إشكاليات تعريف مفهوم الموت:

يقولون: إن الحرب أخطر من أن يقرر مصائرها العسكريون وحدهم، وأنا بوصفي من رجال القانون أستطيع أن أقول: إن الديمقراطية أخطر من أن يقرر مصائرها القانونيون وحدهم. وبالنظر إلى خطورة دلالة الحياة والموت نفحص فيها إشكاليات من له حق تحديد الوفاة، وتعريفات الموت، وما تثيره هذه التعريفات من إشكالات.

أ – من له حق التعريف

قد يتبادر إلى الذهن بداهة أحقية الطبيب في تحديد الوفاة. لكن الموت أوسع انتشارًا وأعم حدوثًا من أن ينحصر أمره في تخصص مهني ضيق. إن الموت حقيقة حياتية تحدث للبشر كافة وللحيوانات كلها وللنباتات أيضاً. وما من حي إلا هو ميت مآلا. وإن معرفة دلائل الموت أو شواهده يتعين أن تكون متاحة وميسورة بالإدراك العادي الذي يملكه الكافة في كل بيئة وفي كل صقع ومكان، وبين بني البشر كافة على اختلاف مستوياتهم التعليمية وأنواع خبراتهم وتعدد ثقافتهم واختلاف أجيالهم وأجناسهم، والاعتماد هنا على الشواهد الظاهرة والمنضبطة مما يسهل إدراكه ويقع تحت الحس، ومما لا يختلف عليه بين المشاهدين بحسبان أن المشاهدين هم عينة عشوائية من البشر الذين اتفق وجودهم بجوار الميت في هذا الظرف. وضمان صواب التقرير من حيث الواقعة وحدوثها إنما يرد من هذه المعرفة الجماعية المتوافرة في هذا الظرف. هذا هو ما يجري منذ وجدت الحياة، ومنذ وجد البشر المدركون لمعنى الحياة ومعنى الموت.

ومن وجهة ثانية، فإن الموت ليس واقعة طبية فقط، إنما هو على ما عبرت فتوى الجمعية العمومية للفتوى والتشريع بمجلس الدولة المصري – كمثال – حقيقة دينية فلسفية وواقعة قانونية وحالة اجتماعية.. فالدين يعتبره مفارقة الروح للجسد وبدء حساب الآخرة والانتظار للبعث، وحتى الملحد لا يعتبره خمود جسد فقط، ولكنه عنده انطفاء وهج، وتوقف حركة. وفي نظر القانون انتهاء شخصية كانت معتبرة، وضياع ذمة مالية، وانتهاء قدرة على التملك وعلى التعامل بيعًا وشراء، وكذلك هو خلو منصب وفراغ من عمل، وانقطاع القدرة على أداء تعهدات وانتهاء وإرادة وانتقال ملك، ونوزعه بالميراث على أفراد آخرين.

وهو من الناحية الاجتماعية توقف نوع نشاط وفراغ مجال وانقطاع علاقات وترمل أزواج وتيتم أبناء وفراق أصدقاء. وإن تشعب آثار الواقعة ومساسها بكل مناحي التعامل الإنساني والإدراك البشري والعلاقات والمعاملات، هو ما يصعب معه جدًا القول بأن الموت شأن طبي فقط ينحصر في فنون المهنة وتستبد هي بتعريفه. ولكي أوضح وجهة نظري أقول: إننا يجب أن نفرق بين أمور ثلاثة في هذا الشأن أولها: الموت وماهيته، أي التعريف، وثانيها: دلائله وشواهده أي طريق التثبت منه، وثالثها: تشخيص الموت.

فالتشخيص هو انطباع الوصف في حالة مخصوصة، وهو تبين لحوق الوصف بهذه الحالة. وهذا أمر مشمول بعلم الطبيب وفنه وبمهارته المهنية، كشأن تشخيصه لنوع مرض المريض وأسبابه وكيفية التعامل معه.

أما الدلائل والشواهد فهي الأمور الظاهرة والمنضبطة التي يدركها الكافة وتقع في مجال إدراكهم – الحسي والعقلي – وفقًا لمتوسط المعارف السائدة في البيئة المعنية، واتصاف الشواهد بهذا الظهور والانضباط وبأنها تقع في مجال إدراك الرجل العادي والمتوسط غير الخبير وغير المتخصص، إن اتصافها بذلك أمر لازم في مجال إدراك الموت؛ لخطورة الحدث وجسامة آثاره وتنوعها، ولخطورة أن يستبد بتقريره فرد محدد أو قلة متخصصة يسلم لها دون غيرها بتكشف هذا الأمر وتقريره. وللخبرة الطبية العلمية والفنية دورها المهم في تقدير هذه الدلائل، إنما هي محكومة في ظني ومشروطة بأن يختار الطب من الشواهد والدلائل ما يصلح أن يكون متاحًا معرفته للرجل العادي ذي الإدراك والخبرة والثقافة التي يملكها أواسط الناس ممن يوجدون في كل ظرف زمان وظرف مكان.

أما التعريف فهو معرفة ماهية الشيء وإدراك كنه الأمر. فمثلاً إذا نظرنا إلى المرض، فالمرض يشخص الطبيب نوعه ويوضح أسبابه ووسائل علاجه وهو يفيدنا في بيان ظواهره وآثاره على وجوه نشاط المريض وحركته، ولكن تبين حالة المرض في صدد التعرف على أثرها في علاقات الناس ومعاملاتهم وفي تأثيرها على قدرة الشخص على العمل المكسب للأجر، أو في تقدير مدى كونها مانعًا من زواج أو سببًا لطلاق، أو تقدير ما يسميه رجال القانون مرض الموت من حيث التأثير على تصرفات المريض أو تبين حد المرض الذي يمكن من تعين قيم على مريض معين أو حدد المرض الذي يبيح الإفطار في شهر الصيام، أو غير ذلك من الأمور، كل ذلك لا يستبد به الطبيب ولا ينحصر في التخصص الطبي، وإن خبرة الطب تشارك بالمشورة الفنية في تبين أوضاع المرض، ولكنها لا تحتكر تعريفه ولا تختص وحدها بتقدير وضعه المرتب لآثاره الاجتماعية كلها.

وإن التعريف بحالة الموت هو من هذا القبيل من باب أولى؛ لأنه له من الآثار والأوضاع ما يجاوز كثيرًا حالة المرض، والمشكل أمامنا في هذا الموضوع المطروح أن السادة الأطباء أو بعضهم يريد أن يعتبر الموت شأنًا طبيًا خالصا وما على القانون إلا أن ينفذ ما يقولون به بوصفه أداة لعملهم المشمول بتخصصهم وحدهم. والحقيقة أنهم وإن كانت مشورتهم لازمة لتعريف الموت فهم لا يستقلون بهذا التعريف، ولا يملكون التقرير فيه وحدهم.

ب – آثار التعريفين المحدث والكلاسيكي:

عندما أُثير أمر تعديل المفاهيم والتعريفات بدأ يظهر في الكتابات التي تناولت القضية التي بين أيدينا تعبير الموت التقليدي أو الكلاسيكي والموت بتوقف جذع المخ. والموت التقليدي هو ما يتفق عليه طبيًا وما تشيع معارف دلالته بين الناس، والموت بتوقف جذع المخ وهو ما لا يثبت إلا بجهاز كهربائي خاص وفي مستشفيات معتمدة وبواسطة أطباء ذوي تخصص فني دقيق، منها يظهر نوعان من الموت يختلفان من حيث الدلائل المثبتة لكل منهما ومن حيث مجال إعماله ومن حيث شهود إثباته، والسادة الأطباء ينظرون للأمر من زاوية التخصص المهني وحده، فلا يرون مشكلة في المسألة، ولكن النظر الاجتماعي يتوقع أن يثير مشاكل اجتماعية وقانونية لم تدرك بعد مداها، فإذا اختلف الموتان ولو لحظات فيما هي اللحظة التي يعول عليها في ترتيب الآثار الاجتماعية أو القانونية أو الجنائية.

إن الوقت هنا لا يقاس بطوله أو قصره، ولكنه يقاس بالأحداث التي تجري فيه، فإذا مات وارث أو مورث بين اللحظتين فبأيهما يعتبر في ترتيب أيلولة الأموال؟ وإذا كان المنزوع قلبه أو كبده مجنيًّا عليه في محاولة قتل، فهل يعتبر الجاني قاتلا له أم مجرد شارع في قتله؟ إذا قلنا إن هناك نوعين من الموت لكل آثاره نكون قد اعترفنا بأن أحد هذين النوعين – وهو النوع الحديث – ليس بالضبط هو الموت – الذي عرفته البشرية منذ وجدت الحياة، وإننا إنما سميناه كذلك لنسوغ سلوكًا ما كان يسوغ بطريق آخر، أما إذا قررنا بتساويها فسنترك الناس حيارى والنزعات متتابعة في ترتيب الآثار على هذه اللحظات، وهذا احتمال وارد وواقعي وما أكثر ما صادفنا من مشاكل تتعلق بتداخل أزمنة الأحداث وآثار ذلك وليست في موقف ضرب الأمثلة من أحكام المحاكم خشية الإطالة.

