حوار – إسلام عبد العزيز فرحات

الدكتور العلواني أثناء الحوار
الدكتور العلواني أثناء الحوار

في حوار سابق مع الفقيه الأصولي الدكتور طه جابر العلواني، وكان خاصًّا باستبيان وجهة نظره في مسألة المراجعات التي قامت بها جماعة الجهاد المصرية، وما ورد فيها من مصطلحات وقضايا فقهية.. بان أن الرجل يفكر بطريقة غير معتادة على الأسماع كثيرًا..

فأثناء الحديث عما أسماه محددات الشريعة الإسلامية ومنها محدد ختم النبوة، أكد العلواني أن هذا الأمر من مقتضياته عدم نزول المسيح مرة أخرى، وعدم ظهور المهدي المنتظر..

ومع أن إنكار المهدي تحديدًا ليس جديدًا على الساحة الفكرية الإسلامية، إلا أن الأمر كان له وقع خاص مع د. العلواني؛ لأنه فقيه أصولي له وزنه في عالم الفقه والفكر الإسلامي، ومن المؤكد أن الرجل عنده من الأدلة العلمية والمنهجية ما يؤكد -من وجهة نظره على الأقل-صحة ما ذهب إليه.

ولأن الحوار أثار الكثير من التعقيبات، نظرا لما سبق، فقد ذهبنا إلى د. العلواني مرة أخرى، لنستبين منه الأمر بوضوح وجلاء، فظهر أن موضوع المهدي والمسيح ليس هو الغاية، إنما هو مفردة من مفردات منهج جديد أسماه العلواني “مشروع مراجعة التراث الإسلامي”.

بدأ الحوار.. وبدأت مفردات المشروع تتكشف شيئا فشيئا.. وسننشر حلقات هذا الحوار تباعا لعله يكون بداية لفكرة جديدة نحاول من خلالها فتح نقاش حول موضوع ربما غدا من المسلمات والبدهيات التي لا تحتاج لنقاش عند البعض.

كل ما نرجوه من قارئنا ألا يدخل إلى الموضوع محملا بوجهة نظر سابقة، وأن يتحلى بروح العلم المتجردة عن أي نعرات أو أهواء، وأن يترك الأمر للعلماء القادرين على البحث واستجلاء الأمور من مظانها..

* فضيلة الدكتور في حوار سابق مع إسلام أون لاين _أثار الكثير من التعقيبات_ وأثناء حديث فضيلتكم عن محددات الشريعة الإسلامية قلت: إن من أهم هذه المحددات محدد ختم النبوة، وأن هذا المحدد يستوجب عدم نزول عيسى عليه السلام مرة أخرى، وعدم ظهور ما يسمى في الأدبيات الإسلامية بالمهدي المنتظر.. وأثار هذا الحديث تعقيبات كثيرة أغلبها تنصب على أن هناك نصوصًا صحيحة وصريحة في هذا الأمر.. ثم سمعنا بعد ذلك أن لفضيلتكم مشروعًا أسميته مشروع مراجعة التراث الإسلامي.. نريد أن نتعرف من سيادتكم على هذا المشروع ومدى التصاقه بهذه الجزئية تحديدًا..؟

– لا غرابة في ردود الأفعال التي وصلتكم ووصلني بعضها حول ما ذكرته من أن ختم النبوة ليس مجرد فضيلة من الفضائل التي أضيفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم _وهو منبع الفضائل كلها_، بل هي في نظري المتواضع محدد منهجي..

والذي أعنيه بالمحدد المنهجي أن للمنهج والمنهجية محددات، عناصر، قواعد، أركان، دعائم من شأنها أن تضبط حركة العلم والمعرفة والفكر والبحث العلمي وسائر وجوه التعامل مع القضايا المعرفية، فحينما يقول تبارك وتعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين}، فذلك يعني أن القرآن قد نص على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين.

ولو علم الله تبارك وتعالى أنه ما زالت هناك حاجة إلى نبي أو إلى رسول بعده ما قال: {وما كان ربك نسيا} لكان بشر بهذا القادم في كتابه الكريم كما بشر موسى وعيسى بمجيء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن القرآن الكريم بشر بأن النبوة انتهت وأن الدين اكتمل {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.

والشريعة تمت ومنهج الإصلاح القرآني قد استقر نظريا وتطبيقيا، أما في مجال النظر فالقرآن الكريم قد تناول مناهج الإصلاح من عالم العهد إلى {فريق في الجنة وفريق في السعير} فلم يعد هناك أي مجال للقول بأن هناك نقصا في الدين يمكن أن يكمله أي أحد بعد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، فلا نبي بعده صلى الله عليه وسلم ولا كتاب بعد القرآن.

تداخل الأديان

* يبقى السؤال أيضا.. ما علاقة هذا الأمر من وجهة نظركم بنزول المسيح عليه السلام مرة أخرى وظهور المهدي المنتظر…؟

– دعني أشرح لك ولقرائك الأفاضل الأمر.. هناك ظاهرة إنسانية موجودة قد لا يلتفت الكثيرون إليها، وهي تحتاج إلى علماء ومن مستوى معين، أعني الذين يجمعون بين العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية والشرعية والنقلية، لكي يتمكنوا من تحليل ومعرفة هذه الظواهر، ومنها ظاهرة خطيرة جداً هي ظاهرة التداخل بين الأديان.

