ثانياً – مواقف المرجعيتين: الإسلامية والوضعية:

من خلال فحص المقابلة بين موقفي الشريعة والقانون الوضعي يمكن القطع بأنهما ليسا طرفي نقيض في هذه العلاقة. لكن هذا لا يمنع من قيام خلاف واضح بينهما، وهو ما استدعى تناول هذه العلاقة عبر المحورين التاليين:

أ – الضرورة المبيحة للإجازة:

نقطة أخرى يثيرها الجدل حول هذا الموضوع، وهي موقف الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي من إجازة نقل الأعضاء. والحقيقة في ظني، أن هذه المسألة ليست مما يختلف فيها موقف الشريعة الإسلامية عن موقف القوانين الوضعية. فإن نقل عضو من جسم شخص آدمي إلى جسم شخص آخر لا يوجد إلا حال الضرورة – أو الاحتياج الشديد – والفقه الإسلامي لا تختلف الآراء فيه حول أن الضروريات تبيح المحظورات، وما حُرِّم على الإنسان أكله أو شربه أو تعاطيه بأية صورة يصح أن يتناوله وأن يتعاطاه في حالة الضرورة، كالخمر أو لحم الخنزير أو غير ذلك، والعبادات لا تُؤدى أو تؤدى قضاء حال عدم القدرة على أدائها في وقتها، والمدين المعسر يؤجل دينه إلى ميسرة… هكذا.

وكل الاختلاف يرد في تقدير حد الضرورة المبيحة لفعل المحظور، فالضرورة هي توقي الهلاك، والبعض يزيد حالة الضرورة فيحسب من الضرورات لا توقي الهلاك فقط ولكن توقي الخوف من الهلاك، بمعنى أن يكفي هنا المعيار الذاتي، بأن يكون الإنسان في وضع يتصور فيه أنه مشرف على الهلاك ولم يكن كذلك فعلاً، والمشقة كما يقال تجلب التيسير. ولا وجه للتفصيل في موضوع الضرورة ووجوب أن تقدر بقدرها، فإن مجال الحديث عن نقل الأعضاء لا يختلف بشأن جدية دواعيه وبسلامة المقصد فيه، ولا يختلف أيضًا في أنه أمر تدرك حالة الضرورة وحدودها بشأنه، بواسطة خبرة فنية متخصصة لها تقديرها واحترامها والثقة بأمانتها في العموم.

والأمر كذلك في القانون الوضعي، فإن جرح جسم شخص آدمي محظور معاقب عليه في القانون الوضعي، إلا أن يكون ذلك بحقه وفي إطار ما تأذن به الخبرة الطبية المتخصصة في حال الضرورة الملجئة، والضرورة في القانون الوضعي شأنها في ذلك شأنها في الشريعة الإسلامية، تبيح المحظور ومفهوم الدفاع الشرعي في قانون العقوبات هو مثل فذ على فكرة الضرورة، فإن من قتل نفسًا وثبت أنه فعل ذلك ردًا على عدوان يهدد حياته أو دفاعًا عن خطر وشيك محدق به أو بغيره فلا عقاب عليه، بل إن الحكومات ذاتها بما لها من قوة وجبروت يمكنها أن تتصرف بالمخالفة للقوانين السارية في حالات الخطر المهدد لأمن الجماعة أو أمن النظام. والأمثلة هنا أو في الشريعة الإسلامية لا يلحقها الحصر.

ومن وجهة أخرى، فقد سبقت الإشارة إلى أن عقدة الموضوع في نقل الأعضاء بين الآدميين لا ترد في مسألة جواز النقل عند الضرورة، فهذه عقدة سهلة لا تحتاج إلى مزيد بيان، ولكن عقدة الموضوع الحقيقية هي في نزع العضو المراد نقله، على أن يكون صالحًا للاستزراع في جسم المنقول إليه، وأن يكون النزع بعد موت المنقول منه، عقدة الموضوع هي كيف يمكن نزع العضو بعد الموت مع بقاء صلاحيته، أي بعبارة أصح: كيف يمكن نزع العضو النابض بعد موت صاحبه؟ وهل هناك تناقض بين أن يكون العضو نابضًا وأن يكون صاحبه ميتًا؟.

ولا تختلف الشريعة الإسلامية عن القانون الوضعي في تصدي كل منهما لهذه المسألة، فالموت واحد في المجالين وشواهده واحدة بين بني البشر أجمعين، مسلمين كانوا أو من ذوي الأديان السماوية الأخرى أو من ذوي الأديان غير السماوية أو من الوثنيين والملاحدة، وما يعتبر قتلا لجسم آدمي حي هو ذاته بين الناس كلهم أياً كانت معتقداتهم وثقافاتهم وأنماطهم الحضارية. والقانون الوضعي شأنه شأن الشريعة الإسلامية في منعه قتل الإنسان وفي تجريمه لهذا الفعل، ووسائل الإثبات واحدة وطرائقه متشابهة.

