عبد الحافظ الصاوي**

بعد مضي أكثر من 30 عاما على تجربة البنوك الإسلامية في مصر، أصبح من المهم فحص دوافع وثقافة المتعاملين مع هذه البنوك، حتى نستطيع تقييم المسيرة المصرفية الإسلامية وتطويرها إلى آفاق أرحب؛ ففهم نظرة المودع للبنك تساعد هذا الأخير على تلبية تطلعاته وطموحاته من التعامل.

وهناك 3 شرائح من المتعاملين مع البنوك الإسلامية يأتي على رأسها من تحركهم دوافع دينية محضة، ويعتقدون بحرمة التعامل مع البنوك التقليدية أو الربوية، ويودعون أموالهم بالبنوك الإسلامية بغض النظر عن العائد (انظر فتوى: إيداع الأموال لدى البنوك الربوية).

أما الشريحة الثانية وفقا لتقرير الحالة الدينية في مصر فهم المودعون الذين يعتقدون أن الإيداع في البنوك الإسلامية هو الأصح من وجهة النظر الدينية، وهم يودعون أموالهم بهذه البنوك ما دامت تقدم عائدا قريبا من معدلات الفائدة التي تقدمها البنوك الربوية، ولكنهم غير مستعدين لقبول عوائد أقل من معدلات الفائدة بالبنوك التقليدية.

الشريحة الثالثة يحركها العائد على أموالها وهم يتحركون بمرونة شديدة بين البنوك الإسلامية والتقليدية بما يحقق لهم عائدا أكبر على إيداعاتهم. بيد أن تقرير الحالة الدينية يذهب إلى إقرار حقيقة مهمة، وهي أنه رغم انخفاض العائد بالبنوك الإسلامية عن البنوك التقليدية خلال سنوات التسعينيات في مصر، فإن المستوى العام للودائع بالبنوك الإسلامية كان أعلى منه في البنوك التقليدية، وهو ما يؤكد أن الوازع الديني وليس نسبة العائد هو الدافع الأساسي للإيداع في البنوك الإسلامية.

فقد بلغ العائد الموزع في بنك فيصل 8.13% و8.17% في عامي 1995 و1996، بينما وصل متوسط نسبة الفائدة إلى 10.1% و10% في البنوك التقليدية، وبالرغم من ذلك حققت البنوك الإسلامية نموا في حجم الودائع وصل إلى 13.9% في عام 1995، بينما لم تحقق البنوك التقليدية إلا 12.4%(1).

ويتفق مع ذلك أيضا، الدكتور محمد عبد الحليم عمر مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي، والذي يشير إلى أن الدارسات العملية بينت أن ما بين 86% و96% من المتعاملين مع المؤسسـات المالية الإسلامية دافعهم إلى التعامل معها إسـلاميتها(2).

ووفقا لبيانات رسمية، فيوجد بمصر 4 بنوك إسلامية هي: المصرف الإسلامي، وبنك ناصر، وبنك التمويل المصري السعودي، وفيصل. ووصل حجم الودائع بهذه البنوك الأربعة في عام 2004 إلى 23.5 مليار جنيه، وهي تشكل 5% من إجمالي الودائع المصرفية في البلاد. إلى جانب ذلك، فيوجد 70 فرعًا تمارس الأنشطة المصرفية الإسلامية تتبع 13 بنكًا تجاريًّا تقليديًّا في مصر، غير أنه لا يعرف حجم الودائع بهذه الفروع.

ثقافة الحلال والحرام

ارتباط المودعين بالبنوك الإسلامية حتى لو تراجع عائدها يفسره الدكتور فياض عبد المنعم أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر بما يسميه ثقافة الحلال والحرام التي تصاحب المتعاملين مع هذه البنوك في مصر.

ويقول: إنه بالنظر إلى الجوانب العقائدية والأخلاقية باعتبارها جزءا مهما من المكون الثقافي للمتعاملين مع البنوك الإسلامية، فإننا نجد أن ما يزيد عن 50% من المتعاملين مع هذه البنوك هم من يرون حرمة التعامل مع البنوك التقليدية لاعتبارها بنوكا ربوية.

فثقافة هؤلاء هي بالدرجة الأولى ثقافة الحلال والحرام -كما يقول الدكتور فياض- بغض النظر عن تقويم أداء هذه البنوك من حيث أدائها المصرفي أو الاقتصادي، فهذه الشريحة لن تنصرف للبنوك التقليدية مهما كانت نتيجة التعامل مع البنوك الإسلامية.

ومما زاد من شريحة من نصنفهم في طائفة “ثقافة الحلال والحرام” وجود جزء كبير من الطبقة المتوسطة في مصر أتيحت لهم فرصة السفر لبلدان الخليج والبلدان العربية لتكوين مدخراتهم، وهذه البلدان بطبيعتها تغلب عليها الثقافة الإسلامية، وقد زاد هؤلاء من زخم المتعاملين مع البنوك الإسلامية.

كما أن ثقافة هؤلاء تجعلهم يرسمون صورة معينة لموظفي هذه البنوك من الالتزام بالسلوك الإسلامي كعدم التدخين وأداء الصلوات ووجود خدمة بنكية متميزة، وقيام هذا البنوك بالمساهمة في الأعمال الخيرية واستثمار أموالهم في المشروعات التي لا تتنافى مع قواعد الشريعة الإسلامية.

أما الشريحة الثانية من المتعاملين مع البنوك الإسلامية التي ترغب في الجمع بين العائد والوازع الديني، فيفسر الدكتور فياض سلوكهم بالقول إن لهم حسابات أخرى، فجانب معيار الحلال والحرام في تكونهم الثقافي لا يمكن إهماله، إلا أن تكلفة التمويل هي أيضا محل اعتبار بالنسبة لهم، فجزء منهم لن ينصرف إلى التعامل مع البنوك التقليدية تخوفا من شبهة الربا.

وحسب فياض فإن هناك جزءا آخر -من المتعاملين- قد يأخذ حزمة الخدمات المقدمة في الاعتبار عند تعامله مع البنوك الإسلامية، فقد تكون تكلفة التعامل مرتفعة مقارنة بالبنوك التقليدية، ولكن الخدمات الأخرى التي يحصل عليها مثل تكلفة فتح الاعتمادات أو إصدار خطابات الضمان أو غيرهما قد توجد نوعا من التوازن فيما يخص البنوك الإسلامية.

البعض لا يجد فرقا

وفي مقابل هذه النوعية الغالبة من المتعاملين مع البنوك الإسلامية، فإن البعض الآخر لا يجد فرقا بين البنوك الإسلامية والتقليدية، وهو ما يقوله عيد صالح، موظف مصري يتعامل مع بنك إسلامي. ويضيف أن العائد متقارب أو يكاد يكون متطابقا تماما في البنكين، بالإضافة إلى أن تكلفة الخدمات بالبنوك الإسلامية عالية.

كما أن غياب الخدمات ببعض البنوك الإسلامية في مصر يجعل البعض من المتعاملين يلجئون إلى البنوك التقليدية، فيقول خالد العشري -الذي يعمل مديرًا لأحد المصانع بمدينة السادس من أكتوبر- إنه يتعامل مع البنوك الإسلامية منذ خمس عشرة سنة، ولكنه يشكو من قلة الخدمات المقدمة من هذه البنوك؛ فعلى سبيل المثال لا يوجد فرع للبنوك الإسلامية في مدينة 6 أكتوبر؛ وهو ما يضطره للنزول لوسط البلد للتعامل مع بنكه الإسلامي، وقد جعله هذا الأمر يلجأ لفتح حساب جارٍ بأحد البنوك التقليدية.

ويشكو العشري أيضا من غياب خدمة الدفع الإلكتروني (الفيزا كارد) فهو كثير السفر للخارج، ويحتاج هذه الخدمة بشكل ملح ولم يلجأ لهذه الخدمة إلا أحد البنوك الإسلامية منذ عام تقريبا فقط. لكن اللافت عند سؤاله عن أسباب التعامل مع البنوك الإسلامية أجاب أن والده كان رجلا متدينا، ويعتقد أنه طالما أعلن البنك أنه إسلامي، فمن الأفضل أن نتعامل معه، وإن كانت هناك شبهات فالقائمون على أمر هذه البنوك يتحملونها لأننا وثقنا في اللافتة المرفوعة من قبل هذه البنوك.

بشكل عام، فإن البعد الشرعي يكاد يكون هو المكون الرئيسي لثقافة المتعاملين مع البنوك الإسلامية، وبمناقشة بعضهم عما يثار من وجود بعض الشبهات الشرعية لهذه البنوك، ردد البعض المثل الشعبي المصري “حطها في رقبة عالم واطلع منها سالم”، أو كما يقول الخليجيون “اجعل بينك وبين النار مُطَوِّعًا”.

ويعتمد هؤلاء في رأيهم على اعتبار وجود هيئات الرقابة الشرعية بهذه البنوك، لمراقبة مدى شرعية معاملاتها؛ فهذه الهيئات هي المسئولة أمام الله وليسوا هم، وأن المودعين أخلصوا ما بينهم وبين الله بوضع أموالهم بهذه البنوك، وهم ليسوا مسئولين عن إداراتها.

اقرأ أيضا:

**باحث اقتصادي

(1) تقرير الحالة الدينية في مصر، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في الأهرام، 1998.

(2) ورقة عمل قدمها الدكتور/ محمد عبد الحليم للمركز بعنوان “المؤسسات المالية الإسلامية… نموذج معاصر على نجاح بيئة الأعمال من منظور إسلامي”، مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي.