مصطفى عاشور

 

محمد علي

خسرت مصر حوالي ثلاثين ألف جندي، وفقدت معظم أسطولها البحري، بعد الضربة القاصمة التي أنزلها التحالف الأوروبي بالأسطول المصري والعثماني في موقعة “نفارين” البحرية سنة (1243هـ = 1827م)، فأحجم محمد علي باشا والي مصر عن الاستمرار في مجابهة الأوروبيين، ورجعت بقايا الأسطول المصري المحطم إلى الإسكندرية، تاركة خلفها الدولة العثمانية لتواجه الدول الأوروبية الكبرى التي أرادت إخراج العثمانيين نهائيا من أوروبا.

وساءت العلاقات بين السلطان العثماني “محمود الثاني” ومحمد علي باشا، وعملت الدول الأوروبية على إذكاء روح هذا العداء فكانت فرنسا تشجع محمد علي على إعلان الاستقلال التام عن الدولة العثمانية، والمناداة بأن الخلافة من حق العرب أولا، أما الإنجليز فكانوا ينقلون إلى السلطان العثماني رغبة محمد علي في الاستقلال، ووضعوا أسطولهم القوي في خدمة العثمانيين لاستخدامه ضد مصر؛ لأنهم رأوا في مصر القوية تهديدا لطرق تجارتهم مع الهند.

وتصور محمد علي باشا أن الصراع بين فرنسا وإنجلترا صراع إستراتيجي، لا يوحي بإمكانية وجود تفاهم بينهما على اقتسام الغنائم على حساب البلدان الأخرى، ولم يدرك الرجل أن التناقض بين الدول الاستعمارية هو تناقض مصلحي لا إستراتيجي.

الحرب بين العثمانيين ومحمد علي باشا

سعت الدول الأوروبية وبخاصة إنجلترا إلى إثارة الحرب والصراع بين العثمانيين ومحمد علي، وسعت أيضا إلى إطالة أمد هذه الحرب بين الجانبين لإضعافهما واستنزاف قوتهما المالية والبشرية حتى تتحقق الأطماع الأوروبية الاستعمارية في اقتسام تركة الرجل الأوروبي المريض (الدولة العثمانية).

وكانت بداية الحرب بين الدول العثمانية ومصر، عندما منح السلطان العثماني جزيرة “كريت” لمحمد علي كتعويض عما فقدته مصر في الحرب اليونانية، لكن هذا التعويض لم يكن ذا قيمة، ورأى محمد علي أن يضم بلاد الشام إلى دولته الشابة حتى يظفر بمواردها من الخشب والفحم والنحاس، ويجنّد شبابها في جيشه فيزداد بهم قوة، وساعده على ذلك ضعف الدولة العثمانية بعد الحرب اليونانية، ثم الحرب الروسية سنة (1245هـ = 1829م) وكثرة الثورات والاضطرابات داخل الدولة المترامية الأطراف، وانتشار الفوضى داخل الجيش العثماني بعد إلغاء اتفاقية كوتاهية؛ لأنه رأى أن الخطر الذي يهدد سلطانه يأتي من ناحية مصر.

الحكم المصري في بلاد الشام

محمد علي يتابع قواته

دخلت الشام في حكم الدولة المصرية بعد صلح كوتاهية، وصار إبراهيم باشا حاكما عاما للبلاد السورية وقائدا للجيش المصري، ووطد مركزه الحربي والسياسي بهذه البلاد، وبلغ عدد الجيش المصري المرابط في الشام حوالي سبعين ألف مقاتل، معظمه في الجهات الشمالية وقد اعترض الحكم المصري في الشام عقبتان هما:

– استياء الأهالي من تدابير الإدارة المصرية، ومنها التجنيد الإجباري، ومصادرة السلاح.

– تدخل قناصل الدول الأجنبية في الشئون المحلية، وادعاؤهم حماية بعض الطوائف في الشام.

واشتعلت الثورات ضد الحكم المصري، وألّب العثمانيون والأوروبيون الشوام ضد المصريين، ودعموا حركات احتجاجهم التي لم تهدأ طيلة سبع سنوات استنزفت خلالها طاقات المصريين العسكرية والمادية، حتى إن خسائرهم في معركة واحدة ضد الدروز بلغت أربعة آلاف مقاتل بين قتيل وجريح، ولجأ إبراهيم باشا إلى قمع هذه الثورات فازدادات اشتعالا، حتى إن بعض الطوائف المتعادية مثل المارونيين والدروز اتحدت ضد الحكم المصري، وعم السخط السهل والجبل.

الحرب السورية الثانية

بدأت الحرب بين الطرفين بهجوم عثماني في (1 ربيع الثاني 1255هـ = 24 يونيو 1839م) على مواقع الجيش المصري في نصيبين، وانهزم العثمانيون بعد ساعتين من بدء المعركة، وكانت خسائرهم فادحة فقد قُتل وجرح 4 آلاف، وأسر حوالي 15 ألفا، وقضت هذه المعركة على قوة العثمانيين الحربية، وكانت أكبر انتصار لمحمد علي باشا.

كانت الهزيمة قاسية على العثمانيين ولم يتحملها السلطان الذي توفي بعدها بعدة أيام، ورأى الأوروبيون أن هناك اتجاهات بين بعض العثمانيين للالتفاف حول محمد علي باشا بوصفه منقذ الدولة العثمانية من التفكك، وأن مستقبل نهضتها على يديه، وفي (26 ربيع آخر (1255هـ = 9 يوليو 1839م) انضمت جميع وحدات الأسطول العثماني إلى محمد علي باشا في الإسكندرية، وفي الوقت نفسه احتل الجيش المصري ميناء البصرة وتقدم باتجاه الأحساء، والقطيف، فأحدث هذا الأمر إرباكا في السياسة الدولية للدول الاستعمارية الكبرى، ورأت أن تتدخل بقوة وحزم قبل أن تفلت أزمّة الأمور من يديها، لذلك وجهوا إنذارا إلى محمد علي وعقدوا تحالفا أوروبيا ضده، قابله محمد علي باستنكار شديد، خاصة بعد ترحيب الأستانة بهذا التحالف.

فكتب محمد علي رسالة إلى الصدر الأعظم “خسرو باشا” يدعوه فيها لعدم الخضوع لسياسات الدول الكبرى التي تصر على بقاء السلطنة في حالة من الضعف الدائم؛ حتى تتمكن في اللحظة المناسبة من تفكيكها والسيطرة عليها.. والطريف أن خسرو باشا أطلع الدول الأوروبية على هذه الرسالة السرية.

وانتهى الأمر بإبرام معاهدة “لندرة” في 15 من جمادى الأولى (1256هـ = 15 يوليو 1840م) بين إنجلترا وروسيا والنمسا وبروسيا وتركيا، والتي خولت لمحمد علي وخلفائه من بعده حكم مصر حكما وراثيا، وأن يكون له مدة حياته حكم المنطقة الجنوبية من سوريا، وأن يدفع جزية سنوية للباب العالي.. وفي حالة رفض محمد علي لهذه الشروط فإن الحلفاء سيلجئون إلى القوة لتنفيذها.

كان هدف المعاهدة إخراج مصر من الشام، أما فرنسا فأبدت الرغبة في عدم الخروج عن الإجماع الأوروبي، وكانت تلك قاصمة الظهر لمحمد علي باشا.

وقد انعكس التحالف الأوروبي العثماني بعد اتفاقية لندرة حربا على المصريين في بلاد الشام، فأصبحت جميع الموانئ الشامية تحت الحصار الأوروبي، وثار السوريون ضد الحكم المصري وكذلك اللبنانيون، وعمت الثورات بلاد الشام، وأصدر بطريرك المارون مرسوما بحرمان كل من لا يشارك في الثورة ضد المصريين، وأمضى إبراهيم باشا وقواته عاما في قمع الثورات الشرسة فتكبد خسائر فادحة في قواته وعتاده، وتهاوت موانئ بيروت وحيفا وصور وصيدا وسقطت عكا ويافا ونابلس.

وفي هذه الأثناء عزل السلطان العثماني محمد علي عن مناصبة في سوريا ومصر، وأدرك محمد علي أن دفة الأحداث قد تغيرت فأصدر أوامره لإبراهيم باشا بإخلاء سوريا والعودة إلى مصر، وتحول انسحاب القوات المصرية إلى ما يشبه الهزيمة، ولولا عزيمة وكفاية إبراهيم باشا لتحوّل الانسحاب إلى كارثة.

ونتيجة لتنافس الدول الأوروبية تراجع السلطان العثماني عن عزل محمد علي باشا الذي عاد إلى وضعه الطبيعي كوالٍ تابع للسلطان في الأستانة، وبذلك انتهت الحملة المصرية على بلاد الشام بتصفية أعداد كبيرة من القوة العسكرية المصرية، وانصرف محمد علي بعد معاهدة لندرة إلى معالجة الشئون الداخلية بنفسه، ولم يبق له غير مصر والسودان ميدانا لنشاطه، فأنشأ بنكا للدولة، وعمل على استكشاف منابع النيل، ووضع حجر الأساس للقناطر الخيرية، وأرسل كثيرا من البعثات الدراسية إلى أوروبا.

من مصادر الدراسة:

  • عبد الرحمن الرافعي: عصر محمد علي – الهيئة العامة للكتاب القاهرة 2000م.

  • أحمد حسين: موسوعة تاريخ مصر – دار الشعب القاهرة – بدون تاريخ.

  • لطيفة محمد سالم: الحكم المصري في الشام – مكتبة مدبولي القاهرة الطبعة الثانية 1410هـ = 1990م.

  • مسعود ضاهر: النهضة العربية والنهضة اليابانية – سلسلة عالم المعرفة رقم 252 المجلس الوطني للثقافة والفنون – الكويت – الطبعة الأولى 1420هـ – 1999م.