وإذا قلنا إن توقف جذع المخ هو وحده عليه المعول، نكون قد أغلقنا سبيل التعرف على واقعة من أخطر ما يواجه البشر والمجتمع من الوقائع ذات الآثار، نكون أغلقنا ذلك من دون المعرفة الجماعية العامة ووسائلها، ونكون قد حصرنا هذه المعرفة في عدد جد محدود ومتخصص، هو وحده الذي يملك تقرير هذه الحقيقة في المجتمع، ولا أدرى ماذا نصنع في الأماكن النائية كالقرى والنجوع والواحات وغير ذلك.

ومن ناحية أخرى، فإن القانون عندما يصدر معرفًا الموت بأنه توقف جذع المخ فإنه حتى لو اقتصر هذا التعريف على جراحات نقل الأعضاء فإن الأثر الثقافي للتعريف لا بد سينشر ويؤدي إلى دوائر تتسع وتتوالى بما لا تعرف حدًا للآثار التي تترتب عليه. فمثلا القانون المدني يعرف الأسرة بأنهم ذوو القربى، ولم يقصر تعريفه على درجة قرابة محددة، ومع ذلك فعندما بدأت قوانين الإصلاح الزراعي تصدر من الستينيات اختارت تعريفًا ضيقًا للأسرة بقصرها على الزوج والزوجة والأولاد القصر، وكان ذلك محدودًا في إطار تحديد ملكية الأراضي الزراعية، ومع ذلك صار التأثير الشفافي لهذا التعريف ذا شيوع وانتشار بحيث لم يكن ضبطه في مجال نظر محدود، وساهم هذا التعريف بتأثيره الثقافي العام على تعريف الأسرة في غير مجال ملكية الأراضي الزراعية، بما لم يكن مقصودًا بذات ولم يكن يجول بخاطر واضعي قانون الإصلاح الزراعي ومطبقيه، وساهم هذا التأثير الثقافي العام في المزيد من تفتت الأسر في مجالات شتى.

جـ – عناصر الالتباس في مفهوم الموت:

إن إشكالات الالتباس في هذا الأمر، وما يترتب عليها من مخاطر اجتماعية لا تقف عند عدد من هذه المعايير التي يعرف بها الموت، ولا تقف عند حدود نظام التخصص المنوط به التعرف على توقف جذع المخ، ولكنه يتعلق أيضًا بطريقة التعرف على هذا التوقف، فهذا لا يتم إلا بواسطة جهاز كهربي، وقد ورد في بيان المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية حول التعريف الطبي للموت، الصادر من ندوة عقدت بالكويت في 17-19 ديسمبر 1996، وحضرها لفيف من كبار الأطباء، وكبار رجال القانون، ورد بهذا البيان أن توقف جذع المخ يحتاج إلى وجود طبيب حكيم مختص وحاذق ذي خبرة في الفحص السريري الإكلينيكي لحالات موت الدماغ، وأن يكون المصاب تحت رعاية كاملة من قبل طبيب، وفي مركز متخصص وننصح بالاستشارة من متخصص وذي خبرة كلما تطلب الأمر ذلك.

وبعد أن ذكر البيان العلامات التي يعرف بها الموت وشروطه المسبقة وما يستلزمه تشخيص التوقف من ملامح، ذكر أنه بعد موت جذع المخ يمكن أن تحدث بعض المنعكسات النخاعية الشوكية أو وضعيات تشنج أو اختلاجات صرعية، وإن ثمة تحفظات توجب استبعاد احتمال أن يكون المصاب تحت تأثير موارد مخدرة أو سموم أو مرخيات العضلات، وهبوط حرارة الجسم لأقل من 33 درجة… إلخ، وكل ذلك يظهر أن الأمر في تشخيص هذه الحالة هو مما يدخل في الظن واحتمال؛ ولذلك لم أستغرب أن رجال القانون الحاضرين في الندوة ذكروا أن حالة توقف جذع المخ يكون بها الإنسان قد استدبر الحياة وأصبح صالحًا لأن تجري عليه بعض أحكام الموت، أما تطبيق بقية أحكام الموت عليه فقط اتجه الفقهاء الحاضرون إلى تأجيله حتى تتوقف الأجهزة الرئيسية أي أن الفقهاء لم يطمئنوا إلى حصول الموت كله فقالوا بتبعيض الموت وتجزئته والتفرقة بين آثار وآثار.

ثم إن الجهاز الكهربائي الذي يكشف عن توقف جذع المخ أو حركة المخ في عمومه هو مما يصدق عليه ما يصدق على كل جهاز وآلة من حيث إمكان أن يطرأ عليه الخلل ومن حيث إمكان أن يطرأ عليها ضعف الحساسية للإظهار، ومن حيث إمكان ضعف الطاقة المحركة، وأثر ذلك على قدرات الجهاز، كل ذلك وارد فضلا عن أمرين آخرين أولهما: أن الجهاز لا يظهر حركة المخ، إذا انخفضت درجة حرارة الجسم عن حد معين، ولهذا الأمر دلالته من حيث إن الجهاز في ظروف معينة يكون جذع المخ غير متوقف أن يكون في حالة ركود يمكن إنعاشه منه، ولا يظهر الجهاز هذا الوضع ولا يكشفه. والأمر الثاني: أن الجهاز يخضع للتحسينات والتطويرات شأنه شأن أية آلة، ومن ثم يفترض أن درجة حساسية الأجهزة حسبما توصلت إليه التكنولوجيا السائدة الآن لا تكون كافية لإظهار حركة عميقة خافتة في جذع المخ.

ومن جهة أخرى فإن عددا من الأطباء يرون أن المشكلة أصلا ليست مضروبة علينا بحتميات القضاء والقدر، من حيث حتمية فساد العضو المراد نزعه فور الوفاة الكاملة للجسم، ويذكر مثلا الدكتور رؤوف سلام أنه يمكن إنقاذ القلب عن الفساد بعد الموت التام للجسم، ذلك أن فساد القلب يرد من تجلط الدم داخل الأوعية ويمكن بعد توقف القلب غسله وهو ما زال داخل الجسم بمحلول يمنع التجلط والتحلل، ولست ممن يستطيعون التعقيب على ذلك، ولكن ثمة رأيًا يقول به أطباء وهو ـ إن صح وأمكن ـ تزول به كل حجة تتعلق بضرورة إعادة تعريف الموت والعدول في ذلك إلى فكرة نزع القلب النابض.

إنني مدرك أنني هنا أتكلم في غير مجالي، ولكنني أسوق أقوالا للسادة الأطباء لا تعدو عينيا عنهم إلى غيرهم، واستخلص استخلاصات قريبة لا تنبو عن الإدراك المتوسط للرجل العادي. ومن وجهة أخرى فنحن ندرك أننا عندما نتكلم عن الأطباء إنما نتحدث عمن نسلم إليهم أبداننا أمانة في أيديهم وهم أحرص على حفظ هذه الأمانة من أي شخص آخر، فهم أناس صناعتهم ومهنتهم المداواة ورعاية البشر بما يتاح لهم من علم ومن خلق متلبس في هذا مرتبط به، وهم أحرص على الطفل من أبيه وعلى الأب من ابنه، ولكننا نناقش على المستوى العلمي والفني اللائق ما تثيره مسألة نقل الأعضاء من مشاكل ومحاذير، ونحن نعرف أن الطبيب طبيب في غرفة الكشف أمام مريضه، وفي غرفة الجراحة يمارس عمله، وإن أنسى لا أنسى يومًا كان يكشف عليّ فيه الدكتور عبد العزيز الشريف، يكشف على قلبي بسبب أزمة عانيت منها، وكنت أتفحص تقطيبة وجهه وهو يعمل، وعمق تركيزه وإحساسه غير العادي بالجدية الشديدة والتسمع المرهف للخلجات، ساعتها راودتني نفسي أن أقبل يده، ولم يمنعني إلا خشيتي أن تخرجه المفاجأة من محراب تعبده، وشعرت كأنني معنويًا قبلت يده فعلا، هؤلاء هم أطباؤنا الذين نعرفهم، ولكن كما أن القاضي قاض في محكمته وأمامه خصومه الذين ائتمنوه على حقوقهم ودمائهم إلا أنه خارج المحكمة هو نفس من النفوس ألهمها الله فجورها وتقواها، فكذلك الطبيب، وكذلك كل تخصص تعرفه.

وإنني أطرح أمام السادة الأطباء سؤالاً آخر في هذه المسألة لم أجده أُثير من قبل ولا قرأت فيه جوابًا. فإذا تركنا موضوع تعريف الموت ودلالاته، ونظرنا إلى الأعضاء عضواً عضواً، فهل من رسالة الطبيب إزاء مريضه – حتى إن كان المريض في غيبوبة ليس بعدها إفاقة، أو كان في دور الاحتضار، هل من رسالة الطبيب إزاء مريضه هذا أن يخمد فيه عضواً يكون لا يزال حياً ولا يزال متحركًا حركته الطبيعية؟ هل من حقه أن يكتم ترددًا طبيعياً يتردد في الجسم أو في جزء منه؟ والسؤال الآخر: إذا لم يكن من حق الطبيب – كما نعرف – أن يعجل من وفاة المريض رحمة بالمريض نفسه، أي رحمة بصاحب الجسم وإنقاذًا له من آلام لا برء لها ولا تخفيف – ولا شك في أن إسكات الألم فيه نفع للمريض – ومع ذلك لا يحق للطبيب ذلك. فهل يجوز له من زاوية علاقته بمريضه أن يجعل من نهايته رحمة بشخص آخر؟ هذه تساؤلات أحتاج فيها إلى جواب من طبيب لأنني فعلاً لا أعرف.

د – إعادة تعريف وظيفة الطبيب:

يقولون إن الحرب أخطر من أن يقرر مصائرها العسكريون وحدهم، وأنا بوصفي من رجال القانون أستطيع أن أقول إن الديمقراطية أخطر من أن يقرر مصائرها القانونيون وحدهم. وعندما نشاهد ميل المهندسين إلى حل كل مشاكل المدن عن طريق الخرسانة المسلحة والأسفلت والأبنية الشاهقة، يمكن أن نقول إن العُمرانَ أخطر من أن يقرر أوضاعه المهندسون وحدهم، وهكذا فإن كل هدف إنساني أو مسعى اجتماعي هو أخطر من أن يقرر مصيره أصحاب التخصص وحدهم، ذلك أنهم يميلون دائمًا إلى النظر إلى هذا الهدف من وجهة نظر التخصص الضيقة، فيتحد الهدف الإنساني العام أو المسعى الاجتماعي الشامل بالتخصص الضيق، والذي لم يكن يعدو في أصل وجوده عن أن يكون وسيلة لتحقيق الهدف، ثم تنقلب الحالة فيضحى الهدف وسيلة وتصير الوسيلة هدفًا.

وبذات المعنى أستطيع أن أجزم بأن الموت أخطر من أن يقرر الأمر فيه الأطباء وحدهم، والموت ضد الحياة، والحياة هدف والطب مهنة ووسيلة لحماية الحياة، والطب تخصص فني يقوم على خدمة الحياة، وليس أمر الموت والحياة باعتبارهما كذلك، مما تستبد به مهنة الطب وحدها، فتكون هي صاحبة الرأي الوحيد أو تكون هي صاحبة القرار في هذا الشأن. أقصد أن أقول إن الطب خادم للحياة، وليس مسيطرًا عليها ولا متحكمًا فيها.

وأنا لا أنسى أنه من نحو ثلاثين سنة، عندما اهتز العالم بشعوبه وقاراته من إجراء أول جراحة لنقل القلب، وكان أجراها د. كريستيان برنارد في جنوب إفريقيا كان حادثًا تهلل له أغلب الناس، وكان حادثًا في قوته يشابه حادث إطلاق أول صاروخ يدور حول الأرض. في وسط هذا الاحتفاء العالمي، نشر طبيب فرنسي مقالاً ونشرته بعض مجالاتنا بالعربية يعلق فيه على الحدث كان يتكلم عن مهنة الطب ويتساءل عما إذا كان سيلحقها التغيير من جراء هذا الأمر قال: إن الطبيب أوصل مهنته وآدابها تملي عليه أن يكون محاميًا عن المريض وليس قاضيًا عليه، وإن أروع ما يحيط به من معاني الإنسانية هو أنه يقف بجوار مريضه يدافع عن حياته ضد المرض ويذود عنه ويبقى هكذا حتى تتفلت الحياة من المريض رغما عن الطبيب وما ينصع. من هنا يظهر سبب هام من أسباب تطور الطب، وهو هذا الموقف الدفاعي العنيد عن المريض، وذكر الطبيب الفرنسي أن جراحة نقل القلب سيتحول بها الطبيب في لحظة معينة من لحظات تعامله مع مريضه، سيتحول بها من موقف المحامي المدافع إلى موقف القاضي الذي يقرر أن موت هذا المريض صار أكثر جدوى لتحقيق نفع مريض آخر. أي أنه في اللحظات الأخيرة يمكن أن يتحول موقف الطبيب من الدفاع العنيد اليائس عن مريضه إلى موقف المشاركة في إنهاء حياته، وتساءل الطبيب الفرنسي عما يمكن أن يحدث من تحول في معنويات المهنة من جراء هذا التعديل.

طالع بقية محاور الدراسة:

اقرأ أيضًا: