سمير حلبي

 

المسجد الأموي بدمشق

“دمشق الفيحاء” حلم طالما داعب خيالات وأمنيات المسلمين منذ أن خرجت أولى طلائع المسلمين للفتح ونشر الإسلام خارج الجزيرة العربية موطن الوحي ومهد الإسلام.

كانت دمشق التي حباها الله بجمال ساحر وطبيعة خلابة تأخذ بالألباب وتستحوذ على القلوب تتميز بمروجها الخضراء ومراعيها الخصبة وجناتها المثمرة ومياهها الصافية وغدرانها المتلألئة وحدائقها الغناء، وكأنها قطعة متجددة من الربيع الخالد والحسن الأبدي.

وقد حرص المسلمون على الإسراع إليها وفتحها، ولكن كيف السبيل إلى تلك المدينة المنيعة الحصينة التي اكتسبت مجدها وحضارتها منذ فجر التاريخ، وضربت بجذورها في أعماق الزمن السحيق، فهي من أقدم مدائن العالم، إن لم تكن أقدمها جميعا. وقد توالت عليها حضارات عريقة وعهود مجد تليد، وبلغت من التحصين والمنعة حدًا يفوق الخيال؛ فأسوارها العالية التي بُنيت من الحجارة الصلدة ترتفع إلى نحو 11 مترا، وتحيط بالمدينة من كل جانب، ويزيد سمكها على ثلاثة أمتار، وحصونها بالغة الارتفاع كثيرة الشرفات، يحتمي بها الرماة بسهامهم والمجانيق، ويحيط بأسوارها خندق عميق يزيد عرضه على ثلاثة أمتار، ولها أبواب منيعة ضخمة يُحكم إغلاقها من الداخل فكانت بقوتها وحصانتها تتحدى أطماع الغزاة، وتبدد أحلام الفاتحين.

طلائع الفتح الإسلامي

بدأ تفكير المسلمين نحو فتح الشام يتخذ خطوات عملية منذ عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق؛ فقد سعى إلى تكوين جيش قوي يجمع صناديد العرب وأبطال المسلمين، وجعله في أربعة ألوية اتجهت إلى غزو الشام، جعل على أحدها أبا عبيدة بن الجراح، وعلى الثاني عكرمة بن أبي جهل، وعلى الثالث يزيد بن معاوية، وعلى الرابع عمرو بن العاص، وعيّن لكل لواء منها جهة يغزوها.

وعندما لقيت تلك الجيوش مقاومة شديدة من الروم اجتمعت على أمير واحد هو أبو عبيدة، فاستدعى أبو عبيدة خالد بن الوليد من العراق ليكون أميرا على جيوشه كلها، وتحرك خالد على رأس الجيش متوجها إلى الشام، فأقام شهرا على ضفة اليرموك دون أن يتعرض له الروم، وتوفي أبو بكر، وتولى عمر بن الخطاب الخلافة، فكان أول ما استفتح به عهده أن أمر بعزل خالد وتولية أبي عبيدة حينما رأى افتتان المسلمين بخالد، بعد الذي حققه من انتصارات، وما أذيع حوله من بطولات.

انتصارات ومشاورات

ولكن أبا عبيدة كتم الأمر ولم يذع نبأ عزل خالد حتى لا يفتّ ذلك في عضد خالد وجنوده، خاصة وهم مقبلون على معركة عظيمة فاصلة هي معركة اليرموك، واستطاع خالد أن يحقق انتصارا حاسما في تلك المعركة، وحينما علم بنبأ عزله لم يبد تأثرا؛ فهو فارس، ميدانه القتال، وهو في طليعة المحاربين، سواء كان قائدا أو جنديا.

وجاءت الأخبار إلى المسلمين أن هرقل قائد الروم أمدّ دمشق بقوات من حمص، وكان أبو عبيدة يريد تتبع فلول الروم المنهزمين من أجنادين والذين تجمعوا في “فحل”، فأرسل إلى عمر بن الخطاب يعرض عليه الأمر ويستشيره، فكتب إليه عمر يأمره بالسير إلى دمشق فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم، وأن يرسل إلى أهل “فحل” خيلا تشغلهم عن وجهة المسلمين وتحركهم.

على أبواب دمشق

سار أبو عبيدة وخالد بن الوليد في قوة كبيرة من جيش المسلمين متجهين إلى دمشق، ولم يجد المسلمون مقاومة من الروم، ولم يعترض طريقهم أحد.

وبلغ المسلمون غوطة دمشق فازدادوا حماسا وحمية، وقوي عزمهم على التقدم نحو دمشق التي بهرهم ما تتمتع به من سحر وجمال.

دخل المسلمون الغوطة فوجدوا قصورها ومساكنها خالية بعد أن هجرها أهلها ليحتموا بأسوار المدينة المنيعة من أُسود المسلمين الذين انطلقوا لا يعوقهم شيء، وحاصر المسلمون مدينة دمشق، وقدّر أبو عبيدة أن هرقل قد يبعث بمدد من حمص لمحاصرة قواته بين حصون دمشق وجيوش الروم؛ فأرسل جيشا من المسلمين ليعسكر في الطرق إلى دمشق.

ووزع أبو عبيدة قواته على أبواب المدينة؛ لإحكام الحصار عليها فجعل شرحبيل بن حسنة على باب توما، وعمرو بن العاص على باب الفراديس، ويزيد بن أبي سفيان على باب كيسان، وخالد بن الوليد على الباب الشرقي، وكان هو على باب الجابية.

الانتصار على مدد هرقل

وصدقت فراسة أبي عبيدة؛ فقد أرسل هرقل عددا كبيرا من القوات لنجدة الروم المحاصرَين في دمشق، ففوجئت هذه القوات بجيش المسلمين الذي كان في انتظارهم، ودارت معركة عنيفة بين الجانبين، واستمر القتال الشديد بين الفريقين حتى انكشف الروم ولحقت بهم هزيمة منكرة، فارتدّوا منهزمين إلى حمص.

وكان لانتصار المسلمين في هذه المعركة أكبر الأثر في نفوسهم؛ حيث قويت عزيمتهم على القتال وتحمل الظروف القاسية التي مر بها جيش المسلمين مع قدوم الشتاء ببرودته الشديدة التي لا يطيقها أبناء الصحراء الحارة.

وطال انتظار الرومان المحاصرَين للمدد، وأرسلوا إلى هرقل يستعجلون مدده قبل أن تخور قوتهم وتضعف عزيمتهم على الصمود والمقاومة، فبعث إليهم هرقل يطمئنهم ويحثهم على الثبات والمقاومة، فقوّى ذلك من عزيمتهم، وبعث الأمل في قلوبهم وشجعهم على الثبات وصد هجمات المسلمين.

هجوم توماس على المسلمين

ومع مرور الوقت عاد اليأس يسيطر على قلوب الروم، وبدأ القلق على مصير المدينة ينتاب قادتها؛ فاجتمع عدد من هؤلاء القادة وذهبوا إلى “توماس” القائد العام لجيش الروم في دمشق، زوج ابنة الإمبراطور هرقل، وأخبروه بمخاوفهم، وعرضوا عليه الصلح مع خالد، إلا أنه رفض هذه الفكرة، مؤكدا لهم قدرته على الدفاع عن المدينة، وأنه سيطرد المسلمين قريبا من حول دمشق.

وقرر توماس أن يشن هجوما قويا على المسلمين، فجمع قوة كبيرة تجمعت عند باب توما، ثم أصدر أوامره إلى الرماة فانهالوا من فوق الحصن على شرحبيل وجنوده بالسهام والحجارة ليبعدوهم عن باب الحصن، واندفع خارجا من باب الحصن في نحو خمسة آلاف فارس.

واستطاع الرماة إلحاق خسائر كبيرة في صفوف المسلمين، واستشهد عدد كبير من فرسان المسلمين؛ فاضطر المسلمون إلى التراجع بعيدا عن مرمى سهام الروم، وسرعان ما نشب قتال عنيف بين قوات شرحبيل وقوات توماس، وبالرغم من تفوق قوات الروم فقد ثبت المسلمون حتى اضطروا الروم إلى التراجع داخل الحصن بعد أن أصابوا قائدهم بسهم في عينه.

توماس يعود من جديد

ولكن توماس لم ييئس حيث باغت المسلمين بهجوم ليلي آخر، ولكنه في هذه المرة كان هجوما واسعا من عدة أبواب في آن واحد، وخصّ الباب الشرقي بأكبر عدد من القوات لمنع خالد من نجدة شرحبيل.

وقبل منتصف الليل سمع المسلمون قرع النواقيس، وكانت تلك الإشارة التي أعطاها توماس لفتح الأبواب، وفجأة اندفعت قوات الروم نحو المسلمين، وتصدى لهم المسلمون في شجاعة واستبسال، وسقط عدد كبير من الروم، واستمر القتال إلى الساعات الأولى من الصباح الجديد، وتجلت بطولات قادة المسلمين وفرسانهم الذين راحوا يقاتلون بلا هوادة، حتى أدرك الروم أنه لا فائدة من الاستمرار في القتال؛ فأسرع توماس يأمرهم بالانسحاب، بعد أن كاد يلقى حتفه على يد شرحبيل. واندفع جنود الروم إلى داخل أسوار حصونهم، ولم يحاول المسلمون اللحاق بهم، مكتفين بما كبدوه لهم من هزيمة مزرية.

خالد لا ينام ولا ينيم

عاد المسلمون يضربون حصارهم من جديد على المدينة، وكان خالد بن الوليد مقيما على الباب الشرقي، دائم اليقظة والاستعداد يتربص أي فرصة سانحة للانقضاض على العدو “لا ينام ولا ينينم”، ولا يخفى عليه شيء؛ فقد جعل عيونه ورجاله يصيدون كل ما يدور وراء تلك الأسوار بدقة شديدة، حتى لكأنه يعيش بينهم، وتوافرت لديه المعلومات تشير إلى اشتغال الحامية في حفل عند بطريرك المدينة الذي ولد له ولد؛ فدعا الجميع إلى الاحتفال بتلك المناسبة، فأفرطوا في الشراب، وتخلى كثير منهم عن مواقعهم، وكان خالد قد استعد استعدادا لذلك، وصنع السلالم والحبال.. فلما هدأ الليل وأرخى سدوله على المكان، عبر خالد ورجاله الخندق عائمين على القِرَب، ثم ألقوا بالحبال في شرفات السور، وارتقوا إلى أعلاه، وأسرعوا نحو الباب فعالجوه بسيوفهم حتى تمكنوا من فتحه، ثم رفعوا أصواتهم بالتكبير، فلما سمع المسلمون تلك الإشارة اندفعوا داخل المدينة وهم يكبّرون حتى ارتجّت أجواء المدينة بأصداء التكبير الهادر الذي شقّ سكون الليل، فانتبه القوم فزعين ليجدوا الجنود المسلمين قد انتشروا في أنحاء المدينة.

وأسرع الروم يفتحون أبواب المدينة ويصالحون أبا عبيدة، فأعطاهم الأمان دون أن يعلم بما فعله خالد، وطلب منه الكف عن القتال؛ لأنه صالح الناس وأمّنهم، فلم يكن من خالد إلا الطاعة لقائده، وأجرى الصلح على الجانب الذي فتحه عَنْوَة من المدينة.

ولم تمض ليلة (16 من رجب 14 هـ = 5 من سبتمبر 635م) حتى كانت دمشق قد استسلمت للمسلمين، وصارت درة جديدة تزين قلادة الإمبراطورية الإسلامية الفتية، وتضاف إلى عقد دولته الواعدة.

من مصادر الدراسة:

  • البداية والنهاية : أبو الفدا إسماعيل بن كثير الدمشقي – تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي – دار هجر للطبع والنشر – القاهرة – 1419 هـ = 1998م.

  • سيف الله خالد بن الوليد: الجنرال أ. أكرم- ترجمة العميد الركن صبحي الجابلي- مؤسسة الرسالة- بيروت 1402 هـ = 1982م.

  • الفاروق عمر: محمد حسين هيكل – دار المعارف بمصر –القاهرة – 1397هـ –1977م.

  • الفتوحات العربية الكبرى: جون باجون جلوب – تعريب وتعليق: خيري حماد – الدار القومية للطباعة والنشر – القاهرة 1383 هـ = 1963م.