تحرير: فرحات العبار 27/01/2005 
استمع لفعاليات الندوة: 1234

يُراد بالدِّيَة المال الذي يُدفع بَدَل النَّفْسِ المقتولة حتى يسقط الْقِصَاصِ عن الجاني بأسبابه، وَقَدْ يُسَمَّى أَرْشُ مَا دُونَ النَّفْسِ الدِّيَةَ كذلك. والناظر في مدونات الفقهاء يجد أن كلمتهم تكاد تجتمع على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، ونقل ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فيها الإجماع.

غير أن هذه القضية بقيت مثار تأمل ونقد من ضمن قضايا أخرى تتعلق بمكانة المرأة وحقوقها، وفي ظل سعي دولة قطر للاهتمام بالمرأة وتعديل بعض التشريعات القانونية الخاصة بحقوقها، نظم المجلس الأعلى لشؤون الأسرة -إدارة المرأة- في 22/12/2004م في الدوحة مائدة مستديرة بعنوان: “دية المرأة والرجل في دولة قطر”.

محاور الندوة

توزعت محاور النقاش في هذه الندوة على ما يلي:

  • لماذا بحث مساواة الرجل بالمرأة في الدية؟
  • مفهوم الدية ومغزاها؟
  • المحاكم القطرية وواقع تطبيق دية المرأة.

المشاركون

وشارك في الندوة كل من:

1 – فضيلة الشيخ د/ يوسف القرضاوي: مدير مركز بحوث السنة والسيرة النبوية بجامعة قطر.

2 – د/ ثقيل بن ساير الشمري: القاضي بمحكمة التمييز.

3 – د/ عائشة المناعي: عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية.

4 – السيد/ سالم بن راشد المريخي: عضو اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان.

5 – الشيخ /عبد القادر بن محمد العماري: نائب رئيس محكمة الاستئناف سابقا.

6 – الشيخ/ صالح بن جاسم المهندي: رئيس المحكمة الابتدائية.

7 – د/ محمد عثمان شبير: أستاذ الفقه والأصول بكلية الشريعة جامعة قطر.

لماذا دية المرأة؟.. وما معناها؟

المائدة المستديرة بالنادي الدبلوماسي بالدوحة

في افتتاحه للمائدة المستديرة قال السيد عبد الله بن ناصر آل خليفة الأمين العام للمجلس الأعلى لشؤون الأسرة: “إن مما شجعنا على مناقشة قضية دية المرأة في دولة قطر ما وجدناه من فتاوى لعدد من العلماء الثقات في عصرنا الحديث في التسوية بين المرأة والرجل في الدية، ولذلك قررنا دعوة نخبة من علمائنا الأجلاء وشيوخنا الأفاضل وأهل الاختصاص لمناقشة هذا الموضوع، منطلقين في ذلك من قناعة بأن الاجتهاد رحمة بالأمة”.

وحول مفهوم الدية ذكرت د. عائشة المناعي أن جمهور الفقهاء يقسمون القتل بغير الحق إلى ثلاثة أقسام: عمد وشبه عمد وخطأ، أما الإمام مالك فإنه يقسم القتل إلى قسمين العمد – وأدخل معه شبه العمد – والقسم الآخر الخطأ. وعقوبة القتل العمد معروفة وهي الإعدام قصاصا أو الدية استنادا لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (البقرة:178) ولحديث “العمد قَوَد” والقود معناه قتل النفس بالنفس.

والقصاص يجب أن يطالب به جميع أولياء الدم فإذا طالب به البعض وطالب البعض الآخر بالدية، وجبت الدية؛ لأن القصاص لا يقبل التبعيض.

والدية: معناها ما يُؤدَّى، وهي اسم للمال الذي هو بدل النفس عند الحنفية والمالكية. أما الشافعية والحنابلة فيرونها بدلاً للنفس وما دون النفس، والدية تسمى كذلك في الاصطلاح الفقهي: الأرش، وهو المال، وتسمى عقلا؛ إذ جرت عادة العرب أن يأتوا بالإبل ويعقلوها أي يربطونها بالعقال بفناء ولي المقتول لتكون هذه هي الدية.