ولذلك فنحن يتعين أن نخرج هذه المسألة مسألة نقل الأعضاء – من مجال الخلاف – بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، والحاصل أنه من بين من يتكلمون في فقه الشريعة الإسلامية من أيَّد نقل الأعضاء غير ذات المثيل، ومنهم من عارضها، والأمر ذاته يحدث بين فريقين من رجال القانون الوضعي تفرقا كذلك بين مؤيد ومعارض، واختلاف المرجعية هنا لا يؤثر في تفريع الحكم مجيزًا أو مانعًا.

ولا يصح أن تحمل مسألة نقل الأعضاء أعباء خلافات أيديولوجية وعقيدية تجري سنين طويلة بين أهل كل من المرجعية الإسلامية والوضعية العلمانية. ومن الخطأ الشديد في تناول هذا الموضوع أن يقتصر الحديث في أمر إجازته أو منعه على حجج ترد من المرجعية الإسلامية وحدها؛ لأن ذلك يوحي على خلاف الحقيقة، بأن الموقف الوضعي كله مؤيد لموقف دون موقف في هذه المسألة. وهذا غير صحيح والإيحاء به فيه نوع من التدليس.

وكذلك الأمر بالنسبة لما يشار من أن موجبات التقدم والحضارة والتمشي مع تطورات العلم، إنما تسمح بالتمكن من نقل الأعضاء غير ذات المثيل وهي نابضة. وذلك إفساحًا لإمكان إجراء هذه الجراحات في بلدنا بما يفيده ذلك من إسباغ وصف التقدم والتحضر عليها.

أقول لا يصح استخدام هذه الحجة؛ لأن الأمر مردود في التقدم والتحضر لا إلى استخدام التكنولوجيا وممارسة المهارات المستجدة، ليس مردودًا لذلك بقدر ما هو مردود إلى الموقف الإنساني واحترام آدمية الآدمي وتقدير عصمة جسمه وحرمة أعضائه والدفاع عن حياته حتى تتفلت وحدها رغم الجهود المبذولة، أي ما عبر عنه الطبيب الفرنسي بموقف المحامي الذي يدافع عنه المريض.

مما سبق ذكره، وما لم يبق مستقرًا في أعماق وعينا هذا المعنى عن التحضر والتقدم، فسنجد أنفسنا منخرطين في موقف أشبه بموقف النازيين في ألمانيا الهتلرية في الثلاثينيات من القرن العشرين، عندما كان التقدم على أيديهم محض تكنولوجيا وحسابات دقيقة، وأسفر الأمر من موت عشرات الملايين قبل الحرب العالمية وأثنائها.

لذلك لا يصح في هذه المسألة أن نحملها أيضًا أوزار خلافات تتعلق بمفاهيم التقدم والتخلف أو المعاصرة والحداثة والتحضر أو غير ذلك من هذه المفاهيم الكلية بالغة العموم؛ لأنها مفاهيم تصلح في عمومها لأكثر من موقف في المسألة المعروضة، وذلك إذا عدلنا بالنظر من شخص المنقول إليه إلى شخص المنقول منه، ولأنها يمكن أن تتستر بها في عمومها أفعال غير إنسانية.

ب – الجدوى الاقتصادية للإجازة وما يردها:

في سنة 1992 بعث الدكتور “نبيل البلقيني” عميد معهد الأورام القومي بجامعة القاهرة بمصر كتابًا إلى فضيلة الإمام الأكبر الشيخ “جاد الحق علي جاد الحق” شيخ الجامع الأزهر وقتها، طلب فيه التفضل ببحث تعريف الموت، خصوصًا أن المخ هو العضو المهيمن على الجسم كله بجميع أعضائه ولم يحدث أن تُوفي مخ مريض واستعاد حياته، ثم أوضح سيادته وجهة نظره بأن القانون المصري يعرف الوفاة بأنها توقف القلب عن النبض، وأن القلب يمكن أن يتوقف ويستبدله الأطباء بقلب صناعي، ثم بقلب آخر من مريض توفي مخه. ثم ذكر أن تعريف الوفاة بأنها توقف المخ يساعد على إجراء عمليات زراعة الأعضاء من كبد وكلى وقلب.

