محمد أمين هلال

تهفو قلوب المؤمنين إلى المسجد الحرام، ولا يهدأ هذا الحب مهما تغير الزمان وتراخت الأيام؛ ذلك لأنهم يرون فيه بقية من مجد دينهم السالف امتزج بروحهم امتزاج النور بالهواء لا يتنسى لمحلل أن يفصم ما بينهما، ولا لمعترك الحياة أن تمحو أثرهما يتذكر المسلمون ما غبر من تاريخ هذه البلاد وتمر بخيالاتهم أطياف مما عمل سكانها، ويستنبطون ما في الأرض ويستظهرون ما على ظهرها بها فيشرفون من حال على حال، ويجدون أن دهرهم هدم منهم العناصر الحية فتناثرت رفاهيتهم وذاقوا بأسهم فكأنهم هم الموتى وكأن أسلافهم أضفت عليهم الحياة أثوابها فتلك آياتهم متجسمة تفرغ حياتها وتشرق نورانيتها على هذه المشاعر الكريمة، وتسطر كلماتها في الأرض إلى نهاية الدنيا؛ ليقرأ فيها معاني الإخلاص والوفاء والرحمة، وناهيك برجال استلهموا الفطنة فما كذبتهم، وعالجوا الهموم فما صرعتهم وقطعوا الشك يتلجلج في الصدور بقوة يقينهم، ومحوا الخوف يذهل النفوس بصرامة إقدامهم، فإذا دين الله يزيد أتباعه ولا يقلون، وينفذ شعاعه في رفق وتؤدة حتى يستفيض على الجزيرة وما حواليها جميعًا في مدى لا يتجاوز العشرين عامًا، وهي في عمر الدهر لم تكن شيئًا مذكورًا، فكانت هذه المعجزة الإنسانية الكبرى التي تفيأ ظلالها كل لاجئ والمنارة الوضاءة لمعاني الإخاء والمساواة إذا رغبت الناس في نعمى الحياة، واهتدوا إلى دين الله.

أفكان من الغريب أن يشرع الله من فضله فريضة الحج ويجعلها أحد أركان الدين الخمسة؛ ليصل المسلمون حاضرهم بماضيهم، ويغذوا مشاعرهم بذكريات أسلافهم، ويترسموا في دنياهم خطى رجالاتهم؛ ويعلموا أن المسلم أخو المسلم لا يفرق بين الأخوين اختلاف مكان أو تفاوت لسان أو ألوان، وهذه بقعة الحج تجمع بينهما على بعد المكان، وتغرس الود في نفسيهما على تقوى من الله ورضوان.

إذا أذن مؤذن الحج رأيت صدى دعوته يتجلجل في جنبات العالم الإسلامي، ويهز المشاعر هزًّا إلى أرض الحجاز، وإلى الكعبة قبلة المسلمين، وإلى تلك المناسك التي تفصح عن سرها، وتبين عن شريف حكمها، فإذا وقف الحجيج في عرفات، هاتفين لبيك لبيك وقد حسروا الرءوس واطّرحوا زينة هذه الحياة الدنيا فكأنهم في يوم المحشر وقد زاغت الأبصار فلن ترى إلا خاشعًا يتبتل، وباكيًا يتوسل ومذنبًا يتوب ونفسًا تذوب، وتشعر آنئذ أن الروح الأمين والملائكة المقربين تطل على هذه الجموع من عل، معجبة بتقواها مشاركة في دعواها مقرة بقصور علمها عن مغزى الإرادة الصمدانية (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم).

هذا هو الحج وتلك من ثماره:

