين والرحمة، وصورة مثال القسوة والذاتية (أنا سيد ولد آدم..).

الخامسة: أن الدين الحق يعرف بالثمار لا بالمعجزات.

السادسة: أن الإسلام لم يرع البشر جميعًا وجاء بالإكراه على الدين لغير المسلمين.

السابعة: المسيح لا يمكن لأحد أن يتحقق من كون ميلاده معجزة.

الثامنة: أن القرآن لم يصمد كحقيقة ناصعة؛ لأن البعض قال بتحريفه.

وبعد طرحك لكل هذه الإشكالات الكبيرة (وبينها الكثير من الشبهات الجزئية ذكرتها في رسالتك) قلت: (أعاني من هذه الأسئلة.. أفكر في العذاب.. وهو ما يمنعني من التفكير بحرية). وأود أن أسألك بإنصاف: مع كل أسئلتك الكبيرة هذه وشبهاتك ولم تكن تفكر بحرية؟ ماذا بقي إذن؟! فشبهاتك طاولت الله والرسول والمسيح والقرآن والدين والتاريخ (السيرة) وو…!

وأود أن أسألك: إذا كان لديك كل هذه الشكوك حول الإسلام، فكم لدى عقلك من الأدلة على صحته في المقابل؟ ألا ترى معي أنك تقف عند الجانب المظلم من عقلك؟ والإنصاف يقضي بأن تضع الشكوك إلى جانب الأدلة وتنظر فيهما معًا.

ثم هل حاولت أن تُعمل عقلك نفسه لتتأمل في حشدك للشبهات وترتيبها؛ لتجد أنك تركبها بشكل غير متسلسل منطقيا، ولا متوازن عقليًّا، كمن يريد أن يحشد الأدلة على النفي، وبطريقة غير منتظمة؛ لتزيد في الشك وخلخلة الإيمان المستقر؟ فهل يتساوى لدى عقلك كل الأدلة على نفي اليقين، أم أن العقل يقول بأن الأدلة تتفاوت في مستوياتها؟ ثم تأمل أنك في بعضها تبني الشك على افتراضات مثل قولك: (ماذا لو ثبت نص شرعي مخالف لحقيقة كونية؟).

وإذا كنت تطلب اليقين في الإيمان فالعقل يقتضي أن تطلب اليقين في النفي أيضًا؛ حتى يطمئن إليه قلبك. وإذا كنت تريد أدلة حاسمة واضحة على الإثبات، فهل عرضت شبهاتك على عقول أخرى؛ لترى هل هي شبهات أم أدلة واضحة وحاسمة للنفي؟

بنيت معظم شبهاتك وشكك على أن الإيمان يجب ألا يختلف فيه اثنان، وشبهاتك كلها اكتسبت مشروعيتها من كونها تحتمل الاختلاف وفيها رأيان؛ كسيرة النبي التي يمكن قراءتها سلبا وإيجابا، والقرآن الذي قال البعض بتحريفه إلى غير ذلك.

ألا ترى أن مقدمتك وما بني عليها متناقضة عقلا؟! فأنت تجعل الاختلاف ذاته دليلا على النفي، ثم لا تسأل عقلك ما ضابط هذا الاختلاف؟ وهل كل اختلاف معتبر؟ وهل كل قول في مسألة ما يكون دليلا على نفي صحتها لمجرد استحداث قولين في المسألة؟ وهل تتساوى الأقوال كلها مهما كانت في الاستدلال بها؟ وهل معنى ذلك أن العقول تتساوى، والاحتمالات العقلية الناتجة عنها تتساوى؟ بل هل ترى نفسك كيف تجعل من الاحتمالات العقلية نفسها (ماذا لو، إذا تعارض…) أدلة عقلية لا تقبل النقاش والجدل؟

هل لاحظت كيف أنك أنت نفسك تدرجت في الشبهات من الاستدلال بوجود قولين في المسألة لنفي صحتها، إلى الاستدلال بالاحتمالات العقلية، وصولا إلى دفع كل مدخل لمناقشة تلك الشبهات من خلال:

  • الاعتداد بكل ما قيل، وبكل ما خطر للعقول دون تمحيص.
  • رفضك للتأويلات المطروحة لبعض النصوص، وحكمك عليها تارة بأنها “تجميل” وتارة بأنها “دفاع” وتارة بأنها “متعسفة” إلى غير ذلك.

هل تصر بعد هذا على أن شبهاتك منصفة؟ ألم تلاحظ أن هناك فجوات عقلية ومنهجية كثيرة في طريقة إيراد شبهاتك غير المتناسقة بين أصولها وأجزائها، ثم في درجة صحتها عقلا، ثم في مدى قوتها لمعارضة الأدلة المقابلة التي لم تأت على ذكرها، ثم في سياق الأخبار التي أتيت عليها واستدللت بها لتأكيد شكك، ثم في اعتماد صحتها جميعًا -وهي أخبار- وصلاحيتها للاستدلال بها؛ لتكون شبهة ناهضة في التشكيك في الأصول الثابتة؟.

وإذا كنت تستدل بالناس الذين يشكون بهذا الدين (من غير عناد ولا كبر كما تقول)، فلماذا تغفل عن الملايين التي تؤمن بكل ما تشك أنت به ولا تضعها في مقابل من يشكون حتى نكون منصفين فعلا؟ ألم تر أنك وضعت شرذمة ممن قالوا بتحريف القرآن بمقابل الجماهير المجمهرة عبر التاريخ المديد لتستدل بذلك على إثبات شكك في سلامة القرآن من الاختلاف فيه؟!

ثم لنتساءل -عقلا- متى كان الاختلاف في ذاته (ولن نخوض في ضابطه وما يصح فيه الاختلاف عقلا وما لا يصح) دليلا على النفي؟ ثم ألم تر أنك أنت الذي تذكر كل هذه الشبهات بناء على إعمال عقلك في الدين، تخليت عن العقل نفسه حين طالبت بدليل (حسي لا عقلي لأن عقول الناس لا تتفق أبدا) بحسب قولك؟ أليس هذا تناقضًا؟.

ثم تعال نمضي في هذا الحكم الذي تطلقه إلى نهايته، ولنقل معك (إن العقول لا تتفق أبدا ولو على أصغر الأمور)، فكيف تناقض نفسك مناقضة عظيمة فتستدل باختلاف العقول (وهو اختلاف قطعي كما تقول) على الشك بالدين والرسول والقرآن؟

بل كيف تطلب اليقين وأنت تقول بنفسك إنه ليس هنالك يقين لأن العقول لا تجتمع على أصغر الأمور؟ ومن قال إن الدليل الحسي يمكن أن يتفق الناس عليه؟ تعال نُعمِل الاحتمالات العقلية (وهي طريقتك المفضلة في الرسالة) في الدليل الحسي.

هب أننا رأينا معجزة انشقاق القمر عيانا، فأنت ستؤمن بها يقينا بحسب قولك، أما أنا فيما لو أعملت عقلي سأقول: أنا أمام حادثة رأيتها، يمكن أن تكون سحرًا، يمكن أن تكون تهيئًا، يمكن أن تكون تخيلاً، يمكن أن تكون خدعة بصرية، يمكن أن طَلَب من يدعي أنه رسول، صادف حينها ظهور برق أو شهاب أو أي شيء كوني لا أعرفه فظهر ما ظهر، يمكن أن يكون هذا شيئا آخر غير القمر حملته السحب، ماذا تبقى من اليقين الذي لا يختلف فيه اثنان؟!

ثم تعال ندقق في محل الشبهات ومستوياتها، ألا ترى أنها تخلط القرآن بالسنة بالتاريخ بالجهد البشري؛ لتراكم ذلك كله كحجة قوية على التشكيك؟ كيف تتساوى جميعا؟ وكيف يكون اختلاف البشر في حقيقة ما دليلا مؤثرا في صدق تلك الحقيقة في ذاتها؟ متى كان الوجود الذهني والوجود الموضوعي متلازمين؟

ألا ترى أن القول بتطابق الوجودين هو ما أوقع في التشكيك؟ قديمًا انتقد الإمام ابن تيمية اليونان لأنهم يجعلون تلازمًا بين الوجودين: الذهني والموضوعي؛ بحيث “تحال التصورات الذهنية إلى موجودات موضوعية مستقلة وهذا يعود بنا إلى النظرة التشكيكية في الوجود التي ترى أن الوجود لا يعدو كونه عالمًا من الخيال في عقولنا”، أليس هذا ما قلتَ به تحديدا في فكرة الدين والإيمان؟

ألا ترى أن اختلافي أنا مع شبهاتك دليل يستدعي شكك في صحتها، بناء على المقياس نفسه الذي حاكمت به القرآن والدين والرسول وغيرهم؟ فها هي شبهاتك لم تجلب اتفاقا يقينيا لا يختلف فيه اثنان! إن قبلت بهذا المقياس في شكك فاقبل به هنا فيتساقط الأمران!

لن أستفيض أكثر من ذلك في إثارة الأسئلة، واستعمال نفس المنطق الذي تناقش به، ففي هذا كفاية على تأكيد قولك في رسالتك: (فقدت الثقة في عقلي لكثرة أخطائه في الحكم على الأمور)، لكن السؤال هنا كيف نصحح لك طرق المعرفة ونُعمِل العقل بشكل صحيح؟

العقل.. مفهومه وحدوده

لنبدأ من العقل نفسه، فشبهاتك ومناقشاتك كلها وقعت من مدخل “إعمال العقل” كما تقول، فلا بد من وقفة مهمة حول مفهوم العقل نفسه والحدود التي يعمل بها حتى نتكلم على بينة. وقبل الخوض في ذلك لنتأمل كلامك حول العقل، ثم ممارستك له.

أما كلامك فهو الآتي:

– (عقول الناس لا تتفق أبدا ولو على أصغر الأمور؛ فهذا يرى الشيء كريهًا وذاك يراه مقبولا وغيرهما يراه مستحسنا).

– (كيف نعتمد على العقل إذا كانت تعاليم الدين تفرض علينا أن نسلم بأمور لا قبل لعقولنا بها؟).

– (فقدت الثقة بعقلي لكثرة أخطائه في الحكم على الأمور، فكيف أثق به في أمر مصيري كهذا؟) تعني أمر الحساب في الآخرة.

– (نحن نقول: إن استعمال العقل سيقود للإيمان ولكن ما أن نبدأ باستعمال العقل حتى نجد أمامنا الشبهات).

وأما ممارستك له؛ فقد تلخصت في أنك إذا أقنعت نفسك بفكرة فستؤمن بها، ولذلك فالإيمان يمكن أن يكون من اختراع أنفسنا، ولأن عقول الناس لا تتفق أبدا فلا بد من دليل حسي على صدق النبي. ثم رحت تقول: إن الدين يطلب منا أن نؤمن بما لا يمكن قبوله عقلا، ثم رحت تعترض على أنه لماذا يصعّب علينا الأمر ولا تكون أمور الإيمان واضحة نقية؟ ثم قلت إن سيرة الرسول يمكن أن تكون نقية بيضاء ويمكن أن تكون غير ذلك، وكذلك القرآن يمكن أن يكون محفوظًا ويمكن أن يكون محرفًا، ما يدرينا؟ إلى غير ذلك.

لاحظ معي أن لديك اضطرابا في مفهوم العقل نفسه، وكيف تُعمله في الأمور، ولذلك اضطرب استخدامك له، بل أنت شككت في عقلك ذاته، وقلت لا يوثق به، بل لم تثق بعقول الناس لأنها تختلف أبدا، وأنت الذي تطلب كل شيء بالعقل تركته وقلت: لا أريد دليلا عقليا بل دليلا حسيا لأنه أصدق!.

كان من ضمن شروح صحيح الإمام البخاري شرحان: لابن بطال ولابن حجر، وكان ابن بطال في شرحه يكثر من مناقشة (الاحتمالات العقلية)، وراح ابن حجر في شرحه اللاحق يناقش احتمالات ابن بطال، إلى أن قال ذات مرة: (وقد قلنا غير مرة إن الاحتمالات العقلية لا مدخل لها هنا!). وأنت تكثر من التعويل في شبهاتك على الاحتمالات وكثير منها لا يسنده دليل.

ومعرفة العقل وتحديد مفهومه أساس لمعرفة مجاله وكيفية إعماله، وللتفرقة بينه وبين الوساوس والهوى والعناد، بل لمعرفة كيفية حصول المعرفة وعلاقتها بالعقل، فليس كل ما ورد في الخاطر أو احتمله العقل من وجوه النظر يمكن الاعتداد به.

فقد قسم الفلاسفة العقل إلى ثلاثة: العقل المطلق وهو التصورات والتصديقات الحاصلة للنفس بالفطرة، (الضروريات والبديهيات) وهذه تحصل دون برهان بالفطرة والطبع، وعليها تقوم العلوم النظرية. وهناك العقل العملي ويعنون به حزءا من النفس أو قوة لها، وهناك العقل النظري وهو العقل الفعال المفارق للإنسان.

وخلاصة ما يمكن قوله من حصيلة التعريفات الأصولية (علماء أصول الفقه) للعقل؛ أنه قوة غريزية تعمل بالعلوم الضرورية أو قوامها تلك العلوم وبها يتحصل العلم. ما نود أن نصل إليه هنا، هو الآتي:

  • أنه ليس كل ما يأتي به “العقل” هو قطعي وصريح. فمعاني العقل مختلفة، فلو كان المقصود بالعقل (الضروريات والبدهيات)؛ فهذا ما لا يمكن رده مطلقا، وهذا ما لا يمكن أن يعارض نصًّا قطعيًّا؛ لأن التعارض بين القطعيات ممتنع عقلا وهذا ما لا يختلف فيه اثنان يقينًا: كالكل أكبر من الجزء، والاثنان أكبر من الواحد، ونحو ذلك.
  • أن هنالك معرفة تولد بالفطرة، وهي جزء من العقل المطلق، وعلى هذا يتنزل القول بوجود إله حكيم قادر صنع هذا الكون وأبدعه؛ لأنه يستحيل عقلا وجوده بنظامه المحكم دون موجِد. وتوحيد هذا الإله من هذا القبيل وهو الفطرة التي وردت في الحديث: “كل مولود يولد على الفطرة..”، وكل المقولات التي نشأت بتعدد الآلهة نشأت بالتأويل، تارة بأنهم وسائط (ليقربونا إلى الله زلفى)، وتارة بأن الثلاثة في واحد وواحد في ثلاثة.. إلى غير ذلك من التأويلات.
  • أن العقل غير الصريح، ونعني به هنا العقل الاستدلالي، مثار اختلاف شديد، ولهذا قال إمام الحرمين الجويني في كتابه البرهان: (إن النظر والاستدلال مضطرَب العقول).
  • أن العلاقة بين العقل والعلم تكون من وجهين: الأول: هنالك العلم الضروري البديهي وهذا من مكونات العقل التي بها يعقل المعقولات، وهذا ما قلنا عنه إنه العقل المطلق. والثاني: العلم المكتسب وهذا يكون من نتائج العقل. والسؤال الآن: ما علاقة هذا بما نريد؟ العلاقة أن العلم الضروري الذي هو من مكونات العقل يحصل بطريق لا استدلال فيه، وهو البدهيات والضروريات التي تحدثنا عنها لا تحتاج إلى برهان، ويُفسر تارة بما لا يكون تحصيله مقدورًا للمخلوق وما نعنيه هنا هو الأول. ومن هنا فإن وجود القرآن الكريم ونقله بواسطة نبي اسمه محمد صلى الله عليه وسلم من باب العلم الضروري على رأي جمهور العلماء، وهذا ما سموه النقل المتواتر، وقالوا: إنه يفيد العلم الضروري. وهذا العلم الضروري هو بكون القرآن هو هذا المحفوظ بين دفتين، وأنه من كلام الله بحسب قول النبي، ونقل عنه بوجه متواتر اتفقت عليه الأمة عبر القرون. أما العلم بمدلولات القرآن فهذا استدلالي يمكن الاختلاف فيه فلا تخلط بين الاثنين، والاختلاف في مدلول بعض آياته لا يطعن في أصل إثباته بالعلم الضروري.
  • شيء آخر أود قوله، وهو أن العلم النظري (مقابل العلم الضروري) يقيني أيضًا، وليس ظنيًّا. إنما يحصل هذا لمن له أهلية النظر والاستدلال ولا يؤثر فيه أن يخالفه الناس فيعتقدوا بخلافه؛ لأن هذا يختلف باختلاف المستدلين، ومبلغ العلم الحاصل لهم من أنفسهم.
  • أنه تواتر وقوع بعض المعجزات من النبي كأدلة حسية على صدقه بحسب طلب القوم، ومنها ما أشار إليه القرآن كانشقاق القمر. فليس صحيحًا أن القرآن نفى بإطلاق حصول معجزات، بل ينبغي أن يقرأ ذلك الذي فُهم على أنه نفي في سياقه، ثم هب أن ذلك لم يحصل أبدا، فقد وصلنا منه معجزة كبرى دالة على صدقه وهي القرآن، وحفظه في الصدور والسطور، وعجز العرب قاطبة عن معارضته، وشهادتهم بأنه ليس من كلامهم ولا على نهجه في التأليف والنظم، وإخباره ببعض المغيبات وغير ذلك مما يستحيل معه كونه من كلام البشر. وهذا كله ثابت بالتواتر كما قلنا، يعني بالعلم الضروري لعامة الناس وخاصتهم أيضًا، فلا يمكن التعويل على قول قائل تائه بعكس ذلك ولا ندع علمنا الضروري ونضرب باعتقاد الأمم التي نقلت لنا هذا القرآن محفوظًا بالحرف حفظ صدر وحفظ كتاب لظن متخرّص لا يشعر بأدنى مسئولية!.
  • قد بان من كل ما سبق أن العلم اليقيني لا يأتي عن طريق الحس فقط، بل ليس كل ما خضع للحس يثبِت علمًا يقينيًّا لا يختلف فيه اثنان. وأرى أن ذلك يختلف باختلاف درجات الناس، وترقيهم في مدارك العقول وقدرتهم على التجريد والمحاكمات العقلية.

العقل والإيمان

لا يمكن عزل العقل عن مسألة الإيمان، فالعقل أساس التكليف، وقد درج العلماء قاطبة على بحث مسألة العقل في علومهم المختلفة: العقيدة، والفقه، والأصول. ففي العقيدة يبحثون مسألة تعطيل العقل والتقليد في الإيمان، وهل يصح إيمان المقلد؟ والصحيح أنه لا يصح إيمان المقلد. وعوام الناس وعجائزهم لديهم إيمان عميق قد يتوهم البعض أنه ناتج تقليد، والأمر بعكس ذلك، فقد ورد امتداح إيمان العجائز حتى أُثر دعاء: “اللهم إيمانا كإيمان العجائز” لمبلغ يقينه، وهو إيمان مندرج تحت الإيمان الفطري، الوارد في الحديث، وبالمعنى الذي يمكن إدراجه تحت العقل المطلق. ومن هنا قالت عجوز لمن جمع مئة دليل على وجود الله: لو لم يكن في قلبك مئة شك ما جمعت مئة دليل!.

وعلماء الفقه يبحثون مسألة العقل؛ لأنها أساس التكليف بالأحكام الشرعية، ولولاه لسقط التكليف عن المرء، وما عاد مطالبًا بالأحكام، فإذا أخذ الله ما أوهب أسقط ما أوجب.

وعلماء الأصول يبحثون العقل بوصفه أساسًا من أسس فلسفة التشريع، وبناء النظام المعرفي، ومن هنا يبحثون مسائل العقل والنقل، ودور العقل في الاجتهاد، ومسائل التعادل والترجيح وغير ذلك.

لكن هذا العقل الذي يريده الفقهاء مختلف عن العقل لدى المتكلمين والأصوليين، فالعقل لدى الفقهاء بمعناه البسيط وهو التمييز والفهم. ونحن نريد بالعقل هنا ما لدى المتكلمين والأصوليين.

وأظن أنه يختلف معناه حتى في استعمالاتهم، فإذا ما تحدثنا عن العقل في الاجتهاد فهو ذاك الجهد العقلي، وممارسة الغريزة التي سبق وصفها عندهم. وإذا ما تحدثنا عن مسألة العقل والنقل فيعنون به العقل الصريح (العقل المطلق)، وهذا الأخير يراد في مسألة الإيمان. فعلى هذه المعاني والتحديدات يمكن فهم مسألة العقل وتطبيقها وإعمالها في الدين والنصوص.

العقل والنقل

لكن دعنا نفصل أكثر في المسألة الشهيرة التي شغلت الفكر الإسلامي طويلا، وهي مسألة العقل والنقل، وأنت ضربت عددا من الأمثلة والتعميمات التي تتناول هذا الموضوع، ولنقل بناء على ما سبق كله: إن صحيح المنقول لا يخالف صريح المعقول.

وهذا ما اتفق عليه العلماء قاطبة، حتى لدى المعتزلة الذين يقولون: إن العقل سابق على النص. فمصدر العقل الصريح والنص الصحيح هو الله، ولا يصح عقلا أن يصدر عنه هذا التناقض، ويستحيل عقلا تعارض القطعيات.

وبالتفصيل، يجب قبل الحكم على مسألة بأنها مخالفة للعقل ضبطها منهجيًّا ببحث صحة النص أولاً، ثم مستوى دلالته ومستوى ثبوته، ثم تحديد معنى العقل الذي يعارضه، وبعدها يمكن الحكم.

فإن كان النص ضعيفا وعارض العقل فيمكن رده، وإن كان صحيحا لكنْ ظني الدلالة وظني الثبوت وخالف العقل (الصريح) الذي قلنا عنه إنه من الضروريات والبديهيات، فهنا يجب التأويل لصالح العقل، فهناك العديد من النصوص ما لم يُنقل متقصًى؛ كما قال الشافعي رحمه الله في الرسالة. ويحمل هذا على أن اختصارا أو قصورا أو تصرفا حصل للنص (الحديث النبوي حصرًا) فأوقع في هذا اللبس.

ومما يجب التنبيه له هنا أن عامة علماء الأصول والحديث المتأخرين نصوا في كتبهم على أن من علامات وضع الحديث مخالفة العقل، ويعنون به العقل الصريح. وقد اشتهرت مقولة للإمام ابن القيم في هذا تقول: إذا رأيت الحديث يباين الأصول ويناقض المعقول فاعلم بأنه موضوع.

أما الاختلاف بين الأحاديث ذاتها أو بينها وبين القرآن، فهذا له باب واسع اسمه في أصول الفقه “التعادل والترجيح”، ويسمى في علوم الحديث “مختلف الحديث” و”مشكل الحديث”، وله أحكامه التي فصل فيها العلماء، ولن نطيل بها هنا، لكن يُرجع في هذا إلى أهل العلم لحل الإشكالات.

أود أن أشير إلى مسألة بالغة الأهمية، وهي أنه ما عدا القرآن الكريم، والسنة الصحيحة تراث إنساني أحاط به ما يحيط بمجهودات البشر من التباسات وقصور وجدالات.

فلا يُطلب في هذا الاتفاق وكأنما هو دين لا يقبل الشك؛ بل يجب فهمه في هذا الإطار، ويمكن أن يقع فيه أخطاء. وهذا أمر لا يعيب؛ بل هو طبيعي. وليس معنى ذلك أن نهون من هذا التراث، وأن نتركه وراءنا ظهريًّا دون شعور بالمسئولية؛ بل يمكن مخالفة جزء منه باجتهاد من أولي العلم. ومن هنا لا يجوز المساواة في الإشكالات والشبهات بين النص وبين الجهد البشري من حوله، فلكل مجتهد نصيب من الأجر.