معتز الخطيب** 04/04/2006 

في الأيام القريبة الماضية، تداولت أجهزة الإعلام حَدَث الأفغاني عبد الرحمن، الذي ارتد عن الإسلام واعتنق المسيحية في أثناء عمله لصالح جماعة إغاثة اللاجئين الأفغان، فاعتُقل خلال شهر فبراير في كابول إثر تقدم عائلته بشكوى ضده إلى الحكومة؛ لارتداده. كان عبد الرحمن سيواجه عقوبة الإعدام؛ لارتداده، لولا الضغوط الغربية التي مورست على الحكومة الأفغانية؛ فقد تعهد الرئيس بوش باستخدام نفوذ بلاده على أفغانستان لضمان “حق عبد الرحمن في اختيار دينه”. وقال وزير الخارجية الإيطالي إنه سوف يطلب من حكومة بلاده منحه حق اللجوء السياسي، وكان بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر طالب كرزاي بالعفو عنه فضلا عن تدخلات الأمم المتحدة وعدد من الدول الأخرى، بينها كندا وإيطاليا وألمانيا وأستراليا.

هذا الحدث يستدعي عددا من الأفكار التي تجب إثارتها ومناقشتها، تبدأ من حكم المرتد وحرية الاعتقاد، ولا تقف عند حدود الموقف الغربي الصاخب من حرية عبد الرحمن، والصمت الرهيب الذي أحاط بقضية وفاء قسطنطين التي اعتنقت الإسلام فاختطفتها الكنيسة وحبستها في دير وحجبت عنها الزوار حتى تراجع دينها.

حكم المرتد والخلاف فيه

أما بخصوص عقوبة المرتد، فقد اتفقت المذاهب الأربعة، بل الثمانية، على أن المرتد يُقتل. ودليلهم في ذلك ثلاثة: القرآن والسنة والإجماع.

– فمن الكتاب: {ستُدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون} (الفتح: 16) قيل: هؤلاء القوم هم المرتدون من أهل اليمامة وغيرهم.

– ومن السنة – وهو أصح وأقوى دليل على ذلك – قوله صلى الله عليه وسلم: “من بدل دينه فاقتلوه” (رواه البخاري)، وقوله: “لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: … والتارك لدينه المفارق للجماعة”. واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل عبد الله بن أبي سرح وابن خَطل وأناس آخرين.

– ونقل ابن عبد البر وابن قدامة وابن دقيق العيد وابن حزم والنووي الإجماع على قتل المرتد. ولعلهم إنما حكوا الإجماع استنادا لقتال أبي بكر المرتدين من غير نكير من الصحابة.

وهذا الاستنباط الفقهي يرجع – في أصله – إلى ثلاث مسائل منهجية، هي:

أولا: التعبد بالحديث النبوي المقبول وفق شروط وضعها العلماء، وإن كان هذا الحديث خبرَ آحاد ظنيا (أي نقله شخص أو أشخاص ولم يتواتر بما يفيد اليقين أو القطع)، الثانية: أن خبر الآحاد يُقبل في الحدود، والتي فيها “سفك دمٍ” كما أكد الإمام الغزالي. الثالثة: أن أحاديث الآحاد تخصص عموم القرآن، ومن هنا اعتبروا أن أحاديث قتل المرتد تخصص عموم قوله تعالى: {لا إكراه في الدين} (البقرة: 256) وتخصص الآيات العامة المقررة لحرية الاعتقاد، ومن هنا يكون المرتد مستثنى من تلك الآيات العامة.

إلى هنا يبدو الحكم بقتل المرتد – وفق المنظومة الفقهية أصولا وفروعا – حكما ثابتا لا يحتمل الاختلاف. لكن الدخول في تفاصيل كل استدلال سيكشف عن اختلاف عريض في مراحل بناء الحكم والاستدلال بالنصوص السابقة وغيرها.

1- دعوى الإجماع:

إن المتأمل لحادثة حروب الردة بتفاصيلها التي ذكرها الإمام الطبري في تاريخه، يجد أنها لم تكن حادثة ردة عادية حتى يتم الاستشهاد بها في هذا السياق للدلالة على حدوث إجماع على قتل من ارتد عن دينه، فهي كانت تمثل انشقاقا وخروجا على الخليفة وشق عصا الطاعة بما يهدد وحدة الدولة القائمة مع وفاة قائدها صلى الله عليه وسلم.

