أحمد تمام
“مباحث” دخلت التاريخ برحلتين

العلم بالنسبة للعلماء رحم يجمع بينهم وإليه ينتسبون. وبمقدار تلاقح وتعاون العلماء فيما بينهم هم وأممهم يكون رقي العلم وتقدمه.. وقد مثلت رحلة السفينة المصرية “مباحث” في المحيط الهندي إحدى ثمار التعاون الدولي في مجال الحقل العلمي.

و”مباحث” سفينة ذات طابع خاص، تذهب في مهام لا تتكرر كثيرًا، ولها رحلتان اكتسبتا شهرة واسعة، تجاوزت دوائر علماء المحيطات إلى غيرهم من عامة المثقفين؛ حيث حملت السفينة في رحلتها الأولى بعثة “جون مري” إلى المحيط الهندي مدة 9 أشهر من (ديسمبر 1933م إلى مايو 1934م). ثم عادت فحملت البعثة المصرية إلى البحر الأحمر لمدة 3 أشهر من (ديسمبر 1934م إلى فبراير 1935م).

علوم البحار

يمكن إرجاع البدايات الأولى لعلوم البحار إلى الملاحظات الكثيرة والدقيقة التي سجلها البحارة والرحالة الأوائل، والتي نجد لها أمثلة في النقوش الدقيقة للأسماك والحيوانات البحرية التي تركها المصريون القدماء والفينيقيون والإغريق وغيرهم، أو في الكتب والسجلات التي تزخر بها اللغة العربية وغيرها عن المحيطات والظواهر البحرية.

ومؤرخو العلوم يتفقون على أن البداية الحقيقية لهذه العلوم نشأت مع رحلات البحوث البحرية في القرن التاسع عشر، وعلى وجه التحديد سنة 1872م؛ حيث أبحرت السفينة البريطانية “تشالينجر” من ميناء “بورتسموث” في إنجلترا، بادئة رحلتها الاستكشافية الكبرى التي استمرت قرابة 4 سنوات، أبحرت خلالها حول العالم عبر المحيطات الثلاثة الكبرى: الأطلسي والهادي والهندي الجنوبي.

وكان من بين علماء بعثة “تشالينجر” السير “جون مري”، وكان عالمًا نابهًا، قام بتحرير تقارير “تشالينجر” التي بلغت 50 مجلدًا، وتمكن من اكتشاف الفوسفات في جزر الكريسماس؛ الأمر الذي هيأ له جمع ثروة كبيرة من حق استغلال هذا الكشف العلمي. ولشغفه بعلوم البحار أوصى بجزء من ثروته للإنفاق على البحوث والاستكشافات المتعلقة بها.

نهضة مصرية في علوم البحار

ونظرًا لحداثة نشأة علوم البحار، فقد ظل المشتغلون بهذه العلوم قلة نادرة في الدول الغربية، غير أن مصر في مطلع القرن العشرين كان لها تطلعات في هذا الشأن، وإن لم تكن لها تقاليد علمية مستقرة في هذا المجال، ومعظم البحوث التي أجريت كانت متوجهة إلى مصايد الأسماك التجارية، فضلاً عن أن المناصب الرئيسية كان يشغلها علماء بريطانيون في بادئ الأمر قبل أن يحل محلهم مصريون.

غير أن بحوث مصايد الأسماك توقفت سنة (1342هـ = 1923م) بعد تقاعد “ج.ماجيت” أول مدير لمصلحة مصايد الأسماك، ثم عادت إلى النشاط بعد تولي “ويمبيني” أمورها سنة (1346هـ = 1927م) حيث صاغ برنامجًا للبحوث، وقام بتكوين مجموعة صغيرة من العلماء البريطانيين والمصريين والفنيين المحليين، وكان ذلك البرنامج يقتضي توفير سفينة بحوث متطورة للقيام بهذه الأعمال العلمية في المياه العميقة. ثم خلفه في منصبه الدكتور حسين فوزي سنة (1350هـ = 1931م).

وقد تحقق أمل ويمبيني حيث تم بناء سفينة لهذا الغرض باسم “مباحث”، وتولى بناءها شركة إنجليزية، وتسلمتها مصلحة خفر السواحل ومصايد الأسماك سنة (1349هـ = 1930م)، وقد بنيت السفينة وفق تصميم سفينة كبيرة ذات محرك بخاري للصيد بشباك الجر، بطول قدره 138 قدمًا، وعرض قدره 23 قدمًا ونصف قدم، وغاطس قدره 12 قدمًا ونصف قدم، وحمولة صافية قدرها 200 طن، تتيح لها أن تحمل قدرًا من الفحم يكفي لسيرها مدة 15 يومًا بأقصى سرعة.

وزودت السفينة بمختبر صغير وسط السطح، وكان بها من التسهيلات ما يكفي لإيواء عدد صغير من العلماء، بالإضافة إلى طاقمها البحري الذي يبلغ 34 ضابطًا وبحارًا.

وعندما وصلت السفينة “مباحث” بعد بنائها إلى مصر لم يكن لدى “المصلحة” العدد الكافي من العلماء كي تبدأ بحوث المصايد؛ فقامت بسلسلة من الجولات القصيرة في البحر المتوسط، لكنها استُخدمت في الغالب لحراسة السواحل ومكافحة التهريب، أي إنها استعملت في غير ما خصصت له، وهذا أمر شائع الحدوث في كثير من الدول النامية التي قد تنسى أن الموارد البشرية أكثر أهمية، وأن تنميتها تحتاج إلى فترة زمنية أطول من الفترة اللازمة لشراء سفن البحوث أو المعدات والأجهزة العلمية.

استعانة بريطانية بـ”مباحث”

وفي هذه الفترة كان القائمون على وصية السير “جون مري” قد قرروا إنفاق مبلغ قدره 20 ألف جنيه إسترليني لاستكشاف الجزء الشمالي الغربي من المحيط الهندي -أي بحر العرب وامتداداته: خليج عدن، وخليج عمان- واختاروا بعثة علمية للقيام بهذا الكشف بقيادة الكولونيل “سيمور سيويل”.

وكان أول إجراء يجب اتخاذه هو الحصول على سفينة مناسبة، وكان هذا متعذرًا في ذلك الوقت لقلة سفن البحوث التي كانت تعد على الأصابع، وأيضا لانشغال معظم هذه السفن في مهمات علمية؛ فاتجه التفكير إلى الاستعانة بسفينة البحوث المصرية “مباحث”، واتصل “ستانلي جاردينر” بجامعة كمبرد بالدكتور حافظ عفيفي باشا وزير مصر المفوض بلندن في تلك الفترة، واقترح عليه فكرة التعاون العلمي بين العلماء الإنجليز والمصريين، فتستعير البعثة الإنجليزية سفينة البحوث المصرية لتعمل عليها في المحيط الهندي، على أن تقوم البعثة المصرية بالعمل في البحر الأحمر فيما بعد، وقد وجدت الحكومة المصرية في هذا الاقتراح فرصة سانحة لتدريب شبابها من العلماء والضباط والبحارة على أعمال البحث العلمي في المحيط الهندي، حتى إذا عادوا أمكن الاستفادة من السفينة استفادة كاملة في البعثة المصرية إلى البحر الأحمر التي كانت مصر تطمح في إيفادها، وفي تنشيط أبحاث مصايد الأسماك في البحرين: المتوسط والأحمر، بعد أن ظلت السفينة بدون عملٍ جاد منذ اقتنائها.

وقد تضمنت مذكرة الاتفاق بين بعثة “جون مري” والحكومة المصرية الشروط التالية:

– تكون السفينة “مباحث” تحت تصرف اللجنة اعتبارًا من 1 يوليو 1933م حتى 1 من مايو 1934م، وتتم تهيئتها للإبحار قبل 1 من شهر سبتمبر 1933م، وترفع السفينة على صاريها العلم المصري مع العلم البريطاني، وتتولى الحكومة المصرية من خلال قنواتها الدبلوماسية إخطار البلاد التي ستعمل فيها “مباحث” بأغراض جولاتها.

– تُسلم مباحث للجنة في حالة صالحة للملاحة، وتعيدها اللجنة في نفس الحالة، دون أي مطالبات بسبب الاستهلاك المترتب على الاستعمال، وكل الأجهزة والمعدات العلمية التي تزود بها السفينة من أجل البعثة يجب أن تُترك فيها بعد انتهاء البعثة وتصبح ملكًا للحكومة المصرية.

– تقوم اللجنة بالتأمين على السفينة “مباحث” في لندن. والمبلغ المقرر لهذا التأمين هو 25 ألف جنيه إسترليني لجسم السفينة، بالإضافة إلى 11 ألف جنيه للمحركات.

– يكون على السفينة ضابطان بحريان مصريان، ومهندسان مصريان، وعالمان مصريان، وطاقم بحارة من الموانئ المصرية.

الملك فؤاد يحتفي بهم

عضوا البعثة المصريان: الصف الخلفي من اليسار عبد الفتاح محمد ، الصف الأمامي من اليمين حسين فوزي

قدمت الحكومة المصرية التسهيلات اللازمة لنجاح هذه البعثة، ووضعت إمكانياتها في يد أعضائها الذين بدءوا يتوافدون على الإسكندرية بمعداتهم وأجهزتهم العلمية، وقبل أن تبحر سفينة البحوث استقبل الملك فؤاد بعض أعضاء البعثة وتمنى لهم كل توفيق، وكان للملك عناية خاصة بعلوم البحار. ثم تحركت السفينة من الإسكندرية تحمل أعضاء البعثة في (13 من جمادى الأولى 1352هـ = 3 من سبتمبر 1933م) متجهة إلى المحيط الهندي للقيام بسلسلة من الرحلات البحرية في عدة مناطق تشمل الطرف الجنوبي للبحر الأحمر وخليج عدن والساحل الجنوبي الشرقي لشبه الجزيرة العربية وخليج عمان ومدخل الخليج الفارسي والساحل الشرقي لإفريقيا فيما يجاور زنجبار والمنحدرات الغربية لأرخبيل المالديف.

عالمان مصريان مع جون مري

وكانت هذه البعثة العلمية قد ضمت اثنين من العلماء المصريين، هما: 

الأستاذ الدكتور حسين فوزي الطبيب، وهو عالم الأحياء البحرية.

الأستاذ الدكتور عبد الفتاح محمد المتخصص في علوم البحار الطبيعية.

وقد اكتسب العلماء والضباط والبحارة المصريون خبرة نادرة خلال 9 أشهر من العمل الجاد في المحيط الهندي، وعند عودتهم في (المحرم 1353هـ= مايو 1934م) لم يلبثوا كثيرا حتى قاموا بالبعثة المصرية إلى البحر الأحمر في (رمضان 1353هـ = ديسمبر 1934م)، وكانت هذه البعثة ثمرة التعاون والتنسيق بين الجامعة المصرية (جامعة القاهرة) ومحطة الأحياء البحرية بالغردقة التابعة لها، وكانت قد أنشئت سنة (1348هـ = 1929م)، ومعهد الأحياء المائية الذي كان يعمل بجامعة الإسكندرية منذ سنة (1343هـ = 1924م).

وقاد هذه البعثة التي استغرقت 3 أشهر في البحر الأحمر الدكتور “سيريل كروسلاند” مدير محطة الغردقة، وكان القصد من هذه البعثة أن تكون تمهيدًا لبعثة أخرى أوسع نطاقًا تنفذ في البحر الأحمر، ولم يشارك حسين فوزي في هذه البعثة، وشارك محله نائبه في إدارة بحوث المصايد.

غير أن البعثة الكبيرة التي كان يخطط لها لم تتحقق، إذ أعاقتها حالة الحرب بين إيطاليا والحبشة، ثم المشكلات المالية، ونشبت الحرب العالمية الثانية لتقضي على آمال البعثة في الخروج إلى البحر الأحمر.

وكان من ثمار هذه البعثة إنشاء قسم علوم البحار بجامعة الإسكندرية سنة 1948م على يدي نفس العالمين المصريين اللذين عملا على ظهر السفينة “مباحث” في المحيط الهندي. وقد جاء هذا الجهد بعد سنوات من الإعداد والنضج العلمي.

وكان لإنشاء أول قسم لعلوم البحار في الجامعات العربية أثر بالغ في نهضة علوم البحار في كثير من دول المنطقة التي تعلم بعض أبنائها في هذا القسم. كما قام أساتذته وخريجوه بالعمل والتدريس في معاهد وأقسام علوم البحار التي أنشئت في هذه الدول.

نهاية “مباحث”

لم يقدر للسفينة أن تواصل عملها في البحث العلمي نتيجة للأسباب التي أشرنا إليها، وظلت تعمل في أعمال مصايد الأسماك وخفر السواحل في المياه الساحلية الإقليمية حتى سنة (1379هـ = 1959م)، حيث نقلت تبعيتها إلى مصلحة الموانئ والمنائر، فاقتصر عملها في تموين الفنارات والتفتيش على منارات الملاحة في البحر الأحمر وخليج السويس وشرق البحر المتوسط، إلى أن أرسيت عام (1385هـ = 1965م) في الميناء الغربي بالإسكندرية تمهيدًا لنقل تبعيتها إلى وزارة البحث العلمي لاستخدامها مرة أخرى في بحوث علوم البحار.

غير أن السفينة كانت قد بلغت من العمر 35 عامًا، وكانت تحتاج إلى إعادة إعمار شامل، وتجديد في هيكلها، ووقفت قلة الاعتمادات حائلاً دون ذلك، فرقدت السفينة مهملة في الميناء الغربي بالإسكندرية سنوات طويلة، ثم نقلت ملكيتها إلى جامعة الإسكندرية سنة (1403هـ = 1983م) على أن تتحول إلى متحف عائم يصور تاريخ علوم البحار في مصر.. ولا يُعرف هل تحقق ذلك بعد أن قدمت اليونسكو منحة خاصة لإجراء دراسة جدوى عن إمكانية صيانة السفينة والمحافظة عليها؟.

للاستزادة حول هذا الموضوع.. اقرأ:

  • حسين فوزي- رحلة الباخرة المصرية- مباحث- دار الطباعة المصرية- القاهرة- 1939م.
  • أ.ل.رايس- مباحث: قصة بعثة جون مري إلى المحيط الهندي- شركة المطبوعات للتوزيع والنشر- بيروت- 1988م.
  • أنور عبد العليم- بعثة جون مري لاستكشاف المحيط الهندي- مجلة تراث الإنسانية- المجلد الرابع، ص(959-973)- 1966م.