ثم استطر بأن الحكومة المصرية ترسل المرضى للخارج لزراعة الكبد لعدم استطاعة الأطباء المصريين إجراء هذه الجراحة؛ لأن القانون يحتم توقف القلب تماما قبل اعتبار المريض متوفى، ثم زاد استطرادًا بقوله إن حالة زراعة كبد بالخارج تكلف الحكومة المصرية نصف مليون دولار، بينما لا يتوقع زيادة التكلفة إذا أجريت الجراحة في مصر عن 80 ألف جنيه مصري.

وهنا الطلب واضح ودواعي إعادة التعريف للموت واضحة، بل إنها مقدرة بالمال النقدي وهو الفرق بين مليون وسبعمائة ألف جنيه (نصف مليون دولار) وبين ثمانين ألف جنيه بما يجاوز الواحد والعشرين ضعفًا، يدخل فيها نفقات السفر والإقامة، ويدخل فيها أن الكبد البشري المصري أرخص كثيرًا من الكبد البشري الأجنبي، وأجر الطبيب المصري أقل كثيرًا من مثيله الأجنبي.

وكما أن المثل يقول: إن التاجر إذا تأزم عاد إلى دفاتره القديمة، فنحن جميعًا كثيرًا ما نلجأ إلى هذا الأسلوب، ولو أثيرت معضلة لا نستبين لها حلا في الواقع، نعود إلى المفاهيم نعدل من دلالتها ونفض بالقول اشتباكات لم نستطع أن نفضها في الواقع؛ ولذلك كلنا نلجأ في ذلك إلى ذوي التخصص الكلامي أي المتخصصين في تحديد المفاهيم، سواء رجال الفتيا والقانون، أو رجال المحاسبة الذين يدرجون الأرقام في هذا البند أو ذلك من بنود الميزانية لتحويل الخسارة إلى ربح، أو رجال العلوم النظرية في الاقتصاد والسياسة وغيرهم.

ورجال الواقع يتصورن أن فض الاشتباكات بإعادة تعريف المفاهيم هو أمر قليل الكلفة، إنه لا يتكلف أكثر من عشرات من الكلمات أو بضعة أسطر مصفوفة، ويكون المشكل قد انتهى، وإن عبئًا كبيرًا من ذلك يقع على رجال الفقه والقانون؛ لأن تخصصهم يتعلق ببيان الجائز والممنوع والحلال والحرام، وإن الزحزحة الكلامية الخفية لها تأثير حاسم في هذا المجال، والأمر في النهاية يتعلق بالوصف الذي نطلقه على فعل أو على شيء أو على علاقة، والأوصاف التي نطلقها على فعل أو على شيء أو على علاقة، والأوصاف تحتمل الاختلاف والتعديل.

والحقيقة أنه لا يوجد قانون في مصر يعرف الموت بأنه توقف القلب، ولم يوجد بعد قانون يتضمن تعريفًا لهذا الحدث، إنما الأمر فيه مرجعه إلى أن كان هذا التعريف هو التعريف السائد لدى الأطباء، ولا يزال لدى الكثيرين منهم، وهو ذاته ما يشيع لدى الناس في مراقبتهم لهذا الأمر وتعاملهم معه، وإن المطلوب ليس تعديلا لقانون قائم إنما هو استحداث قانون يعرف الموت بغير مألوف ما جرى به الطب، وما عليه معارف الناس وخبراتهم.

والحقيقة أيضًا أنه إن كان طلب الرأي في المسألة قد أوضح وجود النفع وانخفاض الكلفة التي تترتب على زحزحة مفهوم الموت ليصدق على ذوي القلب النابض والكبد الفاعل، فإن هذه وجوه النفع المالية التي ساقها طلب الفتوى قد تهدر حالة الضرورة، وهي الأساس الشرعي الوحيد لإجازة النقل نزعًا وزرعًا سواء في الشريعة الإسلامية أو في القانون الوضعي، فإن انخفاض التكلفة على الحكومة ليس مما يتفق على كونه يوفر حالة الضرورة، ثم ما هي الضرورة التي تجيز نزع عضو بشري لا إحياء لشخص آخر، ولكن توفيرًا لبعض المال.

وعرض هذا الطلب على مجمع البحوث الإسلامية وأصدر فتواه في يونية سنة 1992 مؤكدًا بها فتوى سبق أن أصدرها فضيلة الشيخ جاد الحق على جاد الحق عندما كان مفتيًا للجمهورية في ديسمبر سنة 1979، وزاد عليها بحوثًا ودراسات أعدها بنفسه -رحمة الله عليه- ولم يعتبر توقف جذع لمخ دليلا على الوفاة إذا لم تصحبه الدلائل المشار إليها فيما سبق، وذكرت الفتوى أن نزع عضو من الجسم حال الاحتضار هو قتل لصاحبه.

طالع بقية محاور الدراسة:

اقرأ أيضًا: