د. شامل زكريا**
فؤاد سزكين في وسط مجموعته النادرة من أجهزة الفلك العربية القديمة

هذا الطريق لم يكن محددا له من البداية. فقد كان يريد أن يدرس في مدينته بالجامعة التكنولوجية. لكن أحد أقربائه أخذه إلى المستشرق الألماني الشهير “هِلموت رِتَر” الذي كان يدرس في إستانبول منذ سنة 1926. فمشى فؤاد سزكين -الذي أصبح فيما بعد رئيساً لمعهد تاريخ العلوم العربية- متأثرا في طريق رِتَر الذي ليس وحده من يسميه “أكبر مستعرب على الإطلاق”.

ولد سزكين في إستانبول بتركيا سنة 1924، ودرس في تركيا من 1943 إلى 1951 التاريخ العربي والإسلامي، وعملا بنصيحة “هِلموت رِتَر” درس سزكين أيضاً الرياضيات. كما تعلم اللغة العربية جيدا إلى حد أنه أصبح من الفصل الدراسي السابع يتحدث بها مع أستاذته.

أصبح سزكين أستاذاً في جامعة إستانبول عام 1954، وكان هذا العالِم التركي الأصل يهتم منذ وقت مبكر بمسألة نشر التاريخ الحقيقي للعلوم العربية وتأثيرها على بلاد الغرب. وفى عام 1961 كان عالمنا الشاب قد اختار ألمانيا موطناً جديداً له. وهنا بدأ بمنتهى الحزم والتصميم العمل على تحقيق حلمه في جمع وإعادة نشر تاريخ العلوم العربية. في بادئ الأمر كتب بجامعة فرانكفورت عمله الأول للحصول على لقب بروفسور في فرع علمي نادر هو تاريخ العلوم الطبيعية. وسرعان ما أدرك أن جامعة فرانكفورت -رغم اهتمامها الكبير بعلم الاستشراق- لا يمكن أن تقدم الأموال اللازمة لتنفيذ خططه الطموحة.

وبعد ذلك بسنتين أصدر سزكين أول مجلد من مجلدات “تاريخ التراث العربي” التي وصل عددها إلى 12 مجلداً حتى الآن. في هذه المجلدات يسجل سزكين المخطوطات العربية المهمة، ويعلق عليها من منطلق تاريخ الفكر. وتشمل مجالات تمتد من العلوم الأدبية إلى الطب ومن الكيمياء إلى الجغرافيا، وتعد تلك المجلدات أساسا لفهم أفضل الإنجازات العربية.

وفي عام 1978 كان أول شخص يحصل على جائزة الملك فيصل للعلوم الإسلامية من المملكة العربية السعودية، وتلا ذلك عام 1979 حصوله على ميدالية جوته من مدينة فرانكفورت.

وهكذا قام فؤاد سزكين -الذي كان قد صار في هذه الأثناء باحثاً ذا مكانة مرموقة- بالسعي لدى جميع الدول العربية إلى تطبيق فكرته الداعية إلى تأسيس معهد دولي متخصص بتاريخ العلوم العربية والإسلامية يكون بمثابة جمعية مستقلة وحيادية سياسيًّا تهدف بالدرجة الأولى إلى تصحيح الأخطاء السابقة الشائعة حول العرب والمسلمين، ويصبح مركزاً للبحث العلمي الموضوعي وميداناً للنشر والترجمة.

وكان النجاح مفاجئاً: أربعة عشر بلداً عربيًّا، والعديد من المنظمات والأصدقاء والمشجعين من العالم الإسلامي تبرعوا على الفور بثلث الأموال المقترحة كرأسمال أولي للجمعية. وتبرعت دولة الكويت وحدها بثمن المبنى المناسب قرب الجامعة وتوسيعه وتجديده بالشكل الذي يلبي متطلبات المعهد.

وفي عام 1982 تم تأسيس “معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية” في إطار جامعة فرانكفورت. ومنح الرئيس الألماني بروفسور فؤاد سزكين وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى في نفس العام، وحتى الآن لا يزال سزكين -حتى بعد تقاعده- يدير المعهد فخريًّا.

إعادة كتابة التاريخ

طالب الشاعر والفيلسوف الألماني الكبير يوهان فولفجانج جوته بضرورة “إعادة كتابة التاريخ بين الحين والآخر”، إلا أن هذا لن يكون ممكناً عن طريق الاستناد إلى الموضوعية فقط، بل يتطلب مقدرات خاصة وإجراء تحريات على نطاق دولي، وهذا أمر يحتاج إلى رصد أموال طائلة لأغراض البحث والتحقيق. ثم إنه يحتاج إلى مبادرات شخصية مقرونة بقدرات تنظيمية وبإرادة حديدية لا تقتصر على البدء بالعمل فحسب بل وتنجزه كاملاً. غير أن تيسّر التقاء كل هذه المقوّمات مجتمعة هو أمر نادر. ومع هذا فإن هذه المصادفة تراها ماثلة أمام العين في “معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية”.

