أحمد البهنساوي**

27/06/2005

شاعت في مصر مقولة تعبر عن إعراض الناس عن روابط الجوار: “صباح الخير يا جاري.. أنت في حالك وأنا في حالي”. والعجيب أنها صارت الاستشهاد الأكثر دلالة على معنى الجوار الآن، بدلا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.

وقد كان الشعراء يتغنون بقوة صلة الجوار وأثرها في النفس؛ فيقول أحدهم:

قِدْري وقِدْر الجار واحدة وإليه قبلي ترفع القدر

وقد أشارت دراسة أمريكية نشرت عن “جامعة أوهايو” عام 2000 أن الأشخاص الذين يواجهون مشكلات مع جيرانهم هم الأكثر تعرضا للإصابة بالاكتئاب. فهل صارت الفرقة والانسلاخ بين الجيران هي واقع الحال الآن في أم الدنيا؟ سؤال لا نحاول الإجابة عليه بقدر ما نحذر من خطورته.

الثأر لا يعرف الجوار

إن أكثر ما يمثل انتهاكا صارخا لحقوق الجوار في صعيد مصر قضية الثأر التي لا تراعي في الله إلا ولا ذمة. يقول حمادة زكريا (أسيوط): تقوم العائلات في الصعيد على تربية أبنائها، فإذا قتل أحدُ الأشخاص رب الأسرة تقوم الأم بشحن ابنها للأخذ بالثأر بشتى الوسائل؛ كأن تريه جثة أبيه مخضبة بالدماء، أو تسرد له روايات مبالغا فيها لكي تزيد درجة الحقد على جاره الذي تسبب في القتل. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك: طفل لدينا في البلدة يدعى متولي أحمد حسين، أخذ بثأر أبيه وهو في الرابعة عشر من عمره.

وفي عين شمس قام أبو سعيد محمد (نجار) بضرب جاره حجاج بمطواة، مما أدى لإصابته بانفجار في عينه، وكانت العاهة هي ثمرة المشادات الكلامية المستمرة بينهما على صغائر الأمور.

وكانت الماديات هي السبب في جريمة ارتكبها محمد سيد ضد جاره في منطقة بالهرم؛ فقام باستدراج جاره واضعا له مبيدا حشريا في الشاي، وقام باستدراجه بمساعدة آخر للاستيلاء على مئتي جنيه فقط لا غير!!.

حسبي الله في جاري !

يحكي محمد عبد الله (البحيرة) عن تجربة الجوار في حياته فيقول: العلاقات الاجتماعية في مجتمعنا المعاصر يشوبها الاستغلال من قبل الجار لجاره، وقد عانيت الأمرين في سكني بعد أن انتقلت للقاهرة؛ فقد حاول أحد جيراني التودد إلي، ثم اكتشفت بعد ذلك أنه يحاول استغلالي؛ فكان يتصل بالتليفون من عندي حتى لا يكلف نفسه فاتورة التليفون، فيلقيها على كاهلي، ولكني لم أتعظ من هذا. وكان كثيرا ما يطلب مني أموالا ولا يردها، لذلك لم أعد أثق بأي جار لي في المدينة القاهرية، وقررت بعد تكرار المواقف أن أصفي أعمالي وأعود بأسرتي لبلدتي الصغيرة النقية.

أما رضا داود (الغربية) فيشير إلى نزعة الفردية التي سيطرت على التعامل مع أبناء هذا العصر، وأضاف قائلا: تعرضت أسرتي للعديد من المواقف والظروف الصعبة كالمرض وتراكم الديْن، وحاولت أن أستنجد بأحد جيراني ولكن لم تشفع جيرتي لديهم في الرأفة بحالي ومساعدتي. وأعرف صديقا في الريف قد جَارَ جاره على أرضه واستولى عليها بوضع اليد؛ لذلك فأنا شديد الحرص في التعامل مع الجيران.

إيثار الجار على النفس!

وفي المقابل هناك بعض النماذج الإيجابية التي تؤكد على عدم قتامه الصورة الواقعة تماما، فتحكي رانيا سالم (حلوان): رغم وجود العديد من مظاهر سوء الجوار في السكن أو العمل، فإن هناك نماذج إيجابية تنم عن وجود بشر لا يزالون متمسكين بقيم الدين وتقاليدنا العربية التي ترسخ للحميمية بين الجيران؛ فعندما كنت أذاكر لامتحانات الثانوية العامة كان لدي جار يجهز شقته ويفرشها استعدادا لاستقبال عروسه، وكانت هذه التجهيزات تسبب تشويشا لي وتأثر على مذاكرتي، فذهب والدي لجارنا وأخبره بذلك، فاستجاب على الفور لظروفي، وأجل فرش شقته لحين الانتهاء من الدراسة تماما.

ولأحمد رمضان (المنيا) حديث في الاتجاه ذاته، يذكر: شعرت وقت الضيق بأهمية التكاتف بين الجيران خاصة في الأزمات؛ فقد ماتت “بهيمة” جاري التي كانت رأس ماله الوحيد ومصدر رزقه، فظن أن الدنيا ضاقت عليه بما رحبت، وأن أبناءه لن يجدوا لقمة العيش ليأكلوها، ولكنه آمن بقدرة الله وتيقن أنه لن يخذله، فقام الجيران بجمع الأموال من بعضهم البعض، واشتروا له أخرى هدية فاجئوه بها.

للجار حقوق لا تنتهي

وفي مفهوم الجوار يتحدث إلينا د.أحمد محمود كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة القاهرة قائلا: لم يصب الخلل مفهوم الجوار عبر العصور، إنما أصاب ممارسات الناس له. والجوار أنواع: فهناك جيرة المسكن، وجيرة العمل. وللجيرة حقوق، منها عامة كحسن المعاملة، وهي واجبة بين كل البشر بغض النظر عن الدين أو الجنس أو اللون. ومنها خاصة كالحقوق المفروضة بين المسلم وجاره المسلم: تشميت العاطس، عيادة المريض، تشييع الجنازة، والعون في الحاجة.

وقد وصل حرص الرسول -صلى الله عليه وسلم- على تزكية الجوار وتدعيم أواصره إلى أن حث المسلم على إطعام الجار من نفس صنف الطعام الذي يأكله، قائلا في حديث رواه أبو ذر: “يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك”.

وربما يكون حديث معاذ بن جبل عن رسول الله جامعا لفكرة حق الجار وعظم أهمية الجوار من الناحية الشرعية والاجتماعية في حياة المسلم.. قال معاذ بن جبل: قلنا: يا رسول الله، ما حق الجار؟ قال: “إن استقرضك أقرضته، وإن استعانك أعنته، وإن احتاج أعطيته، وإن مرض عدته، وإن مات تبعت جنازته، وإن أصابه خير سرك وهنيته، وإن أصابته مصيبة ساءتك وعزيته، ولا تؤذه بقتار قِدْرك إلا أن تغرف له منها، ولا تستطل عليه بالبناء لتشرف عليه وتسد عليه الريح إلا بإذنه، وإن اشتريت فاكهة فاهدِ له منها وإلا فأدخلها سرا. لا يخرج ولدك بشيء منه يغيظ به ولده، وهل تفقهون ما أقول لكم، لن يؤدي حق الجار إلا القليل ممن رحم الله”.

ويشير الدكتور كريمة إلى أن من أعلى درجات البر حسن الجوار خاصة مع غير المسلمين، بما يخلق مجتمعا لا يعرف الطائفية، يقول الله تعالي:
{لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم من دِيَارِكُمْ أَن تَبَروهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِن اللهَ يُحِب الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8).

الجوار لبنة المجتمع السليم

وعن أثر الجوار في بناء المجتمع يقول د. علي ليلة أستاذ علم الاجتماع بآداب عين شمس: كانت العلاقات الاجتماعية بين الناس -خاصة المتجاورين- في الماضي أكثر حميمية وقرابة، وهذا أثر على تماسك المجتمع وتجانسه، أما الآن فقد انقلبت الموازين؛ حيث علت قيم الفردية، وتفتت العلاقات الاجتماعية، وكلها قيم نابعة من القيم الغربية الحديثة التي نجحت مؤخرا في اختراق أمتنا العربية والإسلامية. ولا سبيل للرجوع إلى تماسك المجتمع إلا إذا أقلعنا عن التقليد الأعمى للغرب والرجوع لتعاليم ديننا الحنيف؛ حيث إعلاء مكانة الجار في السنة المطهرة.

وتضيف د. نادية حليم أستاذة علم الاجتماع السكاني بجامعة عين شمس: ما نراه من نماذج سلبية حاليا في العلاقات بين الجيران يرجع إلى التطور الذي مر به المجتمع من البدوية إلى الحجرية فالزراعية وأخيرا الصناعية، وهو ما أدى إلى خلق أسر صغيرة انفرطت عن عقد العائلة، ومن ثم برزت المصالح الفردية والانشغال الكامل بالحياة؛ فكل فرد يبحث عن حل لهمومه ومشاكله الشخصية بعد أن كانت الجماعات تحل مشاكل أفرادها مجتمعين؛ وخاصة الجيران الذين كانت تصل درجة التواصل بينهم إلى درجة القرابة.

ويعمق النسق العام للمجتمع من مفهوم الفردية، ويجعل كل فرد يتعامل بمفرده مع مشاكله وهمومه منعزلا عن الآخرين تحت شعار “يلا نفسي”، و”ابحث لنفسك عن حلول لمشاكلك”، وهو الشعار الذي رفعته الدولة بعد أن كانت مسئولة عن التعليم (فأصبحت هناك الجامعات الخاصة)، والتوظيف الخاص (القطاع الخاص)، ولكن يظل الإنسان المصري لديه الشهامة المعهودة في حال تعرض جار له في السكن أو العمل لأي مشاكل، ويظهر ذلك جليا في الشدائد والمحن.

اقرأ أيضا:

** صحفي مصري بجريدة آفاق عربية