حمدي عبد العزيز شهاب**   06/10/2005

يشكل شهر رمضان فرصة للإصلاح الذاتي؛ فالمقصد الأساسي من الصوم هو التقوى التي تعني استشعار رقابة الله على الإنسان في جميع التصرفات والحركات، وهي تمثل مدخلا لتغيير العلاقات الاجتماعية نحو الأفضل؛ فهو مضمار سباق في الأعمال الاجتماعية. يقول الحسن البصري: “إن الله جعل رمضان مضمارا لخلقه، يتسابقون فيه بطاعته إلى مرضاته؛ فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من الضاحك اللاعب في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر المبطلون”.

وبالتالي فإن الصيام، والقيام، وقراءة القرآن الكريم في شهر رمضان، ليس غاية في حد ذاته وإنما غايته التغيير النفسي المطلوب لتحقيق سنة التغيير الكونية كما في قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [الرعد: 11] فهذه السنة الإلهية تقضي بأن التغيير الاجتماعي مرتبط بتغيير الأنفس جذريا من التردد إلى الإيمان الجازم ومن هزيمة الأنفس إلى عزيمتها وإرادتها.

وإذا كنا نتحدث عن برنامج دعوي للموظف في شهر رمضان فلا بد قبل ذلك من وضع أهداف لمعالجة المشكلات القائمة لدى هذه الفئة المجتمعية وترفع في الوقت نفسه من مستوياتهم الإيمانية والعملية، وذلك قبل البحث عن الوسائل والأنشطة المناسبة لذلك البرنامج.

ومن أهم هذه الأهداف:

 

أولا؛ الإصلاح النفسي: والذي يأخذ عدة مظاهر، مثل التخلي عن العادات السلبية والسيئة وتربية الإرادة وتعلم اتخاذ القرار، وصوم رمضان يعود النفس على اتخاذ القرار فكلما جددت النية في الصيام وقررت الإمساك وقت الإمساك والفطر وقت الفطر تعودت على اتخاذ القرارات بسرعة وباستمرارية.

 

ثانيا؛ تغيير الواقع المعيش: والصوم يساهم في ذلك من خلال تنمية خلق المراقبة لله فهو يستطيع أن يأكل ويشرب لكنه لا يفعل طاعة لله وإذا صحت المراقبة يصلح بصلاحها المجتمع لأن ذلك ينعكس على أخلاق الفرد وسلوكه وتعاملاته.

أقبل على العمل

تعد العصبية، والكسل، والخمول، وانعدام الرغبة في العمل والسهر طوال الليل والشراهة في الأكل من المظاهر السلبية التي اعتادها بعض الناس في رمضان، ويقول علماء النفس إن الفكرة التي يفكر بها الإنسان يقوم العقل بتنفيذها في الحال خصوصا المخيخ الذي يتخصص بمهمة استيعاب ما يقال له وتنفيذ الأوامر فتتغير فسيولوجية الشخص وحين يفكر الشخص بأنه سيكون نشيطا أثناء رمضان فسيكون كذلك لكنه لو فكر أنه سيكون مرهقا متعبا وسينعدم لديه التركيز بسبب عدم تناول الشاي والسهر أو.. أو.. فهذا ما سيحصل.

وقد ظل رمضان قرونا عديدة بعد مهد الرسالة موسما لجهاد النفس وإصلاح أوضاع المجتمع تأكيدا لحقيقة أن مشقة الصوم لا تقعد الصائم عن ممارسة أشق الأعمال وإنما تدفعه إلى الاستزادة منها.

لا تقعد مع اللاهين

تظهر في مجالس الموظفين النميمة والغيبة والتفاخر ويكثر فيها الكذب والسب واللعن ونقل الأمور لولاة الأمر دون حاجة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذلك فقال: “من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة” وقال: “ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء” وقال: “إن أبغضكم إلي وأبعدكم منى مجلسا الثرثارون المتفيهقون” (المتشدقون في الكلام).

وشهر رمضان فرصة لاستغلال الطاقة فيما يعود على المرء بالنفع في الدنيا والآخرة من خلال حفظ اللسان إلا في كلام ظهرت فيه المصلحة وخلصت فيه النية والجلوس مع الصالحين، قال زين العابدين: “إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه”. وكان من وصايا السلف الصالح انتقاء الصحبة، قال الحسن: “إن لك من خليلك نصيبا وإن لك نصيبا من ذكر من أحببت فانتقوا الإخوان والأصحاب والمجالس”.