يؤلف بين المسلمين ويجمع كلمتهم، ويلفتهم إلى أن القوة في اتحاد الكلمة، وإطراح تلك الزخارف الفاتنة والرجوع إلى طهارة الدين، فإذا كانوا يريدون الخير فهذا طريقه مُعبّد وما عليهم لو خرج أغنياؤهم ومتوسطوهم عن قليل من المال في سبيل هذه الفريضة وشهود الجماعة فيؤدون واجبًا لله في إقامة أحد الأركان وواجب الأخوة الإسلامية في توثيق روابطها، وواجب الإنسانية في بر جماعات انقطعوا لجيرة الله، وحُرموا كثيرًا من وسائل الحياة ثم شاهدوا آثارًا حافلة بشتى الذكريات تحدث عمن غبر حديثًا عجبًا يهدي إلى الرشد ويحفز إلى كل فضيلة وكمال، وما تقهقر المسلمون إلا حين تراخت العرى بين ماضيهم وحاضرهم، فزلزلتهم أطماع الدول، وتنكرت لهم مباسم الكون وخشنت مناعم الزمان، وضرب الدهر ضربته في ذلك البنيان المرصوص حتى كاد اليأس بعصر عود الأمل، ويصبح أبناء الإسلام في ليل من الشك مظلم. نعم في تلك البقاع الطاهرة تتحلى النفس بالقوة وتتجلى الشمائل المرجوة، وتحسس إلى النفس معاني الشرف والإباء والمفاخر تدفع بها دفعًا لا شعوريًّا إلى الاستهانة بالخطوب مصغية لقول القائل:

إذا أنت لم تحم القديم بحادث

من المجد لم ينفعك ما كان من قبل

إن هذه المناسك التي يؤديها الحاج لتكشف عن نواحي العظمة في هذا الدين، وتحث على السمو بالروح إلى عليين، فهذا الإحرام والطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، ورمي الجمار، عند العقبة، وتقديم الهدي، واستلام الحجر الأسود، والإهلال بالتلبية؛ كل هذا يفسح للمتدبر العاقل عن مغاز سامية لصلاح المعاش والمعاد، وتلك البقاع الحجازية تهيب كل بقعة منها بالمسلم أن يكون رجلاً قوي الإرادة لا يثنيه في سبيل الحق والكرامة خطب، إن ذل ولا مغر وإن جل ، هذا جبل ثور وغاره المبارك مهبط جبريل على خاتم النبيين، وتلك دار الأرقم شعار الوفاء والتضحية، وتلك الكعبة بناء إبراهيم، وعرفات مجمع الحسنات يرى المؤمن في كل منها حالا تنطلق بمجد الدين والأجداد وهاديا يرشد الأبناء والأحفاد.

حياك الله وبياك يا “مصرف مصر” فقد كنت عن علامات الله على أنه أراد لمصر خيرًا كثيرًا؛ حيث حفظ لها ثروتها وشغل المتعطلين من أبنائها، وبرهن للأجانب على أن في الكنانة رجالاً لا تعوزهم بصيرة ثاقبة وإرادة حازمة وعقل يزن الأمور بميزان وشعور يشع سناه في كل مكان.

لا نبالغ إذا قلنا: إن هذا المصرف وشركاته من أقوى الأدلة على يقظة أبناء الكنانة وبشير بما يكنه المستقبل القريب من خير الآمال وبلوغ الكمال، كما أننا لا نبالغ إذا قلنا: إن شركة مصر للملاحة البحرية قد جعلت المسلم المصري لا يستطيع أن يتعلل عن الحج بأنه لا يستطيعه؛ إذ يمكنه بيسير من المال أن يجتلى هذه المشاعر الطاهرة دون أن يعرض حياته للخطر ولا ماله للضياع ولا صحته للضعف، وليس بغريب أن يشعر ركاب “زمزم” و”ضيوف” الكوثر بأنهم لم يفارقوا مصر وطيبها أو يألموا لمفارقة أهليها بل يجدون أنفسهم في أرض مصرية تمخر بهم عباب البحر وتواتيهم بما يشتهون، ويرون علم البلاد المحبوب يخفق فيذكي الشعور القومي بجانب الشعور الديني، فلا يشعر المسافر بوحشة ولا يرهق نفسه مال ينفقه أو زمن بعد فيه عن أهله، وما أحسن الراحة الفكرية والواجبات الدينية إذا اجتمعا وما أضمن زمزم والكوثر في اجتماعهما، وذلك الفضل من الله.

قال عبد الملك بن جريج كنت مع معن بن زائدة باليمن، فحضر وقت الحج ولم تحضرني نية، فخطر ببالي قول ابن أبي ربيعة:

بــالله قــولي في غير معتبة

ماذا أردت بطول المكث في يمن

إن كنت حاولت دنيا أو نعمت بها

فما أخذت بترك الحج مـن ثمن

قال: فدخلت على معن فأخبرته أني قد عزمت على الحج؛ فجهزني وانصرفت.