علا عطا الله** 23/07/2005

كانت وجوه الجيران تختلف ونفوسهم تجيد التصافح، يتواصلون بحب، يفرحون عند اللقاء ويحزنون ويألمون عند الفراق، يتقاسمون تفاصيل الغد فتبدو الأشياء حولهم أجمل وأرقى.

أما اليوم فتغير الزمان ولم يعد الحال كما كان عليه، الجار لم يعد يسأل عن جاره ومفاهيم الإحسان غابت وبدأت تندثر فما الذي حدث؟ ومن تغير نحن أم الزمان؟

الجرح والقلب واحد

كيف تتعامل مع جارك ؟، بهذا الاستفهام بدأت جولتنا الأولى. يشير أبو خالد – تاجر- إلى أن علاقة الجيرة في فلسطين ما زالت تتميز بأنها الأفضل والأحسن مقارنة بالمجتمعات الأخرى معللا ذلك بقوله: جرحنا واحد وعدونا واحد وحزننا واحد لنا، ولجيراننا إما أسرى أو شهداء أو جرحى لا نستطيع إذن أن ننفصل في علاقاتنا أبدا.

ورغم أن الشاب معاذ اتفق مع الرأي السابق في أن الأحزان وحدت الجيران في فلسطين فإنه يعلق: ما إن ينتهي الحدث حتى يعود كل شيء إلى ما كان عليه، الكل يغلق عليه باب بيته ويقول: نفسي.. نفسي.

وتعترف أم أحمد -ربة بيت- بأن علاقتها بجيرانها محدودة جدا، فتقول: لا توجد بيننا زيارات حتى في المناسبات كرمضان والأعياد وإن حدث والتقيت مع جاراتي فلا يكون بيننا غير السلام.

وتصف لنا هلا فلفل -طالبة جامعية- علاقة أسرتها بجيرانهم فتقول: الجميع مشغول في عالمه لا أحد يؤذي الآخر أو يسيء إليه. تبتسم ثم تستدرك: وفي الوقت نفسه لا أستطيع أن أتحدث عن صور رائعة للإحسان بيننا، وتصارحنا: والدتي حاولت أن تكسر الحواجز بينها وبين جاراتها بأن تذهب إلى زيارتهن، ولكن ما هي إلا زيارة واحدة والثانية حتى تبدأ علامات الاستفهام تحوم.. والمجتمع لا يرحم.

في الأفراح والأتراح

بابتسامة هادئة وبصوتٍ علت نبراته مسحات من القوة أخذ الحاج رأفت الحلبي -75عاما- يقارن لنا بين جار اليوم وجار الأمس، فيخبرنا أنه في الماضي كان الجيران يعيشون في ألفة ومودة يأكلون معا ويشربون معا، ويحصدون الزرع معا ويتعاونون في الأعباء، ويلعب أطفالهم يدا بيد، صحيح أن الوضع تغير، غير أن علاقتي مع جيراني لم تتغير، فها نحن نجتمع ونتسامر نتناقش في كل الأمور الدينية والسياسية والاجتماعية نحب بعضنا ونتجاور بود وألفة….

وتؤكد أم عمار ضبان أنها تحترم جاراتها وتزورهن في المناسبات، وتقول: أعطانا الله بابا عظيما من أبواب الخير والحسنات، فلم لا نستغله؟ أحسن إليهم ما استطعت إلى ذلك سبيلا، نتشارك في الأفراح والأحزان وفي كافة أنشطتنا الاجتماعية.

رب أخ لم تلده أمك.. بهذه الحكمة وصف رائد مهاني جاره، وأضاف: جاري ما أعظمه لا يبخل علينا لا بالقول أو الفعل، بيته مفتوح في كل المناسبات، يفرح معنا ويحزن ونحن نبادله هذا الشعور، يصمت ثم يتابع: جميل أن تكون العلاقات مع الجيران مبنية على قاعدة الإخوة والإحسان، فذلك يمنحنا حياة هادئة جميلة لا يسودها التناحر والتباغض.

مجالس جيرة

لا يحتاج المرء إلى كثير من البحث والوقت ليصطدم بواقع يخبره أن الزمان تغير وجيرة الأمس لم تعد كما كانت، وأن التآلف تحول إلى تنافر، فما الذي حدث؟، وما تأثير ذلك على منظومة المجتمع؟ أسئلة توجهنا بها إلى الدكتور وليد شبير المحاضر بقسم الاجتماع بالجامعة الإسلامية، فأجاب قائلا: الخلل في علاقة الجيران أسبابه عديدة، أهمها ابتعاد الإنسان المسلم عن القيم الإسلامية الداعية إلى الإحسان بالجار، إلى جانب تأثره بالثقافات الغربية الوافدة التي تمجد وترسخ الانعزالية.

وأضاف د. شبير قائلا: ساهمت ثورة المعلومات والأعباء الاقتصادية في عزلة الجيران، غير أن جملة الأسباب السابقة يجب ألا تكون مبررا لتفسخ المجتمع، فقديما كان الجيران يلتفون حول بعضهم لمناقشة أمورهم وحل مشاكلهم والمشاركة في كافة الأنشطة الاجتماعية، أما الآن فالانغلاق سيد الموقف، ولا بد من توعية الأفراد بحق الجيرة وتدعيم العلاقات المفقودة وذلك عن طريق إيجاد مجالس جيرة في كل حي لتنظيم اللقاءات بين الجيران وتوحيد أحزانهم وأفراحهم وبحث مشاكلهم والارتقاء بمبدأ حسن الجوار فتنعكس آثاره الإيجابية على المجتمع.

والله لا يؤمن..!

ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سَيُورِّثه، وصية نبوية شريفة تبين كيف أن جبريل عليه السلام ظل يوصي نبي الإسلام محمدا صلى الله عليه وسلم بالجار حتى ظنَّ النبي أن الشرع سيأتي بتوريث الجار.. تحدثنا إلى الدكتور ماهر السوسي أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية، الذي عرف لنا مفهوم الجوار، فقال: إنه مأخوذ ومشتق من لفظة الاستجارة أي طلب المعونة والأمن، كما أن الجوار يعني الالتصاق والقرب.

وأضاف قائلا: لقد أوصى القرآن بالإحسان إلى الجار، فجاءت آياته الحكيمة تحث وتحض على هذا الجانب وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ (النساء:36)، إذ ربط الشرع الإيمان بحسن الجوار، ولذلك أكد الرسول صلى الله عليه وسلم: والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: مَن لا يأمن جاره بوائقه.

واختتم قائلا: اهتم الإسلام بحسن الجوار لتحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي الذي له الأثر العظيم في بناء مجتمع سليم متماسك يسيطر عليه جو من الألفة والمحبة والأمان؛ ولذا يجب تتضافر الجهود الجماعية لترسيخ حب الجيرة بدءا من الأسرة إلى الحي، فالمسجد، فالجامعة، وصولا إلى كافة المؤسسات الاجتماعية، وبيان كيف أمر وحض الإسلام على هذه العلاقة ليحيا الفرد والمجتمع حياة آمنة كريمة.

اقرأ أيضًا:

** مراسلة لشبكة إسلام أون لاين في غزة.