نظم أوقاتك

يتعلم المسلمون من مواعيد الصلوات والسحور والإفطار احترام الوقت والنظام وإذا أخذوا بهذا الدرس وعاشوا به في حياتهم ومعاملاتهم فاقوا أمما كثيرة ينبهرون عندما يرون احترامهم للوقت وتقديسهم للنظام. ونظرا لأن الموظف يقضى ساعات طويلة من اليوم في عمله فلا بد أن ينظم أوقاته من أجل الاستفادة من اليوم في عمل الطاعات بما لا يؤثر على عمله بطريقة سلبية.

خطة يومية مختصرة

ومن أجل تحقيق هذا الهدف ينبغي عمل خطة للأعمال اليومية ومن المتصور أن تكون عناصرها كالتالي:

– صلاة الفجر ثم الجلوس في المسجد لقراءة القرآن الكريم، وأذكار الصباح، حتى تطلع الشمس.

– بعد ذلك صلاة ركعتين أو ما شاء الله؛ للفوز بأجر (حجة وعمرة تامة) كما في الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه.

– بعد ذلك ينام إلى وقت العمل، ثم يذهب إلى عمله، ولا ينسى مراقبة الله تعالى، وذكره في جميع أوقاته.

– أن يحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة، والذي ينتهي دوامه أو يكون لديه متسع يمكن أن ينام بعد الظهر، فمن الأفضل أن يفعل ذلك ليرتاح وليستعين به على قيام الليل، فيكون نومه عبادة.

– بعد صلاة العصر يقرأ أذكار المساء، وما تيسر من القرآن الكريم، وبعد المغرب وقت للإفطار والراحة، وبعد ذلك يصلي العشاء والتراويح.

– بعد صلاة التراويح يقضي حوائجه الضرورية لحياته اليومية المنوطة به لمدة ساعتين تقريبا، ثم ينام إلى أن يحين وقت السحور، فيقوم، ويذكر الله ويتوضأ ويصلي ما كتب له، ثم يشغل نفسه قبل السحور وبعده بذكر الله والدعاء والاستغفار والتوبة إلى أن يحين وقت صلاة الفجر في اليوم التالي.

(فمن تطوع خيرا فهو خير له)

ويعني مفهوم التطوع: الزيادة في العمل من غير إلزام، كالتنفل في الصلاة أو الصوم مثل قوله تعالى: (فمن تطوع خيرا فهو خير له)، ويعرف بأنه الجهد الذي يبذله الإنسان بلا مقابل لمجتمعه، أو هو التبرع بالجهد والمال أو الوقت أو بالاثنين معا، للقيام بعمل أو أنشطة لخدمة المجتمع ليس مطالبا بها الفرد أو مسئولا عنها ابتداء، بدافع غير مادي، فلا يأمل المتطوع الحصول على مردود مادي من وراء تطوعه.

ويعد التطوع أصلا من الأصول التي تميز بها المسلمون حيث يجعل القرآن والسنة أساس العلاقة بين أفراد المجتمع هو البذل والتعاون والتضحية والتطوع لخدمتهم ونصرتهم والدفاع عنهم وهناك أهمية للعمل الدعوى التطوعي في أماكن العمل من جهات حكومية وشركات ومؤسسات نظرا لوجود شريحة كبرى من أفراد المجتمع تعمل في الشركات والمؤسسات والجهات الحكومية وهو فرصة عظيمة لدعوتهم وقضاء حاجاتهم فلا بد من استغلالها على أفضل حال.

استثمر فرص الخير

يحدث صوم رمضان تغييرات كونية ونفسية تساعد على العمل الصالح وهنا يمكن لأي عامل أو موظف أن يسعى إلى إصلاح ذات البين في مكان عمله ومواجهة أي معوقات تؤثر سلبا على العمل.

روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب الجحيم وصفدت الشياطين”. ويتوافق مع هذه التغييرات الكونية تغييرات في المعاملات بين أفراد المجتمع، فيقول الرازي: “إن الصوم يورث التقوى لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش ويهون لذات الدنيا ورياستها؛ وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج فمن أكثر منه هان عليه أمر هذين وخفت عليه مئونتهما فكان رادعا له عن ارتكاب المحارم والفواحش ومهونا عليه أمر الرياسة في الدنيا وذلك جامع لأسباب التقوى”.

