باسم الحيفاوي**

23/04/2006

جلسات الود والأنس تجمعنا

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “هذا خالي فليرني امرؤ خاله” مفتخرا بسيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه؛ وأحاول الاقتداء في هذه الواقعة برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم؛ وأقول: “هذا جاري فليرني امرؤ جاره”.

وأخذت بالمثل الشعبي: “اختار الجار قبل الدار”؛ إذ اخترت جيراني قبل الشقة. فعندما قرر زملائي بالعمل حجز شقق بمدينة 6 أكتوبر (إحدى المدن الصناعية الجديدة بمصر)؛ أسرعت لأحجز معهم في نفس العمارة لتكون صحبة عمل وجيرة وإيمان في نفس الوقت.

والطريف أن كليهما من الباحثين في العلوم الشرعية، الحاصلين على درجة الماجستير، ولكن أحدهما (أ. مسعود صبري) يدرسها بالعربية، والآخر (أ.علي الحلواني) بالإنجليزية؛ وهو ما يبشر بأنه لن تكون عندي مشكلة مستقبلاً في أي فتوى مهما كانت لغتها، أنا وجيراني في الشارع الذي نسكن به إن شاء الله.

تعاون بجد

والتعاون سمة أساسية بين جيراني، ولا يقتصر على تبادل الأطعمة والحلويات هنا وهناك، ولكنه يمتد لأكثر من ذلك. فعلى سبيل المثال، يرغب “الحلواني” دائما في قراءة جريدة الأهرام يوم الجمعة، ولكنه يتكاسل عن ذلك. لذا يقوم جارنا توفيق الكسيح -الذي يحب التريض بالدراجة صباحا- بشراء الجريدة له رغم عدم رغبته في قراءتها.

ويتابع جارنا أحمد مشهور –الأب الروحي للشارع- مشاكل الشارع بهمة ونشاط، وكان آخرها عندما انقطع التيار الكهربائي في الشارع؛ لذا أصبح الشارع ليلا غارقا في الظلام، وتطوع بمتابعة الإجراءات الحكومية المتعبة حتى يعيد النور إلى الشارع. وهذا كله قليل من كثير، ولكي تعرف باقي أوجه التعاون لا بد أن تسكن معنا؛ فالحديث يطول، والواقع أجمل بكثير.

وحياتنا في الحي فيها نوع من التكافل والتعاون؛ فقد تطوع المهندس محمد أبو الفتوح ببناء مسجد صغير لسكان الشارع، يؤدون به الصلوات، كما تطوع الشيخ عماد السوري بالخطابة فيه وإلقاء الدروس والمواعظ.

جيراني تاريخ

كل منا في كتف أخيه

جيراني تاريخ.. فجارنا السوري أ.عماد ينتمي إلى عائلة البوشي، ذات التاريخ العريق الذي يمتد لأيام الدولة العثمانية. ويفتخر عماد دائما بأن والده أدخل إلى سوريا صناعة الآرابيسك التي كانت محتكرة من غير المسلمين.

ومن سوريا إلى عائلة مشهور بالشرقية (إحدى محافظات مصر) تلك العائلة التي لها تاريخ يعرفه كل من يسكن الشرقية؛ ومن سلالة هذه العائلة الكريمة جاري الأستاذ أحمد مشهور وكذلك يوجد الأستاذ توفيق الكسيح؛ والكسيح عائلة تعود أصولها إلى مدينة حيفا بفلسطين ولفظ الكسيح يعنى الصياد. وكما يقول المثل “الجواب باين من عنوانه”؛ فها الأصل الكريم يشير إلى ما يتمتع به جيراني من أخلاق.

عم فهمي البواب

وأخيرا “عم فهمي” البواب؛ رغم سنوات عمره التي تتجاوز السبعين؛ فإنه يتمتع ببنية قوية، وصوت حاد قوي، ولهجة صعيدية جميلة، تشعر بالأمان لوجوده. فهو في الشارع دائما وكأنه لا ينام، يسقي الزرع، أو يرش الماء، أو يقوم بتنظيف المسجد.

أحمد سمير هو الوحيد من جيراني الذي لا أراه كثيرا؛ وكنت أتمنى أن تكون بيني وبينه علاقات ودية مثل علاقتي مع باقي الجيران، ولكنه مبتعد دائما حتى تعجبت في اليوم الذي وجدته فيه ينادي عليَّ، وسعدت بذلك واعتقدت أنها بداية جيدة، ولكنه أخرج من جيبه 10 جنيهات قدمها لي شاكرا على دفع فاتورة نور السلم، ثم تركني وانصرف. فشكرته وأنا أحييه بيدي قائلا: “عايزين نشوفك في الجامع”.

وآخر قصة لي مع الجيران؛ عندما نفدت “أنبوبة” البوتاجاز من زوجتي في أثناء تجهيزها الغذاء. فقامت جارتنا التي تسكن في الدور الأخير بإنزال الأنبوبة الخاصة بها، ولم يكن هناك أحد من الرجال في المنزل فتعاونت معها، واشتركت جارة أخرى لنا في تنزيل الأنبوبة.. وهكذا تناولنا الغذاء. ولا أملك إلا أن أقول… “جيراني زي العسل”.

اقرأ أيضًا:


** كاتب فلسطيني؛ يمكنكم التواصل معه أو مراسلتنا بتجاربكم الإيمانية مع جيرانكم؛ عبر بريد الصفحة: tazkia@iolteam.com.