هل في القرآن ما يشير إلى اختلاف الدية؟

فيما يخص الآية الكريمة: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (النساء:92)

فأكد الشيخ صالح المهندي أنه لا يجوز أخذ حكم شرعي من آية واحدة أو حديث واحد، إلا إذا كان هذا النص واضحا ولا خلاف عليه، والمسألة قيد البحث ـ أي دية المرأة ـ معلوم الخلاف حولها!! وطريقة الفقهاء في الوصول إلى الحكم الشرعي هي جمع النصوص المتعلقة بالمسألة ثم إصدار الحكم الشرعي.

أما د. محمد عثمان شبير فكان جوابه على ما يمكن أن يستنتج من آية النساء: “أنه لا يوجد في القرآن ما يشير إلى ذلك -أي تنصيف الدية- والآية جعلت الدية مطلقة، وليست خاصة برجل أو امرأة. وأضاف أن كلمة (الدية) في الآية غير مقيدة بأي قيد ولا هي تختص بجنس معين من الرجال أو النساء”.

ورد د. محمد شبير على الشيخ صالح المهندي قائلا: لعل الشيخ صالح يريد من قوله: لا بد من النظر في مجموع النصوص، أنه يشير إلى آية الميراث، أو آية الشهادة!! لكن الربط بين آية الدية وكل من آية الشهادة والميراث بعيد وهو قياس مع الفارق.

فالشهادة مبنية على أمور غير تلك التي بنيت عليها الدية، وكذلك الميراث؛ فمبنى الميراث على حاجة الرجل أو المرأة إلى المال. لذلك فإن القول بأخذ آية الدية وحدها وعدم ربطها بآية الشهادة أو الميراث هو القول الصحيح.

الشيخ عبد القادر بن محمد العماري نائب رئيس محكمة الاستئناف سابقا

وتحدث الشيخ عبد القادر العماري مؤكدًا ما ذكره د. محمد شبير قائلا: إن هذا الموضوع وقع تناوله قبل 16 سنة، بحضور الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- الذي أكد أن القرآن لم يذكر أن دية المرأة على النصف من دية الرجل وآية النساء 92 عامة، ولا توجد آية تخصص هذا العموم ولا حديث صريح صحيح. بل يؤكد هذا المفهوم ما جاء في حديث عمرو بن حزم (في النفس المؤمنة مائة من الإبل) والنفس تطلق على الذكر والأنثى.

هل يمكن القول: إن الرجل والمرأة غير متكافئين في الجروح والديات، اعتمادا على قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (البقرة:178) وهل يمكن القول: إن الله سبحانه لم يقل الأنثى بالذكر وإنما قال الأنثى بالأنثى؟

أجاب د. ثقيل الشمري: بعض الناس يقولون بعدم مكافأة الرجل للمرأة في الديات والجروح اعتمادا على “آية البقرة: 178″، وقد قال بهذه الاستنتاجات بعض الفقهاء! والحقيقة أن هذا ليس له سند صحيح. وبالجملة ليس في القرآن آية صريحة تدل على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل. ولكن يبقى هنالك أدلة أخرى!. وعلق د. ثقيل على ما يقول به البعض من القياس على الشهادة أو القصاص: بأن النفس لا تطمئن إليه، وهو اجتهاد يُحترم أصحابه، لكنه لا يرى فيه حجة شرعية قاطعة.

في معرض الحديث عن آية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (البقرة:178) قال الشيخ صالح المهندي: ليس فيها دليل ـ على تنصيف الديةـ ولكن الدليل موجود في آية أخرى وهي قوله تعالى: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (آل عمران:36)

وتساءل الشيخ صالح: في أي صفة ليس الذكر كالأنثى. في الشكل أم في الآدمية؟ أم ماذا؟ إذًا هنالك فوارق! وهذه الفوارق هي التي وقف عندها الفقهاء وقفة عميقة استمرت عدة قرون! لذلك نرى المذاهب الأربعة تقول إن دية المرأة نصف دية الرجل، والأمة قد شهدت لهؤلاء الأئمة وتلامذتهم بالعلم والفضل، ومعلوم أن هؤلاء قد درسوا جميع الأدلة وانتهوا إلى أن دية المرأة على النصف من دية الرجل. فهل نترك هذا الإجماع لقول ابن علية والأصم؟

لكن الدكتور محمد شبير قال: إن آية آل عمران (36) تشير إلى أن المرأة نذرت ما في بطنها محررا، أي خادما لبيت الله تبارك وتعالى، ولكن لما وضعتها أنثى قالت: (وليس الذكر كالأنثى) الآية فالذكر يمكنه أن يسافر وأن يبيت وحده في بيت الله، لكن بخلاف الأنثى؛ فإنه يُخاف عليها في أن تنفرد وحدها في مكان العبادة، فمن هذا الجانب ليس الذكر كالأنثى وليس في بقية الأمور كالنفس وغيرها…

وتساءل الشيخ محمد العماري: من المستفيد من تنصيف دية المرأة؟ مجيبًا بأن المستفيد الوحيد هو شركات التأمين.

أما السيد سالم المريخي فقد ذكر أن الإسلام ساوى بين الرجل والمرأة إلا في بعض الأحكام ولكن في موضوع الدية ومن خلال سماعي للمشايخ لا شك أن الموضوع محل اجتهاد!

السنة النبوية وتنصيف دية المرأة

الشيخ يوسف القرضاوي

ثم انتقل النقاش للمصدر الثاني في التشريع ومدى وجود نص صحيح صريح يفيد بتنصيف الدية. فقال الدكتور ثقيل الشمري: استدل الفقهاء على تنصيف الدية بأحاديث كثيرة، وهنالك أحاديث ورد فيها النص على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل. ولكن هذه الأحاديث محل دراسة ومناقشة من حيث ثبوتها وحجيتها، والفقهاء احتجوا بهذه الأحاديث، إلا أن الذين ينتقدون هذه الأحاديث من أصحاب الاختصاص وأهل العلم بالحديث ودراسة الأسانيد يقولون إن هذه الأحاديث ضعيفة!! فهذه الأحاديث المروية في مصنف عبد الرزاق، والبيهقي، وابن أبي شيبة، ووردت في بعض كتب الآثار: يجب أن تكون محل دراسة ومناقشة؛ لأنها هي الدليل الصريح في التنصيف. ثم تساءل الشمري: هل هذا الدليل الصريح صحيح؟.

لكن د. يوسف القرضاوي قال: إن موضوع الدية لم يبتدعه الإسلام وكان موضوعا من موضوعات الجاهلية العربية، وهو من المواضيع التي أقرها الإسلام، ثم أضاف: عندنا في تراثنا الفقهي دائرتان لكل منها حكمها:

الدائرة الأولى: دائرة مغلقة لا يدخلها الاجتهاد ولا التجديد وهي دائرة القطعيات، أي الأشياء التي ثبتت بمحكم القرآن ومتواتر السنة. وهذه الدائرة محدودة جدا ولكنها مهمة جدا لأنها هي التي تحفظ على الأمة وحدتها العقلية والوجدانية والسلوكية.

الدائرة الثانية: وهي الدائرة التي يدخلها الاجتهاد والتجديد وتتغير فيها الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف، وهي دائرة الأحكام الظنية التي أخذ فيها الحكم من نصوص ظنية الثبوت أو ظنية الدلالة أو ظنيتهما. وهذه الدائرة يدخل فيها معظم أحكام الشريعة وهذا من فضل الله ورحمته.

وتساءل الشيخ القرضاوي: في أي الدائرتين نضع حكم هذه القضية ـ دية المرأة ـ؟ ثم أجاب: لا شك أننا جميعا متفقون على أنها في الدائرة الثانية ولذلك ليس هناك مانع من أن نعيد النظر ونجدد الاجتهاد في هذا الموضوع من خلال النظر في مصادر التشريع ومصادر الأدلة. في القرآن والسنة والإجماع وفي القياس وننظر في المصلحة ثم ننظر قي هذه الأدلة هل تعطينا أن دية المرأة على النصف من دية الرجل؟

ثم استدرك الشيخ قائلا: لقد بحثنا في القرآن الكريم وليس فيه إلا هذه الآية من سورة النساء {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (النساء: 92) وليس فيها تمييز بين الرجل والمرأة ففي الآية (من قتل مؤمنا)، العلماء يقولون: هذه نكرة في سياق الشرط والنكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي تعم، ولذلك تعتبر من ألفاظ العموم. فكلمة (مؤمن) تشمل الذكر والأنثى، وبهذا فلا توجد في القرآن أي آية تدل على تنصيف دية المرأة بالنسبة لدية الرجل.

وأكّد الشيخ أنه تتبع السنة النبوية عله يجد حديثا يصلح للاحتجاج به في تنصيف الدية فلم يجد! وإننا لا نجد حديثا واحدا في الكتب الستة! ولقد مضى القرن الرابع الهجري وفيه الحافظ الكبير الدارقطني والحاكم صاحب المستدرك ولم يأتيا بحديث يدل على تنصيف دية المرأة، ثم جاء الحافظ الكبير الإمام البيهقي (متوفى سنة 458هـ) وجاء بحديث عن معاذ بن جبل “قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ”. والبيهقي نفسه علّق على هذا الحديث بأنه لا يثبت مثله… ومعلوم أن الحديث الضعيف لا يحتج به في الأحكام.

وردّ الشيخ يوسف القرضاوي استدلال الشيخ صالح المهندي بـ (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) (آل عمران:36) مستدلا بآية أخرى تدل على أن المرأة من الرجل والرجل من المرأة فهي تكمله وهو يكملها قال تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) (آل عمران:195) والحديث الشريف “إنما النساء شقائق الرجال” فهذه محكمات لا يجوز تركها إلى غيرها.

وعلّق الشيخ على السؤال بخصوص حديث عمرو بن شعيب: أن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ، حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا” أن هذا الحديث رواه إسماعيل بن عيّاش وحديثه منكر وكثير الخطأ.

وتساءل الشيخ يوسف: هل الحجة هي كلام المذاهب الأربعة أو المذاهب الثمانية أو مذهب جمهور الفقهاء التي تقول بتنصيف الدية؟ أم الحجة في القرآن والسنة والإجماع؟ وقال: ما دام لا يوجد إجماع فاتفاق جمهور الفقهاء ليس بحجة.

لكن الشيخ صالح المهندي عقّب بالقول: أن العمدة في هذا الباب هو حديث عمرو بن حزم: “دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ” قال عنه ابن عبد البر: “هو كتاب مشهور عند أهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه”. ثم تساءل قائلا: لماذا أصبح لهذا الحديث هذا الوزن؟ وأجاب ناقلا قول الصنعاني: قال الشافعي لم ينقلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أضاف أن الحديث صححه الحاكم والبيهقي وابن حبان!.

وعقّب الدكتور محمد شبير بالقول: لو سلمنا جدلا أن حديث عمرو بن حزم صحيح فهل يستطيع الشيخ صالح المهندي أن يثبت أن عبارة ـ أن دية المرأة على النصف من دية الرجل ـ موجودة في هذه الصحيفة؟. ابن حجر العسقلاني يقول: هذه الجملة ليست موجودة في حديث عمرو بن حزم الطويل وإنما أخرجها البيهقي!

وقال الشيخ يوسف القرضاوي: إن الكثيرين استدلوا بحديث عمرو بن حزم على أن دية المرأة مثل دية الرجل، فالذين خالفوا الجمهور وقالوا بأنها مساوية لدية الرجل: مثل الإمام ابن عليّة والإمام أبو بكر الأصم كانت حجتهم حديث عمرو بن حزم “في النفس مائة من الإبل” والنفس تشمل الرجل والمرأة.

وأضاف: هنالك عدد من الأحاديث ذكرت أن الدية هي: مائة من الإبل ومن العلماء من رد حديث عمرو بن حزم لأنه مروي عن نسخة (مكتوبة) قد يكون أحد أضاف إليها شيئًا؛ إذ هو ليس مرويًّا مشافهة.

تنصيف الدية في أقوال الصحابة

وفي تعليقه على الشيخ ثقيل الشمري قال الشيخ القرضاوي: إنه بعد البحث والدراسة لم يجد أحاديث مرفوعة في هذه المسألة إلا حديثين: حديث معاذ بن جبل: “دية المرأة على النصف من دية الرجل” رواه البيهقي من طريق عبادة بن نسي قال: وفيه ضعف وحديث عمرو بن شعيب وهذا فيه كلام.

ولا يوجد عن الصحابة أقوال متفقة في هذه القضية؛ فهم اختلفوا فيما بينهم، أي أنهم لم يجمعوا على قول في هذه المسألة. وقد قال إن دية المرأة مثل دية الرجل عالمان كبيران هما: الإمام بن علية (منسوب إلى أمه) والإمام أبو بكر الأصم وهو من شيوخ المعتزلة. فالحمد لله أن المسألة ليس فيها إجماع.

لكن الشيخ صالح المهندي أصر على تنصيف الدية بالنسبة للمرأة مستدلا بأن المذاهب الأربعة شهدت لها الأمة، وبذلك لا يمكن أن نقول إن هؤلاء الأئمة وتلامذتهم منحازون ضد المرأة!.

لكن الشيخ القرضاوي عقّب قائلاً: هل تقول إن أقوال المذاهب الأربعة معصومة وتؤخذ على أنها حجة؟!. مؤكدًا أن هذه المذاهب مدارس اجتهادية ولا مانع من أن يعاد النظر في بعض المسائل.

الشيخ صالح المهندي لفت إلى أنه يجب أن ينظر إلى هذه المسألة من زاوية أخرى؛ وهي أن الأعباء المالية في النظام المالي الإسلامي ملقاة على الرجل بنسبة 90% من هذه الأعباء؛ فالرجل هو الذي يشترك مع العاقلة في دفع الدية في حين تعفى منها المرأة، والرجل هو الذي يدفع المهر، والرجل هو المكلف بالنفقة، ولا يمكن أن يرد على هذا بأن هنالك رجالاً لا يقومون بدورهم!.

الدية تقاس على القصاص لا على الإرث والشهادة

لكن الشيخ القرضاوي قال: إن البعض قاس موضوع الدية على موضوع الإرث وموضوع الشهادة، وهو قياس غير صحيح! فحتى في الإرث ليس دائمًا ترث المرأة نصف ما يرث الرجل: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (النساء:11)

وللدكتور صلاح سلطان كتاب ذكر فيه 18 صورة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل وهنالك صور تأخذ فيها المرأة أكثر من الرجل!

وهذا مبني على الأعباء المالية؛ لأن الشرع جعل معظم الأعباء المالية على الرجل، فليست الأعباء متساوية. وقياس الدية على الإرث ليس قياسا صحيحا، وكذلك قياسها على الشهادة؛ لأن الشهادة جاءت في مقام الاستيثاق في القضايا المدنية والتجارية. فالرجل أقدر على أداء الشهادة من المرأة؛ إذ المرأة عليها قيود وعوائق قد تمنعها من أداء الشهادة.

والأولى أن تقاس الدية على القصاص فإذا قتل الرجل امرأة اقتص منه بالإجماع فلا يمكن أن يقول أحد إن المرأة أقل منه فلا يقتص منه! ولأن الدية والقصاص في باب واحد ـ التشريع الجنائي ـ والقصاص عقوبة والدية عقوبة.

هل في تنصيف الدية مصلحة؟

وحول ما يراه البعض من الاستدلال بالمصلحة على تنصيف الدية؛ إذ قالوا: إن الرجل يفوت بفقده ما لا يفوت بفقد المرأة فهو العائل وهو الذي يتولى النفقة. قال الشيخ يوسف: إن الشرع لم يعتبر هذا؛ فالشريعة تجعل دية الطفل الصغير مثل دية أبيه الكبير، وتجعل دية الأمي مثل دية العالم!

فالاعتبار للآدمية فقط. وتساءل الشيخ أن لو كانت المرأة هي التي تعول الأسرة فهل نقول في هذه الحالة تأخذ الدية كاملة؟

نحن نريد أن نتفق مع وجهة الإسلام العامة الذي يكرم المرأة إنسانا ويكرمها أنثى، ويكرمها بنتا ويكرمها زوجة وأمًّا وعضوا في المجتمع، ثم أضاف أن هذا ما يتفق مع اتجاهات العصر ولمّح إلى ما يشيعه أعداء الأمة؛ بأن المسلمين يضطهدون المرأة ويجعلونها في مرتبة دونية، ودعا قطر إلى أن تسبق غيرها من الدول لتقرر أن دية المرأة مثل دية الرجل سواء بسواء.

وأوضح الشيخ القرضاوي أن ممن ذهب إلى التسوية بين الرجل والمرأة في الدية الفخر الرازي فقد ذكر أدلة ابن علية والأصم ولم يعلق عليها وهذا يدل على أنه يؤيد هذا الرأي. ومن المعاصرين الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار، والشيخ محمود شلتوت في كتابه “الإسلام عقيدة وشريعة” والشيخ محمد أبو زهرة في كتابه “الجريمة والعقوبة في الشريعة الإسلامية”، والشيخ محمد الغزالي في كتابيه: “السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث”، و”تراثنا بيت العقل والشرع”.

أوجه التفاضل بين الرجل والمرأة

الشيخ صالح المهندي علّق بالقول: الإسلام دين العدالة وليس دين المساواة! فالمرأة يمكن أن تكون أفضل من الرجل علميًّا فالله سبحانه قال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} (المجادلة: من الآية 11) فيمكن للمرأة أن ترتفع بالعلم عن الرجل درجات… ولكن في آيات أخرى هنالك نص صريح على تفضيل الرجل على المرأة! وهو قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} (النساء:34) وفي الآية الثانية (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(البقرة: من الآية 228).

وعلّق الشيخ القرضاوي بالقول: القرآن قال: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} الآية ولم يقل القرآن: الرجال قوامون على النساء بما فضلهم الله على النساء. وإنما قال: بما فضل الله بعضهم على بعض ـ أي فضّل المرأة في جانب وفضّل الرجل في جانب، فضل المرأة في جانب العواطف فهي مصدر للحنان والرأفة وذلك لتتحمل متاعب الأمومة. لكن الرجل من الناحية العقلية والتبصر بالعواقب أفضل من المرأة فلأجل هذا أعطاه القوامة.

ومن ناحية أخرى وبما أنفقوا من أموالهم: فالرجل هو الذي يتعب وينفق ويغرم في تأسيس الأسرة، فلو هدم هذه الأسرة فستنهدم على رأسه؛ أما المرأة فلم تغرم شيئا من أجل هذا كانت القوامة بيده. وساق الشيخ يوسف رأي الإمام الطبري في تفسيره لـ {وللرجال عليهن درجة} قال: إن الرجل عليه أعباء وواجبات أكثر بحكم رجولته.

الدية.. تعويض وعقوبة

الدكتور محمد شبير رأى أن اتجاه الفقهاء إلى تنصيف دية المرأة مرده إلى نظرتهم إلى موضوع الدية من جانب واحد وهو أن الدية تعويض لأهل المقتول، فإذا نظرنا إلى هذا الجانب فقط يمكن القول بالتنصيف! ولكن الدية عقوبة أيضا. والدية تجمع بين الأمرين بين العقوبة وبين التعويض، ولا ينبغي بحال إهمال كون الديّة عقوبة. فالقاتل اعتدى على نفس واستخف بالحياة الإنسانية…

ثم نقل قول القرافي: “الجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين…”.

اقرأ أيضا: