إعداد: أحمد تمام

قامت دولة السلاجقة في إيران والعراق في القرن الخامس الهجري على يد طغرل بك، وأعادت للخلافة بعض هيبتها المفقودة، وأرجعت لها جزءًا من نفوذها الغابر، وكان السلاجقة يرون في الخلافة السّنّية رمزًا دينيًا يعبر عن وحدة المسلمين، فأحاطوها بمظاهر التقدير والتكريم.

وبعد وفاة طغرل بك في (سنة 455 هـ= 1063م) تولى ألب أرسلان ابن أخيه حكم السلاجقة، وكان قبل أن يتولى السلطنة يحكم خراسان وما وراء النهر، ويعاونه وزيره أبو علي حسن بن علي بن إسحاق الطوسي، المشهور بنظام الملك.

بداية ظهور الوزير

لا تذكر المصادر التاريخية كثيرًا عن الحياة الأولى للوزير النابه ونشأته، وليس هناك شك في أنه تلقى تعليمًا طيبًا، حيث حفظ القرآن الكريم، وتعلم العربية، وألم بالفقه والحديث، ودرس الآداب التي تتعلق بأمور السلطنة، وإلى جانب ذلك تحلى بالفطنة والذكاء والحكمة والعقل، والقدرة على تصريف الأمور، والكياسة وحسن السياسة، وكلها مؤهلات لازمة لمن يتطلع إلى الاتصال بالسلاطين، وتولي المناصب العليا.

اتصل نظام الملك بداود بن ميكال بن سلجوق أخي السلطان طغرل بك، وكان يحكم خراسان، فلما عمل معه أُعجب داود بكفاءته وإخلاصه، وألحقه بحاشية ابنه ألب أرسلان، وقال له: “اتخذه والدًا، ولا تخالفه فيما يشير به”.

تولي الوزارة

ولما توفي طغرل بك أجلس وزيره “عميد الملك الكندري” على عرش السلطنة سليمان بن داود ابن أخي السلطان، وولي عهده، وكان طفلا صغيرًا لا يتجاوز أربعة أعوام، ولم يرض الناس بذلك فالتفوا حول ألب أرسلان، وكان قائدًا شابًا وسياسيًا بارعًا، توفرت فيه صفات القيادة وتولي جسام الأمور، فنجح في دخول “الري” عاصمة الدولة ومعه وزيره نظام الملك وذلك في (ذي الحجة 455 هـ= ديسمبر 1063م) واستقبله الكندري وهنأه على السلطنة، وهذا الوزير كان حكيما عاقلا، يتمتع بنفاذ البصيرة في الأمور، وبعد النظر، وحسن السياسة، مع رسوخ القدم في العلم والأدب، وكان من أسباب اتساع الدولة وازدهارها.

وعقب تولي ألب أرسلان السلطنة أقر “الكندري” على الوزارة وحاول الكندري من جانبه أن يكسب رضا السلطان؛ أملا في الاحتفاظ بالوزارة ، لكن ذلك لم يدم طويلا، فسرعان ما تغير عليه السلطان وأوجس منه خيفة، وكان لنظام الملك يد في هذا التغير والتحريض على عزلة من الوزارة، فأقدم السلطان على خلعه في (المحرم 456 هـ= يناير 1064م) وسجنه، ثم لم يلبث أن قتله بعد نحو عام.

وبعد عزل الكندري تولى نظام الملك الوزارة، ولم يكن وزيرًا لامعًا ومدبرًا للأمور فحسب، بل كان راعيًا للعلم والأدب، يحفل مجلسه بالعلماء والفقهاء والأدباء.

وظل نظام الملك يعمل مع ألب أرسلان تسعة أعوام ونصف عام وزيرًا ومساعدًا له، ازدهرت الدولة في أثنائها، وتوطدت دعائمها، وارتفع شأنها، واتسعت حدودها، وتوجت جهودها بالانتصار على الروم البيزنطيين في معركة ملاذكرد الخالدة في (463هـ= 1070م).

وبعد هذه المعركة لم يعش ألب أرسلان طويلا ليجني ثمار نصره، ويواصل فتوحاته؛ حيث توفي في (10 من ربيع الأول 465هـ= أواخر نوفمبر 1072م) وقد سبق أن تناولنا ترجمة ألب أرسلان في (10 من ربيع الأول) وعرضنا لجهوده.

نظام الملك وملكشاه

ظهرت قوة الوزير نظام الملك واتساع نفوذه بعد وفاة ألب أرسلان، فوقف إلى جوار ابنه الأكبر ملكشاه، وكان الصراع قد دب بين أفراد البيت السلجوقي، لكن ملكشاه كان أرجحهم كفة، وأقواهم نفوذًا، فضلا عن مؤازرة الوزير نظام الملك وتأييده له، فتولى السلطنة، وأسند الوزارة إلى نظام الملك حتى تستقر الأوضاع في الدولة.

كان السلطان الجديد في سن العشرين عندما تولى الحكم، في حين كان الوزير نظام الملك في الخامسة والخمسين من عمره، عالمًا ناضجًا، صهرته التجارب والأيام، وخبر الحكام والسلاطين، وهو ما جعل السلطان الجديد يجلّه ويحترمه، ويخاطبه بكل تبجيل ويناديه بالعم، ويلقي إليه بمقاليد الأمور، ويضع فيه ثقته، قائلاً له: “قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك، فأنت الوالد”.

وأدت هذه العلاقة الوثيقة بين السلطان ووزيره النابه إلى ازدهار الدولة وبلوغها ذروة المجد فاتسعت حدودها حتى شمل سلطانها بلاد الشام وجزءًا كبيرًا من بلاد الروم، ومدت نفوذها إلى كرمان ومنطقة آسيا الصغرى، فأصبحت دولة مترامية الأطراف تمتد من حدود الهند والصين شرقًا إلى البحر المتوسط غربًا، ومن البحر الأسود شمالا إلى الخليج جنوبًا، وصارت أكبر قوة في العالم آنذاك.

المدارس النظامية

بلغت الوزارة أعلى درجاتها في الفترة التي تولاها نظام الملك في الدولة السلجوقية؛ فقد كان نافذ الكلمة في كل الأمور، يسيطر على الجيش والولاة، وكان عالمًا أريبًا له كتاب عظيم في سياسة الملك، اسمه: “سياست نامه” أي كتاب السياسة، ضمنه أفضل النظم لحكم الولايات التي تتكون فيها الدولة، وتصريف الأمور، وسجل فيه أصول الحكم التي تؤدي إلى استقرار البلاد، وقد تُرجم هذا الكتاب إلى العربية.

وأسدى الوزير للحضارة الإسلامية ما خلّد ذكره، وفاق كل أعماله في دنيا الحكم والسياسة، بإنشائه عددًا من المدارس في أنحاء الدولة نسبت إليه، فسميت بـ”المدارس النظامية”، وهي تعد أول نوع من المؤسسات العلمية والمدارس التعليمية النظامية ظهر في تاريخ الإسلام، وقد هيأ لطلابها أسباب العيش والتعليم. وقد خصصت المدارس النظامية لتعليم الفقه والحديث، وكان الطلاب يتناولون فيها الطعام، وتجري على كثير منهم رواتب شهرية.

ومن أهم المدارس التي أنشأها نظام الملك: المدرسة النظامية ببغداد التي بُدئ في بنائها سنة (457هـ= 1065م)، وبلغ من اهتمام الخليفة العباسي بها أنه كان يعين الأساتذة فيها بنفسه، وكان يدرّس فيها الفقه والحديث، وما يتصل بهما من علوم، وقد درّس فيها مشاهير الفكر والثقافة مثل حجة الإسلام أبي حامد الغزالي صاحب إحياء علوم الدين، في الوقت الذي كان يدرّس في نظامية نيسابور إمام الحرمين “أبو المعالي الجويني”.

وقد أسهمت هذه المدارس التي انتشرت في بغداد وأصفهان ونيسابور ومرو في تثبيت قواعد المذهب السني والدفاع عنه ضد مختلف البدع والمذاهب المنحرفة التي انتشرت في ذلك الوقت. وقد بلغ ما ينفقه نظام الملك في كل سنة على أصحاب المدارس والفقهاء والعلماء ثلاثمائة ألف دينار، فلما راجعه ملكشاه في هذا الأمر؛ قال له الوزير العالم: “قد أعطاك الله تعالى وأعطاني بك ما لم يعطه أحدًا من خلقه، أفلا نعوضه عن ذلك في حملة دينه وحَفَظة كتابه ثلاثمائة ألف دينار”.

نهاية نظام الملك

كان نظام الملك بعد ما كبرت سنه يستعين بأبنائه وأقاربه في إدارة أقاليم الدولة، وكان لهؤلاء نفوذ كبير في الدولة؛ استمدادًا من نفوذ نظام الملك نفسه، وكان بعضهم يسيء استخدام السلطة ويستغل نفوذه في مآربه الخاصة، وهو ما أعطى الفرصة لحسّاد نظام الملك أن يفسدوا العلاقة بينه وبين السلطان ملكشاه، ونجحت مساعيهم في ذلك، حتى همّ السلطان بعزله، لكنه لم يجرؤ على تنفيذ هذا الأمر، فبعث إليه برسالة تحمل تهديده ووعيده، فما كان من نظام الملك إلا أن قال لمن حملوا له رسالة السلطان: “قولوا للسلطان: إن كنت ما علمت أني شريكك في الملك فاعلم، فإنك ما نلت هذا الأمر إلا بتدبيري ورأيي، أما يذكر حينما قُتل أبوه، فقمت بتدبير أمره وقمعت الخوارج عليه من أهله وغيرهم…”.

ثم لم يلبث أن قُتل الوزير نظام الملك في أصبهان في (10 من رمضان 485 هـ= 14 من أكتوبر 1092م) على يد أحد غلمان فرقة الباطنية المنحرفة المعروفة بالحشاشين، حيث حين تقدم إليه وهو في ركب السلطان في صورة سائل أو زاهد، فلما اقترب منه أخرج سكينًا كان يخفيها وطعنه طعنات قاتلة، فسقط صريعًا.. وكان نظام الملك شديد الحرب على المذاهب الهدّامة وبخاصة مذهب الباطنية فأزادوا التخلص منه بالقتل.

وبعد وفاة نظام الملك بخمسة وثلاثين يومًا توفي السلطان ملكشاه، في (15 من شوال 485هـ= 18 من نوفمبر 1092م) فانطوت صفحة من أكثر صفحات التاريخ السلجوقي تألقًا وازدهارًا.

من مصادر الدراسة:

  • ابن الأثير: الكامل في التاريخ ـ دار صادر ـ بيروت ـ (1399هـ= 1979م).

  • عباس إقبال: تاريخ إيران بعد الإسلام ـ ترجمة محمد علاء الدين منصور ـ دار الثقافة للنشر والتوزيع ـ القاهرة ـ (1410هـ= 1990م).

  • عبد النعيم محمد حسنين: إيران والعراق في العصر السلجوقي ـ دار الكتاب المصري ـ القاهرة (1402هـ=1982م).

  • عصام عبد الرءوف الفقي: الدول الإسلامية المستقلة في الشرق ـ دار الفكر العربي ـ القاهرة ـ 1987م.