20/06/2004

الاسم

mustafa – مصر

السؤال

لقد قمت بارتكاب ذنبٍ وتبت، ثم أخذت بتكراره مراتٍ عديدة، وفي كل مرة أتوب، والسؤال: كيف أبتعد عن الذنب؟ وكيف أتوب؟ وهل يغفر لي الله؟  

اسم المستشار

الشيخ ناظم المسباح

الإجابة

يقول الشيخ ناظم المسباح عضو لجنة الاستشارات الأسرية وزارة العدل الكويتية:

الأخ مصطفى، باب التوبة مفتوح، والله سبحانه وتعالى يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، والله يرغبنا في التوبة {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}، والله عز وجل يقول: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، وقال صلى الله عليه وسلم: “لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم” رواه أحمد ومسلم.

وعليك أيها الأخ السائل أن تجاهد نفسك، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، وقال جلَّ شأنه: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}، والنفس اللوامة -كما قال العلماء- هي التي تلوم صاحبها إذا أتى قولاً أو فعلاً يخالف شرع الله، والتوبة لا بد أن تتوفر شروطها:

1- الإقلاع عن المعصية تمامًا.

2- الاعتزام على عدم العودة.

3- الندم عليها.

4- رد الحقوق إلى أصحابها إذا كانت تتعلق بحقوق العباد.

5- تجديد التوبة بين الحين والآخر؛ فالمسلم عرضة دائما للوقوع في الذنب.

وإلى جانب ذلك عليك أن تجدد التوبة ولا تيئس من رحمة الله، مع الأخذ بالأسباب التي تقيك وتحفظك من الوقوع في الذنب مرة ثانية، فإذا كان الذنب المشار إليه هو زنا أو نظر إلى محرم، فيجب عليك أن تلتزم بما دعت إليه الشريعة من غض البصر ـ البعد عن بيئات الفساد ـ الابتعاد عن مراكز بؤر الإثارة ـ مغادرة المجالس التي يتحدث أصحابها في هذه الأمور ـ دعوة الله تبارك بأن يعينك ويقوي إيمانك، وإذا قوي إيمانك فإنك حتما ستقلع عن الذنوب والموبقات ـ وينبغي عليك أن تجتهد بأن تعفَّ نفسك بالحلال وهو الزواج وفق ما شرع الله.

ويقول الدكتور كمال المصري مستشار صفحة الاستشارات الدعوية بـ”إسلام أون لاين.نت”:

وإجابةُ فضيلة الشيخ المسباح حفظه الله إجابةٌ تأصيليةٌ عمليةٌ دقيقة، ويهمني هنا التأكيد على بعض ما ورد فيها:

أولاً: نحن نحيا عمرنا كله بين مقاومة الذنوب ومدافعتها، وبين الوقوع فيها في بعض الأحيان، وبين التوبة والندم عند الوقوع، ولو لم نكن كذلك لذهب الله بنا وأتى بغيرنا؛ لأنه سبحانه لو أراد لجعلنا بلا ذنوب، ولكننا عندها سنفقد لذة المجاهدة والمدافعة، وكذلك ستنتفي أسباب رفعة وتفضيل بعضنا على بعض، كلٌّ حسب تقواه ومجاهدته لنفسه.

ثانيًا: إحسان الظنِّ بالله تعالى محورٌ أساسيٌّ في العلاج؛ لأنني لو أذنبتُ ثم تبتُ ثم أذنبتُ ثم تبتُ ثم عدت للذنوب، كلُّ هذا سيصيبني بالخجل من الله تعالى من كثرة ما وعدته سبحانه، وهذا بالطبع سيصيبني بالإحباط واليأس، ولكنّ الله سبحانه نحمده حمدًا كثيرًا كبيرًا، أرحم بنا من أنفسنا ومن أهلينا، يعلم ذلك فينا فيصبر ويحلم ويتوب ويغفر، ويمنحنا الفرصة تلو الأخرى، وهذه طائفةٌ من الأحاديث التي تدلُّ على فضله ورحمته سبحانه:

1- قال النبي صلى الله عليه وسلم: “يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منه، وإن تقرَّب إلي بشبرٍ تقرَّبتُ إليه ذراعا، وإن تقرَّب إلي ذراعاً تقرَّبتُ إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة” رواه البخاري ومسلم.

2- عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبيا في السبي أخذته، فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: “أترون هذه طارحة ولدها في النار؟” قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: “لله أرحم بعباده من هذه بولدها” متفقٌ عليه.

3- قال عليه الصلاة والسلام: “لله أشد فرحا بتوبة عبده، حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها، قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم! أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح” رواه البخاري ومسلم.

4- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها” رواه مسلم.

فأحسن الظنَّ بربك يا أخي ولا تيئس، وتب إليه دائمًا مهما أخطأت، وتأكد أن بابه سبحانه مفتوحٌ دائمًا للتائبين المنيبين، والحمد لك يا ربي ما أرحمك.

ثالثًا: مسألة الابتعاد عن الأسباب والمقدمات أمرٌ أساسيٌّ للابتعاد عن المعصية، فلا يعقل أن أقول مثلاً بأنني أريد التوبة عن شرب الخمر، وأنا ما زلت أذهب للخمارات، أو الزنا وأنا أداوم السهر في الملاهي الليلية، إغلاق أبواب الشيطان ضروريٌّ وأساسيّ، فإذا كنت أكثر من دخولي على المواقع السيئة على الإنترنت، إذن إما أن أتوقف عن دخول الإنترنت حتى أُهَذِّبَ نفسي، أو أشترك مع شركةٍ من الشركات التي تضع تنقيةً للمواقع وتقييدًا لها، أكثر من الغيبة والنميمة، أبتعد عن مجالسها وقعداتها، وهكذا، المهم هو قفل أبواب ومداخل الشيطان بالابتعاد عن الأسباب والمقدمات.

رابعًا: يمكن أن يضع الإنسان لنفسه برنامجَ تعزيرٍ عند اقترافه الذنوب، مثلاً إذا اقترفت الذنب الفلانيَّ أتصدَّق بمبلغ كذا، وإذا كررته أزيد العقاب، وهكذا حتى أقلع، ولكلِّ إنسانٍ القدرة على تحديد وسيلة التعزير الأنفع والأكثر تأثيرًا فيه.

خامسًا: قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، قال ابن عطية في تفسيره للآية: هو جهادٌ عامٌّ في دين الله وطلب مرضاته، وقال الشوكاني في تفسير “وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ”: وإن الله لمع المحسنين بالنصر والعون، ومن كان معه لم يُخْذَل.

فابتعد يا أخي عن مقدمات وأسباب الذنوب.. تب إليه دائمًا.. تأكد أنه سبحانه سيغفر لك إذا ما تيقن منك صدق العزم.. جاهد نفسك دائمًا.. ضع لنفسك برنامجًا تعزيريًّا عند الوقوع في الذنوب.. وإياكَ أن تنسى الدعاء واللجوء إلى ربك الكريم بأن يعينك وينصرك ويهديك.. وتأكد أن من كان مع الله فلن يُخْذَل. ووافنا بأخبارك لو تكرمت.