ففي مراحل معينة تدخل بعض قضايا الأديان السابقة إلى الدين اللاحق بشكل أو بآخر، إما بعمليات التفسير والتأويل، أو من خلال عملية من الإيمان بالتواصل بين الأديان..

والإسلام بوصفه الدين الخاتم قد انفتح على الديانات الأخرى واعتبرهم أهل كتاب من باب {ومصدقاً لما بين يديه…}، ومن باب {ومهيمنا عليه}، وفي سبيل ذلك مد جسورًا كثيرة في اتجاههم، وأراد أن يوجد أرضية مشتركة معهم: {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون}، وكأنه يقول لهم: أنا بيني وبينك صلة وبيني وبينك رحم، ولكن هيهات أن يرعي بنو إسرائيل هذه الرحم أو هذه الصلة، فرفضوها رفضًا مطلقًا، وقالوا للمشركين {هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً}..

نرجع لظاهر التداخل بين الأديان.. القرآن المجيد ذكر النبوات والأنبياء والمرسلين وصدق وهيمن واستوعب وتجاوز، وما كان لأحد أن يدخل من خلال القرآن الكريم؛ لأنه معصوم.. فلو أضيف حرف لبان وانكشف فلا يمكن اختراقه؛ لأنه حفظ بحفظ الله تبارك وتعالى.

ولكن التفسير عمل بشري، وهو فهم المفسرين لآيات الكتاب، وأي مفسر أو مؤول إنما يفسر أو يؤول في إطار ثقافته وقدرته وذكائه وعلمه، وكل ذلك نابع مما هو متوافر في بيئته من فنون المعرفة..

هذه كلها تدخل في التفسير.. فإذا عرفنا أن أهل الكتاب كانوا يسكنون الجزيرة العربية، النصارى في نجران، وفي المناطق التي تسمى اليوم الجزيرة، واليهود كانوا يسكنون الحجاز _المدينة ومكة_، وقد نزحوا إلى منطقة الحجاز بالذات قبل سبعة قرون من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم انتظارًا له.. لماذا سبعة قرون؟

بالنسبة للتوراة وعنايتها بالتاريخ والفواصل التاريخية كانت تعتبر كل أربعة عشر قرنا أو سبعة يأتي نبي يقوم بعمليات التصحيح لمن سبقه، ويجدد تراث النبيين الذين سبقوه فيما يتعلق بمن أرسل إليهم.

المقصود أن المفسر يتأثر فيما يتأثر به من مصادر ثقافته بما يسمى بالثقافة الشفوية.. فأهل الكتاب هناك كان لهم تأثيرهم من خلال تلك الثقافة الشفوية.. فنقلوا أفكارًا كثيرة.. مثلا “جعلوا الملائكة إناثا”، وفكرة أن الملائكة إناث فكرة موجودة في العقل اليهودي، فانتقلت من الثقافة الشفوية إلى العرب.

أيضاً اتهام جبريل بأنه يتصرف في الوحي أحياناً تصرفات من عنده، فقد يخون _حاشاه_ وقد يحول رسالة من واحد إلى آخر، وقد يخطئ في نقل أشياء كلف بنقلها إلى رسول قالها لرسول آخر.. هذه كلها من أفكار التوراة.

وفي إطار هذا أيضا جاء الإيمان بالقوى الخارقة للجن وتأثيراته على الإنس.. فنشروا في الجزيرة العربية فكرة الجن وسيطرته على الإنس، وكيف يمكن للجن أن يتحول كما يريد إلى ثعبان إلى حمار، إلى أي شيء، بحيث يجعل الإنسان مهزوزاً.. أي حيوان يراه يعتقد أنه ممكن أن يكون جناً.. وأهل المدينة كانوا يتهيبون قتل الأفعى السوداء على اعتبار أقنعتهم الثقافة الشفوية بأن هذا منقلب عن جن وسيضركم أهله إن قتلتموه.

وفي الأدب العربي قصص شائع حول التي يخطفها الجن وزواج الجن من الإنس، ومازالت في البيئة المدنية بالذات مثل تلك الثقافة، فهي التي ابتليت بالثقافة الشفوية من المجاورة اللصيقة باليهود.. ما زال هناك أناس يعتقدون في المخالطة مع الجن وإمكان دخول الجن في الإنس.. مع أن الله عز وجل ما جعل أي سلطان للجن علينا غير الوسوسة.

فكرة المخلص

* تقصد فضيلتك أن فكرة المهدي يمكن أن تعود طبقًا للثقافة الشفوية التي أشرت إليها إلى فكرة المخلص الموجودة في العقيدة النصرانية..؟

– نعم.. النصارى نقلوا عن طريق الثقافة الشفوية فكرة المخلص؛ وعقيدة المخلص منتشرة في اليهودية والنصرانية وبالتالي انتشرت في الجزيرة العربية قبل الإسلام {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} اليهود يستفتحون، تبعهم النصارى يستفتحون بالمخلص القادم الذي هو السيد المسيح، فدخلت إلينا فكرة المخلص.

وأنا أقول: لو سلمنا بفكرة المخلص فأين ختم النبوة؟! ولذلك الفئات المتصوفة وفي مقدمتهم الشيخ “محيي الدين” حينما شعروا بأنه لن تستقيم لهم قضية الولاية والقول بالقطب والمؤثر وغيره من مصطلحاتهم وإعطائه الصلاحيات الموجودة التي أُعْطِيَتْ من قبل غلاة المتصوفين _ إلا إذا تحايلوا على ختم النبوة قالوا: “ختمت النبوة التشريعية فقط أما كل عناصر النبوة الأخرى فقد استمرت وجرى تناقلها من ولي إلى آخر حتى قيام الساعة…”، وهذا في الفتوحات المكية موجود، والنقول عنه في بعض كتب التفسير التي تأثرت به ومنها تفسير الألوسي في سورة الإسراء والكهف وغيرها.

الجانب الآخر.. إخواننا الشيعة.. وطبعا التشيع في الحاصل كان التشيع العلوي، يعني محاولة تأييد سيدنا علي بن أبي طالب، وقد كان أبو ذر وغيره من كبار الصحابة يرون أن الإمام علي بن أبي طالب في شبابه وفتوته ونشأته في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يكون أقدر على تحمل أعباء الخلافة من سيدنا أبو بكر وعمر وعثمان فيما بعد.. فكان هناك ميل أن يكون هو الخليفة عند البعض، وسيدتنا فاطمة رضي الله عنها كانت ميالة إلى هذا أيضا، فهو زوجها وتربى في حجر أبيها “عليه الصلاة والسلام”.

نقطة أخرى كانت لدى بعض المسلمين وهي قوله تعالى لسيدنا إبراهيم: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إمامًا قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} فكلمة الظالم اسم فاعل، وكمذهب في النحو واللغة العربية يتبناه كثير من الأصوليين أن الاشتقاق حينما يقال مثلا “ظالم” معنى ذلك ما منه الاشتقاق ألا وهو الظلم قائم فيه.. فلو تاب وعفا الله عنه فيبقى ما منه الاشتقاق وصفا ممكن أن يقوم به عند من يريد..

فمثلا لو فرضنا أن واحدًا قتل، وتاب وأناب وعفا عنه أهل القتيل أو أخذوا منه دية مثلا، فهل يصح أن نسميه أو نطلق عليه قاتل؟ قالوا: نعم ما دام فيه الاشتقاق قد حدث فيبقى كأنه شيء لاصق به فقالوا: قوله تعالى {لا ينال عهدي الظالمين} مشتق عن الظلم وإن الشرك لظلم عظيم.. وأبو بكر وعمر كانوا في الجاهلية مشركين فإذا الإنسان الوحيد من الصحابة الذي رشح للخلافة ولم يتلبس بظلم أو شرك هو الإمام علي.. إذا هو أحق بالخلافة..

ولما دخل الفرس الإسلام وجاءوا من الخلفية الملكية التي تؤمن بأن الملك حينما يموت فأولى الناس به ابنه الذكر الكبير فقد أصبح من السهل جدًّا أن يقال لمن انتقل من الفرس إلى الإسلام إن سيدنا علي وهو زوج ابنته وتربى في حجره ولم يسرق ولم يسجد لصنم هو أولى.. فدخلت أيضا فكرة الحلول.

الحلول..

وعقيدة الحلول تعني أن شيئا يكون في إنسان يمكن أن ينتقل إلى آخر.. فالنبوة والوحي -وهذه أخطر نقطة في قضية التشيع والإمامة- انتقلت منه عليه الصلاة والسلام إلى الأئمة من بعده..

ولذلك قالوا: “إن الإمامة لم تتم باختيار وانتخاب بشري؛ لأن البشر كلهم أقل من الإمام وإنما تتم بنص إلهي”، فالله تعالى يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس فهو الذي يصطفي الأئمة ويصطفيهم وفق مواصفات معينة من أهمها العلم؛ ولذلك نسبوا للإمام علي علمًا اختصه رسول الله صلى الله عليه وسلم به.

وهذا السؤال كان مطروحًا في عهد الإمام نفسه، حينما سأل أكثر من مرة هل ترك لكم آل البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا تختصون به.. سورة من القرآن خاصة بكم كما يدعي البعض سورة الولاية أو شيئًا أو ترك لكم شيئًا أخفاه عن الآخرين؟! فقال: والله ما ترك لنا شيئا إلا فهما يعطيه الله لعباده مثلنا مثل أي واحد آخر يقرأ القرآن ويتدبر ويتفهم ويفقه، وما في جرابي إلا هذا السيف ورسالة أملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ردًّا على أسئلة جاءت من اليمن تسأله عن أحكام الزكوات وبعض الأمور المحددة المقدرة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا أن يكتب له الرسالة، وكتبت، فاحتفظ بنسخة لنفسه؛ لأن فيها أحكاما وإجابة عن أسئلة فقهية معينة أجاب عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفكرة الحلول هذه أو انتقال شيء من النبوة بمعنى من المعاني إلى علي وذريته من بعده، مع فكرة الإمامة لسيدنا علي ثم أبنائه ثم كذا إلى الثاني عشر أشاعت فكرة المهدي المنتظر.. وللعلم ليس هناك أموي واحد من بني أمية طيلة العهد الأموي إلا كانوا ينتظرون أن يأتي منهم مهدي، وعد بعضهم عمر بن عبد العزيز مهدي الأمويين؛ لأنه ملأ الأرض عدلا ومنع بعض المظالم إلى آخره.

والمختار السقفي من العباسيين حين استولى على بعض المناطق جاء بوضاع من وضاعي الحديث، وقال له أدفع لك عشرة آلاف درهم وتضع لي حديثا ينطبق على مواصفاتي يقول إنني أنا المهدي المنتظر، فالوضاع قال له والله إني لأخشى الله أن أضع على لسان نبيه كلمة.. فادفع لي ألفا واحدا وأضعها على لسان واحد من الصحابة، ودخلوا في مفاوضات كثيرة نجدها في “موضوعات ابن الجوزي”.

حينما تتبعت تاريخيا كم مهدي ظهر في هذه الأمة، كان عندنا حوالي 150 مهديا وكلهم يدعي أنه المهدي المنتظر.. يعني ادعاء القحطاني في تشيمان، وقضية الحرم في أول هذا القرن، وحدث ذلك عندما احتلوا الحرم وحصلت الفتنة المعروفة، والله جل شأنه أنهاها بلطفه بعد أن انتهك حرمة الحرم من قبل هؤلاء، وأغلقت أبوابه بحجة أن المهدي لازم ينادى به بين الركن والمقام.

أنا شخصيًّا أستطيع أن أريك رسائل عندي من شخصين مختلفين من بلدين مختلفين يراسلاني ويزعم كل منهما أنه المهدي المنتظر، ويستحلفني ويسر إليَّ بهذا ويقول إنني أريد أن أعينك مساعدا عندي تساعدني في هذه القضية.

* هل هم شخصيات معروفة.. يعني علماء أو مشاهير؟

– لا أبداً.. هم مجاهيل صغار، وهناك عام 1908 صدر كتاب باللغة الإنجليزية وأعتقد أنه ما زال في الأسواق (“the mahde in Islam” المهدي في الإسلام) الكتاب هو عبارة عن قصة لفقتها المخابرات الأمريكية “C.I.A” بالتعاون مع بريطانيا، وأخيراً انضمت إليهم “K.B.G” في روسيا.

فاتفقت الأجهزة الثلاثة على صناعة المهدي وتمرير المشروع الغربي كاملاً بطريقة في منتهى الفجاجة والاستخفاف بالعقل المسلم.. وهذا الكتاب موجود في الأسواق وطبع عدة مرات، تجده في فنلندا، تجده في نيويورك، تجده في تورنتو (في كندا) طبع عدة مرات، أنا عندي في بيتي نسختان منه، وعرضته على بعض المسئولين العرب والمسلمين وقلت لهم: ترجموه واجعلوا الناس تفهم ما الذي يدبر.

هذا جانب.. كون هذه الظاهرة تتكرر في عالمنا الإسلامي، يعني عندنا 150 مهديا إلى اليوم، ألا تلفت النظر؟!! لو أن الأمة عندها وعي بقضية “ختم النبوة” باعتباره محدداً منهجيًّا ما كان هذا الاعتقاد قد تسرب بهذه الطريقة، أو لم يكفهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهل ترك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شيئا لم يعلمه لنا.

لقد علمنا كل ما نحتاجه، وهذا القرآن الكريم فالله تعالى يقول: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم…} فالدين كامل والقرآن كامل، ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يفارق هذه الدنيا – عصمه الله وحماه وحفظه من المشركين ومن أهل الكتاب ومن جميع أعدائه إلى أن أدى الرسالة وأكملها وقال: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}.

فما الذي سيفعله هذا المهدي؟ وما الذي سيفعله عيسى؟ الأمم الآن لم تعد تخضع ذلك الخضوع المطلق لأفراد، يعني آخر ظاهرة خضوع للفرد، الخميني في إيران، ومع ذلك لم يكن كل الإيرانيين مؤيدين له، بل كان بعضهم معترضين عليه، هو لم يدعِّ المهدية ولم يستطع، وإنما أقصى ما استطاع أن يقوله (ولاية الفقيه)، فقال لهم: إذا كان هناك مهدي منتظر ما عندنا مانع، ننتظره الانتظار الإيجابي بأن نفعل كل ما يجب عليه فعله، والفقيه هو الذي يشرف على إدارة الموضوع، إن جاء المهدي مرحبًا به سلمناه له، وإن لم يأت فنحن في انتظاره!!.

وأحمد الكاتب وهو كاتب عراقي من أصل حوزوي وهو عالم من علماء الشيعة، كلفته الحوزة بدراسة موضوع المهدي لتعزيز ولاية الفقيه، فاستمر مدة عشر سنوات متفرغًا لدراسة هذا الأمر، وخرج بكتاب ودراسة تقول إن فكرة المهدي هي ذاتها فكرة المخلص عند النصارى وعند اليهود، ونشر كتابه بعنوان (الفكر السياسي الشيعي) وبين أنها فكرة سياسية طرحت لأسباب معينة.

فأنا حينما أقول إن فكرة المهدي هي فكرة المخلص، ودخلت إلينا من خلال التفاسير، وربما صاغها البعض أحاديث لمصلحة ما، هذا يستدعي النظر والتدقيق ونقد متونها وأسانيدها بدل المرة ألفا، وهناك أحاديث أخرى في الصحيحين وفي غيرها، هي في حاجة إلى إعادة نظر.

الاجتهاد حق

* لكن البعض يعتقد أن البخاري ومسلم وعلماء الحديث على مر العصور قد كفوا الناس مؤنة هذا البحث، ووضعوا من القواعد ما ضمن صحة ما رووه.. فما تعقيبكم..؟

– يا سيدي أنا بوصفي طالب علم من حقي ألا أقبل أحاديث ما، قديكون صح سندها عند غيري، لكني اكتشفت في السند عيبا، أو صح متنها عند آخرين ونقدت المتن واكتشفت به عيباً، وفقاً للمنهج الأصولي، كما فعلت في حديث الردة حديث (من بدل دينه فاقتلوه) درست جميع طرقه وكما درست طرق حديث (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) وكما درسنا حديث (ستفترق أمتي على بضع وسبعين شعبة).

هذه الأحاديث مشتهرة على الألسن وصححها كثيرون، لكن وجدنا فيها عيوباً وفقاً لمناهج المحدثين، فما العيب أن يقوم طالب علم أو شخص مختص بدراسة وفق المناهج التي وضعها المحدثون، ليثبت لنا أن هذا الحديث فيه عيب لم يكتشف ويكتشفه، {كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك} أنا لا أدعي لنفسي أي شيء فيها أنا مجرد طالب علم أخطئ وأصيب.

وكل العلماء متفقون على أن الحديث إذا خالف القرآن يُنحى، القرآن هو الذي يؤخذ به، هو الحاكم على الحديث، هو المصدق والمهيمن على تراث النبيين كافة، فلم أفعل أنا شيئا غير هذا، ولم أتجاوز الحدود المرسومة لدى المحدثين ولدى أهل العلم.

والإمام البخاري نفسه -رحمه الله- اختار صحيحه الذي لا يتجاوز عدة آلاف اختاره من سبعمائة وخمسين ألف حديث صحيح، فهل أقول إن الإمام البخاري أنكر السنة؛ لأنه نحى 6 إلى 7 آلاف حديث من طريقه ولم يأخذ بها؟ لا.. هو حدد منهجا معينا بضوابط معينة، وكان له فقهه ووضع فقهه في عنوان كتابه، فاختار ما يناسبه، ولذلك تراه أحياناً يضع العنوان ولا يأتي بحديث، فهل الذي يوجد عنده 750 ألف حديث يعجز أن يأتي بحديث منها يضعه تحت هذا العنوان، ولكن لم يصح عنده وفقاً لقواعده .

ومعلوم أن هناك أحاديث صحت عند البخاري رفضها مسلم؛ لأن “مسلم” عنده شروط والبخاري عنده شروط وهذه أمور فنية، فهؤلاء الذين ينكرون علينا إن أنكروا بعلم فالمفروض أن يحجزهم علمهم، وإن أنكروا عن جهل فالمفروض إلجام العوام عن علم الكلام، العامي من لا يعرف هذه الفنون من لا يطلع على هذه العلوم يجب أن يخرس لسانه، لا يخوض فيما لا يعرف، لا يهرف بما لا يعرف.

هذه الأمور لها أناس عندهم اختصاص، وأنا على حافة هذا طالب علم أحاول، أخطئ وأصيب، وأطلب ممن يكتشف خطأ عندي أن يقومني، وأن يصوب لي خطئي، وأن يبين لي الصواب، لكن أن يتهمني، ويشتمني.. هذا أمر مخالف للمنهج العلمي، للمنهج القرآني في الأساس.

كل ما هنالك يرون أن الإنسان إذا بدأ نقاشا علميا في موضوع فيه سنة فكأنه ينكر السنة، لا تلازم بين هذا وذاك.. يعني مثلا: الإمام أبو حنيفة هل يستطيع أحد أن يتهمه بأنه أنكر السنة، فهو لم يأخذ بقوله عليه الصلاة والسلام، {لا نكاح إلا بولي..} مع أن الحديث صحيح، بل بلغ حد الشهرة ولم يأخذ به؛ لأن الله في القرآن قد نسب النكاح إلى المرأة وقال {حتى تنكح زوجاً غيره}، وقال: {ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن}.

فإذا كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله عليه يفعل هذا ولم يتهم بأنه قد أنكر السنة وإنما هو نحى حديثا لصالح فهمه للنص القرآني “حتى تنكح زوجاً غيره”، قال نسب إليها النكاح فلم ينسبوا إليها إلا إذا نكحت فإنما تنكح نفسها ونحى أيضا “لا نكاح إلا بولي” فهل هو في هذا منكر للسنة.

* فضيلة الدكتور.. إذا كان تعليل فضيلتكم أساسه فهم النص القرآني، فمسألة نزول المسيح عليه السلام فيها نص قرآني حسب فهم البعض بعيدا عن الأحاديث ومدى صحتها متنا وسندا.. يعني قوله تعالى عن المسيح عليه السلام: {وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها} وقوله عنه أيضا: {ويكلم الناس في المهد وكهلا} حسب فهم البعض للمقصود بالكهولة حين عودته مرة أخرى.. وقوله تعالى: {إني متوفيك ورافعك..} فكيف تحلون هذا الإشكال؟

– بداية.. عيسى لم يتعرض لما قيل إنه “صلب” إلا وهو كهل .. الكهولة تبدأ من سن الثلاثين، يعني إذا كان هؤلاء يفهمون اللغة العربية فاللغة العربية تقسم مراحل حياة الإنسان العمرية إلى مرحلة طفولة وهي من سنتين لأربعة، مرحلة تتميز وهي بعد سن الخامسة، مرحلة مراهقة وهي لحين البلوغ مرحلة شباب وهي مرحلة ما بعد الرابع والعشرين، مرحلة رجولة وهي من 24 إلى 30، مرحلة كهولة وهي من 30 فما فوق، مرحلة شيخوخة من 50 فما فوق، وهذه لغة عربية يستطيع أي واحد أن يرجع إلى قواميس اللغة، ويرى كيف تعامل العرب مع كلمة صبي وطفل وصبية وطفلة ومراهق وبالغ وشاب وشايب ورجل وكهل وإلى آخره.

سيدنا عيسى حينما ابتعث كان في الثلاثين يعني بأنه بقي سنتين أو أكثر في بني إسرائيل يدعوهم إلى الاعتراف به، وإلى تصحيح مسارهم، وهناك من يرى أنه قضى ست سنوات أو أكثر يعني هو كان كهلاً {ويكلم الناس في المهد وكهلاً} وقد تكلم في الكهولة.

والذين يقرءون القرآن مجزأ يلتقطون منه مثل ما يلتقطون الشواهد الشعرية، طبعا لن يفهموا، ولكن حينما يقرؤون القرآن الكريم بوحدته البنائية فسيجدون أن سيدنا عيسى قد كلم الناس كهلا، بمعنى أن عيسى -عليه السلام- كان عبارة عن نبوة تصحيحية لبني إسرائيل {ورسولا إلى بني إسرائيل}.

فهذا نص لا يتحمل أي تأويل ولا تفسير، فالذي يكون مخصصًا من قبل الله إلى بني إسرائيل كيف يصبح رسولاً للعالم لولا أن مصلحة النصرانية العالمية ومصلحة التنصير تقتضي تأكيد هذه العقيدة المنحرفة من عقائد المسلمين، لكي تنص على مصلحة الإسلام إلى جانب مصلحة اليهود، فالآن نحن نحارب بهذه العقيدة.. اليهود يرون أنهم سيقيمون “الهيكل” من أجل أن ينزل المسيح، اليهود يعتبرون أن الإبادة للعرب ومعركة هرمجدون إذا ما كان يفهمها هؤلاء إنما هي تمهيد لنزول السيد المسيح، وأن هذا السيد المسيح هم مختلفون عليه سموه المشابه ويعتبرونه يهودي، والنصارى يرون بأنه المسيح “عيسى بن مريم”.

وللأسف النصوص الإسلامية الواردة في هذا من بعض الأحاديث هي أيضا إلى صف النصارى في هذا، يعني لو سلمنا فيما يقولون، لماذا يأتي السيد المسيح بعد خاتم النبيين، إلا لإزالة صفة الختامية عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفتح أبواب المتنبئين.

تحرير المصطلحات

* ولكن يا أستاذنا ليس هناك تلازم أبداً بين نزول المسيح وبين ختم النبوة للنبي (صلى الله عليه وسلم)؟

– لماذا؟

* لأنه سوف يكون تابعًا للنبي (صلى الله عليه وسلم)، وسيصلي كما جاء في نص الحديث خلف إمام من المسلمين، ولن يأتي بتشريع جديد ينسخ تشريع النبي صلى الله عليه وسلم.. فالبعض يمكن أن يعترض على طرحكم بهذه الطريقة..؟

– هذا من قبيل التأويل؛ لأن لديهم أحاديث تقول إنه ينزل على المنارة البيضاء في دمشق ويجد المهدي هو الذي يؤم الناس، فحينما يشعر المهدي -ولا أدري كيف يشعر وهذا يصلي إماما وهذا يأتي من الخلف- بأن السيد المسيح قادم يتأخر عن المحراب، ويقدم السيد المسيح، فيقول السيد المسيح له: “لا.. أئمتكم منكم”، ويصلي خلف المهدي ثم يقتل الدجال إلى آخره.. هذه الأحاديث في حاجة إلى محدثين أكفاء يقومون بعملية إعادة نقد متونها وأسانيدها؛ لأن هناك أحاديث كثيرة دخلتنا عن طريق يسميه علماء الحديث بطريق “السابرين”.. المهم أننا نحتاج الآن -وعندنا الوسائل الكثيرة- إلى أن نشتغل شغلا جادًّا على السنة وبنفس معايير المحدثين.. لن نخرج عنها.

وما أريد أن ألفت النظر إليه أن قضية نزول السيد المسيح ليس عليها من القرآن الكريم دليل، والعقائد اليقينية عندنا كلها قد جاء القرآن بها تؤمنون بالله، ملائكته، كتبه، رسله، اليوم الآخر وآيات القدر عندنا حوالي 40 آية وردت في فهم القدر الفهم الصحيح السليم.

فهذه هي أركان العقيدة عندنا، وعقيدتنا عقائد قطعية يقينية لا يمكن أن تثبت بالطريقة الظاهرية، وبالتالي عندنا مذهب واحد هو الذي اعتبر أن خبر الآحاد إذا ثبت ولم يعارض القرآن -ووضعوا حوالي 16 شرط قالوا- يقبل في العقائد، وفتحوا علينا الباب الذي أدخل علينا قضية المهدي والسيد المسيح.

ثم إن ما ذكره القرآن الكريم عن مسألة سيدنا عيسى عليه السلام لا بد أن يفهم في سياق الوحدة البنائية للقرآن كاملا، فمثلا يقول تعالى: {إني متوفيك ورافعك إلي}، أولا قضية الرفع.. الرفع لا يعني ما هو متبادر إلى الأذهان في هذه المسألة بالذات من رفعه حيًّا إلى السماء، فالرفع في القرآن جاء بمعنى آخر مثلا في قوله تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات}، وقوله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}.
إذا نحن أمام مفهوم قرآني اسمه “الرفع” هذا المفهوم القرآني موجود وشائع في معظم السور، ليس فيه ما يشير إلى رفع حسي.. وشُبَهُ الحياة والرفع هي شبه نصرانية؛ لأن النصارى انقسموا إلى عدة مذاهب في قضية السيد المسيح.

قسم منهم قالوا صُلب وانتهى، وقسم آخر قالوا صلب واستطاعت مريم المجدلية وأمه أن ترشيا الحرس الواقف على القبر لكي يترك مجالا لتنفسه داخل القبر، فترك فتحة يتنفس السيد المسيح منها، وقدموا رشوة لكي ينصرف الحراس عن حراسة قبر السيد المسيح فانصرفوا، فجاءت مريم المجدلية وأمه وأخرجتا السيد المسيح، وتناول عشاء الفصح مع طلابه الذين كان معظمهم في شك أنه السيد المسيح، فكان بعضهم يلمسه، وكان بعضهم يسأله وذلك حسب رواياتهم هم.. ثم تزوج بعد ذلك مريم المجدلية، وأنجب منها أطفالا وعاش حياة عادية إلى أن مات.. هذه روايات نصرانية ليست روايتنا نحن.

وقسم منهم قالوا: شبه لهم فاشتبهوا بالواشي نفسه.. الله أراد أن يخزيه بأن ألقى عليه شبه السيد المسيح فقُتل هو، وهرب السيد المسيح.. نجا في كل الأحوال سواء أخذنا بالرواية النصرانية الأولى أو الرواية الأخيرة، هو عاش حياة عادية ثم مات.. هذا عند النصارى..

أما نحن فقد اشتبهت علينا كلمة “رافعك”، وهي حسب ما يفهم الكثيرون تعني أنه رفع إلى السماء حيا لينزل ثانية، وهذا تناقض.. فالقرآن قال في نفس الآية التي جاء فيها مصطلح الرفع {إني متوفيك}، وهم انشغلوا بالشبيه وصلبوا الشبيه وقتلوه وهو هرب.. فلماذا يرفعه؟ لا شيء يستوجب الرفع؟ وما الداعي إلى رفعه؟ لا شيء.. وإذا كان رفعًا فهذا يناقض {شُبه لهم} إذن هم أتوا به للصلب والله رفعه!!

حتى عقولهم لم تسمح باكتشاف التناقض بين أقوالهم مع القرآن الكريم، مع نفس الآية التي يستدلون بها إما شبه لهم وهو نَجَا، وهذا صحيح ولا داعي للرفع بالمعنى الذي يفهمونه، فهو اختفى عن الناس في مكان ما، قيل إنه اختفى في مصر وتزوج وأنجب ابنين أو ابنًا وبنتًا إلى آخره، ثم توفاه الله وعاش حياة عادية؛ لأنه لم يدع بعد ذلك.

وهذا التناقض موجود في روايات الإنجيل وفي الأحاديث الواردة عندنا وأقوال المفسرين، فيجب أن نحل هذا التناقض {متوفيك ورافعك إلي} رافعك روحًا والأرواح كلها ترفع إلى الله تعالى، فمنها من يوضع في الجحيم، ومنها من يوضع في عليين {كتاب مرقوم يشهده المقربون} فرفعه جل شأنه رفع روحه.

والدليل على ذلك هو ورود مصطلح الرفع في القرآن كما قلنا بهذا المعنى، فالكل يرفع بهذه الطريقة، الشهداء والعمل الصالح وغيرهم.. فلا بد من تحرير مفهوم الرفع؛ لأننا إذا حررناه فلن يكون عندنا شيء يضطرنا بأن نقول رفع روحًا وجسدًا.

* إذن تعتقد أن تحرير مصطلح الرفع هو فيصل هذا الموضوع؟

– نعم.. تحرير مصطلح الرفع سوف ينهي فكرة أنه رفع لكي يكون أمانة وينزل ثانية.. “متوفيك” هي تنفي عملية العودة؛ لأنه قال {إني متوفيك ورافعك إلي} فإن بعد الوفاة حرف عطف أي أرفعك روحًا.

أما الإشكال الأكبر في فهم هذه القضية فهو عند المفسرين في سورة الزخرف، حينما قال تعالى: {ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون.. وقالوا أألهتنا خير أم هو} وهنا يفسر ويبين القرآن الكريم {إن هو إلا عبدٌ أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل..} ولاحظ ليس إلى العالم كله، ثم يأتي بعد ذلك قوله تعالى {ولو نشاء..} هذا التفات ما له علاقة بالآية هذه إلا المجاورة المناسبة.. {ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون}.

الوحدة البنائية للقرآن

*لكن هذه قراءة جديدة لهذا النص القرآني.. على أي شيء اعتمدت فضيلتكم فيها..؟

-هذه القراءة التي قرأنا بها تؤكد وتعتمد على أن القرآن له وحده بنائية متكاملة، ولأؤكد لك، المشركون الجاهلون كانوا يقولون {لولا نزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون} فهنا يرد عليهم بقوله {ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون} فمعناه أن الله سبحانه وتعالى قادر على نزول الملائكة، لكن لن تستطيعوا التفاهم معهم فالرسالة هي قضية اتصال.

والعملية الاتصالية يجب أن يكون فيها المرسل مثل المرسل إليه، فأنا اخترت بشرا، وأنتم حينما تجادلون في عيسى عليه السلام وتقولون {أألهتنا خير أم هو} فتختلفون فيه، فريق يقول خلق من غير أب، أبوه يوسف النجار وإلى آخره من الاختلافات والتناقضات من قصص أهل الكتاب التي كانت شائعة بسبب الثقافة الشفوية في الجزيرة العربية.

فيرد تعالى: {ما ضربوه لك إلا جدلاً} حتى يجادلوك {بل هم قوم خصمون.. إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل.. ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون} ثم جاء بقوله {وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعوني هذا صراط مستقيم} هذا يعود إلى الوحي وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

الضمير هنا لا يعود إلى سيدنا عيسى “عليه السلام”؛ لأنه وضع فاصلا بين قضيته وبين هذا الأمر، {ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون}؛ لأنه فرغ من مناقشة موضوع الجدل الذي جادله المشركون في قضية سيدنا عيسى، فالضمير يعود على النبي وعلى الوحي.. {وإنه لعلم للساعة}، وهذا ما يؤكده قول النبي صلى الله عليه وسلم: “بعثت أنا والساعة كهاتين” أي أنه لا نبي بعده، ليس غير الساعة بعده، ولذلك جاء الأمر بعدها باتباعه صلى الله عليه وسلم: “وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعوه هذا صراط مستقيم”..

فإما الإيمان به وإما الساعة التي تذهب بكم للجزاء “وإنه لعلم للساعة” يعني هذا الوحي أوحيناه إليك.. والدليل على ذلك أننا نرى سورة الزخرف كلها تقريبا تتحدث عن الوحي لمحمد صلى الله عليه وسلم، بدأت بقوله تعالى {حم والكتاب المبين…} حيث كل النقاش حول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن وما جاءهم به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموضوع سيدنا عيسى عليه السلام مقحم؛ لأنهم أرادوا أن يقحموه في هذا الموقع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الإيمان به، فقالوا إن عيسى نبي ورسول من غير أب ومن أم فقط، وعليه شبهات كذا وكذا، فأنزل الله تعالى {أألهتنا خير أم هو…..}؛ ولذلك رد عليهم سبحانه كما بينا {ما ضربوه لك إلا جدلا إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل} كأنه يؤكد عليهم قائلا: عيسى ليس قضية جوهرية بالنسبة لكم.. هو مثل فقط لبني إسرائيل، أنتم انظروا إليَّ أنا “محمد صلى الله عليه وسلم”.. أنا منكم وأنا نبيكم وهذا الكتاب هو القرآن الذي نزل بلغتكم، فما لكم وعيسى؟! إنه نبي ومَثَلٌ لبني إسرائيل، عليكم فقط أن تؤمنوا أنه جاء لبني إسرائيل وأنه نبي من أنبياء الله وانتهى، أنا ما طلبت منكم أكثر من هذا، ثم انتقل بهم مرة أخرى إلى المطلوب منهم تحديدا {وإنه لعلم للساعة..} أي الوحي إليك والكتاب المنزل إليك وإرسالك {وإنه لعلم للساعة فلا تمترن} يا عرب يا أميين “بها واتبعوني” وإلا لو ربطنا هذا الضمير بسيدنا عيسى يكون قوله تعالى “اتبعوني” نشاز” والقرآن أبلغ وأفصح من أن يكون فيه شيء نشاز.

إنه في آية واحدة من ناحية يشير إلى عيسى ومن ناحية أخرى يطلب اتباعه {فإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعوني هذا..} أي الإسلام الذي جئتكم به {صراط مستقيم ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين}..

وخشية أن يظن هؤلاء أن فيما تقدم عن سيدنا عيسى {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثل لبني إسرائيل} تقليل من شأنه جاء بعد ذلك قوله تعالى: {ولما جاء عيسى بالبينات قال..} لبني إسرائيل: {قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه..} وهذه علامة أيضا على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم {فاتقوا الله وأطيعون..}؛ لأنهم لما سألوه عن بعض الأشياء قال: هذه ليست لي، سيأتي لكم نبي آخر هو أحمد هو الذي سيخبركم بهذا ويجيبكم عما سألتم عنه {ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم}..