كن قدوة

الإخلاص في العمل والقدوة الحسنة هما دعوة بحد ذاتهما إلى الله تعالى خاصة إذا كانت من مسلم ملتزم بدينه، فهو بذلك يمثّل تعاليم دينه ويدعو إليها بطريقة غير مباشرة، لأن من خالف عمله قوله فإن الناس يزهدون في نصحه وتعليمه (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون).

وكانت القدوة الوسيلة هي الفعالة لتربية الأمة الإسلامية فلم ينزل القرآن الكريم مرة واحدة وإنما نزل منجما على قلب بشر ترجمه واقعا يراه الناس فكان صلى الله عليه وسلم أعلى درجات القدوة يقول تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا).

سلاح الكلمة

تروي بعض الأساطير أن الشمس والرياح تراهنتا على إجبار رجل على خلع معطفه؛ وبدأت الرياح في محاولة كسب الرهان بالعواصف والهواء الشديد والرجل يزداد تمسكا بمعطفه وإصرارا على ثباته وبقائه حتى حل اليأس بالرياح فكفت عنه، وجاء دور الشمس فتقدمت وبزغت وبرزت للرجل بضوئها وحرارتها فما أن شاهدها حتى خلع معطفه مختارا راضيا.

إن الإكراه والمضايقة توجب المقاومة وتورث النزاع بينما الإقناع والمحاورة يبقيان على الود والألفة ويقودان للتغيير بسهولة ويسر ورضا.

وعليه فإن إلقاء الموعظة في مكان العمل هو سلاح الدعوة الأول ويشترط لها اختيار الوقت المناسب كعقب الصلوات مثلا فضلا عن اختيار القضية المناسبة التي تتصل بواقع الزملاء ومجتمعهم وهذا يحتاج إلى التفاني في الدعوة، وقوة إيمان وذكاء مثلما كان سيدنا يوسف عليه السلام الذي استغل فرصة سؤال صديقيه في السجن عن تعبير الرؤيا، فدعاهم إلى الإله الواحد (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار).

وسائل دعوية أخرى

وإضافة إلى الموعظة والكلمة توجد بعض الوسائل الدعوية الأخرى مثل:

* توزيع الأشرطة والمطويات: الشريط يحوي خلاصة فكر وأسلوب المتحدث مدعما بأدلة الشرع من الكتاب والسنة، وقد نفع الله تعالى به الكثيرين، أما المطويات فهي تقدم المعلومة المطلوب إيصالها بلا كثير عناء، سهلة العبارة مع اختصار يعين من لا يقدر على مطالعة (الكتب المنفوخة) الضخمة.

 

* مكتبة رمضانية صغيرة: يمكن وضع حاملات للكتيبات في مقر العمل خاصة في المكان الذي يتواجد فيه مجموعة من العاملين أو المخصص للانتظار مع متابعة توفر الكتيبات في الحاملات بصفة مستمرة، وتوفير ما تحتاجه وزيادتها بالجديد المؤثر باستمرار.

* مسابقات رمضانية: يومية أو على مدار الشهر مع التجديد في أسلوب عرضها ومضمونها ورصد الجوائز لها.

* صندوق للفتاوى: يوضع عند الرجال والنساء خاصة في هذا الشهر ، ثم جمعها والحصول على إجابات لها من الأقسام الشرعية بالمواقع خصوصا أن لدى الناس كثيرا من الأسئلة -خاصة في رمضان- يحتاجون إليها في أمور دينهم لكنهم لا يجدون من يسألون فيتهاونون ويتكاسلون في ذلك، ومثل هذه الصناديق لا شك أنها ستكون معينا وميسرا لهم معرفة كثير من المسائل والاستفسارات.

 

* الأمانة في العمل: من خلال الإخلاص في العمل المكلف به الموظف والإبداع فيه -على اعتبار أنه من أعمق وسائل دعوة الزملاء. وقضاء حوائج الناس والتيسير عليهم من أجل نيل البركة من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به).

النية أساس القبول

وقبل كل ذلك ومعه وبعده جدد نيتك دائما في كل عمل تقوم به منذ السحور وحتى النوم، بداية بالاستعداد لصلاة الفجر مرورا بصلاتك وعملك وقراءتك للقرآن ومساعدتك لأهلك وأولادك، إذ إن جميع الأعمال تتكيف بالنية، وتكون بحسبها فتقوى وتضعف، وتصح وتفسد تبعا لها.


** باحث وداعية مصري.