يقول “فؤاد سزكين”: “إن المسلمين قد بدءوا في القرن الأول من دخولهم ساحة التاريخ العالمي بنقل المعارف المتوفرة لدى أبناء الثقافات الأخرى التي كانت في هذه الأثناء قد خضعت لسيطرتهم. وما لبثت أن تبعت الاتصالات الشخصية -التي أجراها رجال العلم- عملية واسعة النطاق لترجمة الكتب من اللغات اليونانية والفارسية إلى اللغة العربية. ومما يستحق الإعجاب في هذا الصدد أن تبني الأفكار والإنجازات الغربية قد تم دون تحفظات دينية. وبعد مرحلة الجمع والاطلاع التي استغرقت نحو 200 عام، وتمكن العلماء العرب خلالها من دراسة المعارف العلمية التي كانت موجودة في العالم آنذاك، بدأت مرحلة الإبداع والتأليف في صفوف العلماء العرب. وفي هذه المرحلة وصلوا في كل حقل من حقول العلم إلى مستوى أعلى، ودفعوا الفروع العلمية نحو مزيد من التخصص، ووضعوا كثيراً من المصطلحات العلمية الجديدة.

وأخيراً فإن العالم مدين لأولئك الباحثين العرب القدامى باعتماد التجربة كوسيلة للبحث العلمي تطبق بصورة منهجية”.

غير أن العلماء الأوربيين أخذوا في مطلع العصور الحديثة هذه الإنجازات العظيمة التي حققتها الحضارة العربية والإسلامية ونسبوها -غالباً- إلى أنفسهم. ولذلك فإن دعوة جوته إلى “إعادة كتابة تاريخ العالم بين الحين والآخر” كان لها لدى فؤاد سزكين وقع ذو أهمية خاصة. ولقد حقق خلال الأعوام الماضية بالتعاون مع العاملين معه في معهد فرانكفورت إنجازات مدهشة.

فقد تم جمع مؤلفات المستشرقين الأوربيين المهمين في القرن الماضي ونشر جزء منها من جديد. وهو يبتغي من إعادة نشر أكبر عدد ممكن من المراجع القيمة استكمال هذا الكنز العلمي الموجود في فرانكفورت ووضعه تحت تصرف الأجيال القادمة من العلماء والباحثين.

خريطة للعالم مدهشة فى دقتها تعود إلى عهد الخليفة المأمون فى القرن التاسع الميلادي بالشكل المجسّم الجديد

كما أثبت فؤاد سزكين أن خرائط العالم والخرائط الجزئية الأوربية حتى بداية القرن الثامن عشر الميلادي ترجع إلى أصول عربية. ففي عهد الخليفة المأمون في بداية القرن التاسع الميلادي قام -على سبيل المثال- نحو 70 جغرافيًّا برحلة استغرقت عدة سنوات جالوا خلالها في السفن وعلى ظهور الخيول والفيلة مختلف أرجاء أفريقيا وأوربا وآسيا، وأسفرت هذه الرحلة العلمية عن وضع خريطة للعالم تعتبر -بالنسبة إلى ذاك الزمان- ذات دقة عالية تثير الدهشة، يعرضها معهد فرانكفورت بعد أن حولها بطريقة فنية بارعة إلى مجسم على شكل كرة أرضية.

صنع آلات العرب

بروفسور سزكين هو أول من أعاد صنع الآلات العربية القديمة، وكان هو نفسه من عثر على كثير منها في المخطوطات القديمة. غير أن المخطوطات القديمة بها نقص، حيث إنها غالباً ما تصف الآلات فقط دون أن ترسمها. وفي سنه 1983 تم التغلب على هذا العائق وصنعت الآلة الأولى على أساس المخطوطات القديمة. وتبعها بعد ذلك العديد والعديد من الآلات، ولا يقتصر صنع الآلات على العمل داخل ورشة المعهد، بل تصنع للمعهد آلات في القاهرة وإستانبول وسويسرا وأسبانيا.

يدافع سزكين بشدة عن مبدأ وحدة العلوم، ويعتبرها تراث البشرية العلمي الذي ينمو على دفعات متواصلة. وهو يرى مهمته في أن يبين مساهمة العرب في تاريخ العلوم العام. يبين ذلك للمسلمين أنفسهم فيعطي المسلمين بذلك ثقة بالنفس، ويبينه كذلك للغربيين فيدركون أن ازدهار العالم الحديث يرجع الفضل فيه -إلى حد كبير- للإنجازات العلمية للبيئة الثقافية العربية الإسلامية.

يبحث سزكين في تاريخ العلوم العربية والإسلامية منذ نصف قرن من الزمان، يريد بها إيقاظ المسلمين من سباتهم بوصف الدواء الناجع لهم ولمجتمعاتهم الذي يسميه “ترياق الحياة” وهو معرفة مساهمة العلوم العربية والإسلامية في تاريخ العلوم العالمي. ذلك في رأيه أهم ما يمكن أن يعطى لهم لتحريرهم من عقدة النقص وإعطائهم دفعة تحركهم لتقليص الفجوة بينهم وبين الغرب.

تابع في نفس الموضوع:

المصادر:

** مصري مقيم في ميونيخ بألمانيا. دكتوراة في علم الفيزياء. مجال التخصص: شبكات الاتصالات الضوئية. ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة [email protected]