أما المتأمل لمذاهب التابعين فإنه سيجد إمامين من أئمة التابعين لا يقولان بقتل المرتد، فأولهما الإمام إبراهيم النخعي وعنه تفرع فقه العراق، وثانيهما إمام بارز في الحديث هو سفيان الثوري، بل روي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز أيضا، ويبدو أن هذا الرأي استمر إلى وقت متأخر لأننا وجدنا الإمام ابن حزم الأندلسي كرس في “المحلى” مبحث حد الردة للرد على هذا الرأي، مما يعني أنه كان رأيا معتبرا استحق كل تلك العناية بالرد عليه.

2- مناقشة الاستدلال بالقرآن:

وينبغي الإشارة إلى أن الاستدلال بالقرآن على قتل المرتد لا أعلم أنه من طريقة الفقهاء في هذا المجال، وإنما جرى التركيز عليه من قبل المعاصرين في مواجهة من يقولون: إن القرآن لم يذكر عقوبة دنيوية للمرتد وإنما ذكر أخروية فقط. والآية السابقة عن {قوم أولي بأس شديد …} أورد فيها ابن كثير أقوالا عدة، فقيل: هم هوازن، وقيل: ثقيف، وقيل: بنو حنيفة، وقيل: أهل فارس، وقيل: الروم، وعن عطاء وابن أبي ليلى والحسن البصري وقتادة: هم أهل فارس والروم، وعن مجاهد: هم أهل الأوثان .. ما أود قوله: أنه لا دليل (صريحا) في الآية بل في القرآن كله على وجود عقوبة دنيوية للمرتد.

3- مناقشة الاستدلال بالسنة:

أما السنة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه أمر بقتل أحد لوصف الردة، فالأسود العنسي مثلا لم يثبت أنه أسلم أصلا حتى نقول بردته، وابن أبي سرح حين ارتد “لحق بالكفار فأمر به رسول الله أن يُقتل فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله” (النسائي، والحاكم، وأبو داود) فالحد لا تُقبل فيه الشفاعة كما هو مقرر في الحديث الشهير، وكل الأمثلة التي يذكرونها هنا في هذا المجال سيجد المتتبع للروايات والأخبار أنه ثبت أنها “لحقت بالكفار” بعد ردتها، في وقت كان هناك معسكران متمايزان في حالة حرب: معسكر إيمان ومعسكر كفر.

أما الأناس من عُكْل وعرينة فإنهم ارتكبوا جرائم عدة: قتلوا الرعاة، وسرقوا الإبل، ثم إنما طبق عليهم رسول الله حد الحرابة وليس القتل، “فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا” بحسب رواية البخاري. وقد قال أنس بن مالك: “إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء” (رواه مسلم) وقال ابن تيمية: “هؤلاء قَتَلوا مع الردة، وأخذوا الأموال، فصاروا قطاع طريق، ومحاربين لله ورسوله”.

وأما مِقْيس بن صُبابة فإنما جاء يثأر ممن قتل أخاه هاشم بن صبابة (وكان قد قُتل خطأ) وتظاهر بالإسلام وأخذ دية أخيه، ثم قتل من قتل أخاه، وهرب مرتدا، وقال في ذلك شعرا، فأمر رسول الله بقتله (روى القصة البلاذري في أنساب الأشراف).

وأما سارة صاحبة كتاب حاطب بن أبي بلتعة وكانت مغنية نواحة، فقدمت مكة وادعت الإسلام فوصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجعت إلى مكة (معسكر الكفر وقتها وفي حالة حرب) وجعلت تتغنى بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقُتلت (قصتها عند البلاذري). وكذلك عبد الله بن خطل، فقد أسلم وهاجر إلى المدينة (معسكر الإيمان) فبعثه النبي ساعيا على الصدقة وبعث معه رجلا من خزاعة، فوثب على الخزاعي فقتله ثم ارتد وهرب إلى مكة وساق معه الصدقة وجاء لأهل مكة وقال لهم: “لم أجد دينا خيرا من دينكم”، وكانت له مغنيتان تغنيان بهجاء رسول الله.

هذه هي الحوادث التي يتعلق بها من يقول بأن النبي صلى الله وعليه قتل مرتدا، والواقع أن المستدل بها، يسكت عن تفاصيلها التي توضح بأن هناك جرائم ارتكبت تستحق القتل وليس لوصف الردة.

وبالنظر لواقع السيرة النبوية والوقائع السابقة، يبدو جليا تعبير حديث “التارك لدينه المفارق للجماعة” وأنهما وصف واحد مركب، فقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كل من يترك دينه يلحق بجماعة الكفار، ولذلك نجد مجمل حوادث الردة إنما وقعت قبل فتح مكة، وهنا تأتي رواية عائشة: “أو رجل يخرج من الإسلام ليحارب الله عز وجل ورسوله، فيقتل أو يُصلب أو ينفى من الأرض” (رواه أبو داود، والنسائي).

يبقى حديث “من بدل دينه فاقتلوه” وهو أقوى ما يُستدل به هنا، وقد حاول بعض المعاصرين من غير ذوي العلم بهذا الشأن أن ينكروا صحة الحديث، لكن الحديث صحيح رواه البخاري، إلا أن الاستدلال به غير متفق عليه كما سنبين. وقد وقع الخلاف فيه من ثلاث جهات:

الأولى: هل تشمل “مَن” في “من بدل …” الذكر والأنثى؟ الحنفية يقولون إن المرأة لا تقتل، ويقولون إن “مَن” الشرطية لا تشمل الأنثى، وبأنه صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتل النساء في الحرب.

الثانية: قوله: “دينه” هل هو عام في كل دين؟ الإمام مالك قال إن المراد به “من خرج من الإسلام إلى غيره وأظهر ذلك” (الموطأ)، وتمسك بعض الشافعية بهذا الحديث في قتل من انتقل من دين كفر إلى دين كفر، سواء كان ممن يُقرّ أهله عليه بالجزية أم لا، واستدلوا بعموم قوله: “من بدل دينه”، وهذا أحد قولي الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد. والرواية الأخرى عن أحمد أنه إن انتقل إلى مثل دينه أو إلى أعلى منه أُقر على ذلك، وإن انتقل إلى أنقص من دينه لم يُقر. فاليهودية مثل النصرانية أما المجوسية فهي دون.

أما الحنفية فقالوا: إن الكفر كله ملة واحدة. والتبديل هنا هو نوع خاص بالرجوع عن الإسلام لا غير. ومع هذا الاختلاف الشديد، فإنهم متفقون جميعا على أن “ظاهر الحديث” غير مراد، ولذلك لا يقال: إن من بدل دينه إلى الإسلام يدخل في الحديث، مع أن اللفظ يشمله.

الثالثة: قوله: “فاقتلوه” اختلفوا: هل يلزم منه مباشرة القتل قبل الاستتابة؟ أو لا بد من الاستتابة؟ وفي هذا خلاف طويل، وبعض الفقهاء حدد مدة الاستتابة بثلاثة أيام، وبعضهم بأقل، وبعضهم بأكثر، ومنهم من قال يستتاب أبدا، أي إلى بقية حياته. وقد قال النووي: “اختلفوا في استتابته: هل هي واجبة أم مستحبة؟ وفي قدرها، وفي قبول توبته”.

وبناء على ذلك يتضح أن الحكم بقتل المرتد يحيط به اختلاف واسع، يبدأ من الخلاف في قتله أولا، ثم في كيفية بناء الحكم على الأدلة التي يحيط بها اختلاف واسع في كيفية فهمها، وصولا إلى تخصيص الحنفية له بالرجل، وذهاب الجمهور إلى كونه للرجل والمرأة، وانتهاء بالخلاف حول الاستتابة ومدتها وقبولها.

والأصول التي يرجع إليها الاختلاف هي: الاختلاف في مباحث الألفاظ كاختلافهم في “مَن”، والاختلاف في تحديد مناط الحكم كما في وقائع الردة. ومن هنا فإن الحكم لم يكن -في بنائه على الأدلة- صريحا وقاطعا، ولذلك وقع الاختلاف فيه، وباب الاجتهاد فيه مفتوح، وهذا فضلا عن ظنية ثبوته من حيث سند الأحاديث الواردة، فإنه ظني في دلالته، فالحديث الأساسي في هذا الموضوع متفق على عدم العمل بظاهره، وأنه مؤول، وباب التأويل واسع.

حكم المرتد بين إعادة التفكير ومحاولة التبرير

غير أن إعادة التفكير في حكم المرتد لم تكن لتُثار إلا بأثر من الاحتكاك بالفكر الغربي وأفكار الثورة الفرنسية، وبروز أفكار مثل العلمانية والحرية، ومن هنا انشغلت إصلاحية محمد عبده بإعادة النظر في الحكم، وذلك بالعودة إلى تأمل الأدلة نفسها، فيرى عبده أن كلمة “الدين” جاءت بشكلها العمومي الذي يعني الإيمان بالله، وباليوم الآخر، والعمل الصالح، وعلى هذا تصبح الردة عنده ردة عن العناصر الثلاثة السابقة.

واستمرت مدرسة عبده في المسألة فذهب عبد العزيز الجاويش إلى أن الارتداد عن الدين يعني الارتداد عن “نصرة الإسلام والمسلمين” وعن “منازلة الأعداء”، أي “التخلف عن الجهاد”، وتردد الشيخ محمود شلتوت في حكم المرتد فقال: “وقد يتغير وجه النظر في المسألة إذا لوحظ أن كثيرا من العلماء يرى أن الحدود لا تثبُت بحديث الآحاد، وأن الكفر بنفسه ليس مبيحا للدم، وإنما المبيح هو محاربة المسلمين والعدوان عليهم ومحاولة فتنتهم عن دينهم، وأن ظواهر القرآن الكريم في كثير من الآيات تأبى الإكراه في الدين”.

ثم أعيد الجدل في المسألة في العقود الأخيرة، مع فورة الحديث عن حقوق الإنسان وتشريعاتها، ومع إثارة حوادث ردة في مصر وغيرها، وصدور فتاوى بذلك. وحرصا على بيان أن الإسلام يتفق مع حرية الاعتقاد، وحقوق الإنسان، ذهب حقوقيون وبعض الكتاب في سوريا ومصر إلى عدم قتل المرتد وإثبات الحرية الدينية.

في المقابل، راح بعض العلماء يعتبر أن من يثير هذا التناقض بين قتل المرتد والحرية الدينية هو من “المفتئتين على الإسلام”، وانصرفت الجهود إلى “تبرير” الحكم بقتل المرتد، ففي حين كان قائما لدى الفقهاء السابقين على اعتبارين: الجمهور يقول إن “علة” قتل المرتد هي “مجرد الكفر” بعد الإسلام، امتثالا للنصوص. والحنفية الذين خصوا القتل بالرجل دون المرأة قالوا: علة قتل المرتد “الحربية” (من الحرب وليس الحرابة)، والمرأة لا تقاتل في الحرب فلا تقتل إذا ارتدت.

أما المعاصرون فقد سلموا بالحكم ابتداء، لكنهم راحوا يبررونه تبريرا ينسجم مع الأفكار المعاصرة، فهناك من يرى مساواة الردة بوصف “الحرابة” بمعنى أن “من استعلن بردته عن الإسلام، ونافح عن أفكاره المناهضة له، وأصر على ذلك، فعزم الحرابة في نفسه واضحٌ إلى درجة القطع واليقين، وهو الكيد للإسلام والمسلمين؛ عن طريق بث عوامل الزيغ والتشكيك بعقائد الناس، ومبادئهم الإسلامية”، وقد ذهب إلى هذا د. محمد سعيد البوطي وآخرون.

وهناك من يرى أن الردة تتجاوز مسألة الحرابة، لتدخل في حكم “الخروج على الدولة الإسلامية” والتمرد عليها، وبالتالي فهي بمنزلة  “خيانة عظمى للأمة” من خلال “الطعن في النظام الاجتماعي والسياسي للدولة، والقائمين على الإسلام”، وعلى أساس أن الردة مؤداها “تبديل الولاء والانتماء من الإسلام إلى العدو”، وهو رأي سيد قطب ومحمد الغزالي. ويذهب القرضاوي إلى أن الردة “تغيير للولاء، وتبديل للهوية، وتحويل للانتماء. فالمرتد ينقل ولاءه وانتماءه من أمة إلى أمة أخرى، ومن وطن إلى وطن آخر، أي من دار الإسلام إلى دار أخرى”.

أما د. سليم العوا فإنه يرى أن هذه العقوبة “تعزيرية مفوضة إلى السلطة المختصة في الدولة الإسلامية، تقرر فيها ما تراه ملائما من العقوبات، ولا تثريب عليها إن هي قررت الإعدامَ عقوبة للمرتد”، فالمراد مِن “فاقتلوه” هو “إباحة القتل لا إيجابه” بحسب قوله.

هذه التأويلات التي توزعت بين إعادة التفكير بالحكم، والتسليم به مع إعادة تبريره تبريرا “معاصرا”، تعترف –ضمنا- بأن الحكم نفسه يكتنفه الإشكال، مع شيوع قيم حرية الاعتقاد والحرية الدينية عامة.

الجدل الفقهي .. ومكمن الإشكال

ومع ذلك فإن تلك التأويلات لا تخلو من انتقادات جدية، فالمشكلة لا تُحل بتوسيع مفهوم “الدين”  ليشمل “الإيمان بالله، وباليوم الآخر، والعمل الصالح” كما فعل محمد عبده، ولا بإعادة بناء المفهوم ليصبح “نصرة الإسلام والمسلمين” كما فعل جاويش.

وكذلك لا يُعقلََن الحكم الفقهي الوارد، ولا يصبح “معاصرا” بتركيب تعليلات معاصرة عليه، من قبيل “الخيانة العظمى” و”تبديل الولاء والهوية”، فالمجتمعات والدول أصبحت أكثر تركيبا من تلك البساطة المتصورة، ولا يمكن تنزيل هذه التبريرات على الواقع المعاصر؛ فما وضع مسلمي الغرب الآن من حيث الولاء والهوية والانتماء؟ وكيف يمكن فهم فتاوى الفقهاء لهم بحمل الجنسية الأجنبية، وبالقتال مع الجيوش الأجنبية التي يحملون جنسيتها حفاظا على “وطنيتهم”؟ وماذا لو عكسنا الأمر فقالت أمريكا مثلا: إن مسلميها خارجون عن “الهوية الأمريكية” لأنهم مسلمون، والهوية الأمريكية كما يعرفها هنتنجتون “هوية مسيحية”؟ ثم: هل يمكن القبول باعتبار فرنسا مثلا انتشار الدعوة الإسلامية فيها “حرابة” تمثل خروجا على النسيج الاجتماعي لها؟ أو أن المسلمين الجدد في الدول الغربية ارتكبوا خيانة عظمى؟ وأخيرا كيف هو حال غير المسلمين في الدول المسلمة من حيث الولاء والانتماء والهوية إذا نحن حصرنا تلك المفاهيم في “الإسلام”؟.

ما أود قوله: إن هناك ازدواجية متبادلة بيننا وبين الغرب في هذه المسألة تحديدا، وهو ما حصل من تدخل غربي سافر لحماية الأفغاني المرتد، في حين لم يرف جفن لأحد منهم عندما انتهكت حقوق وفاء قسطنطين من قبل الكنيسة!. لكن الفارق أن الطرف الغالب يملك الفعل، ويقف الطرف الأضعف عند حدود القول و”التبرير”.

وأرى أن إعادة التفكير بعقوبة الردة تشكل مثالا بارزا لإعادة التفكير بالبنية الفقهية التي بنيت عليها المسألة نفسها، من لحظة انحصارها بمباحث الألفاظ وما يكتنفها من احتمالات مغرقة في ظنيتها، وهنا يجب إعادة الاعتبار بمكانة الأدلة، ففي المرتبة الأولى يأتي القرآن، ونصوصه واضحة وكثيرة جدا في تقرير حرية الاعتقاد، وأبرزها هنا: {لا إكراه في الدين}، ثم بإعادة الاعتبار لمنهجية المقاصد والأصول الكلية، فالحرية مقصد من مقاصد الشريعة تُحمل عليه باقي الأدلة لا العكس، وأنه لا بد من الوصول إلى تفسير منسجم بين مختلف الروايات (للحديث الواحد) والأحاديث الأخرى، والوقائع، ومحاكمة ذلك الفهم إلى كليات الشريعة.

غير أنه هنا لا بد من إثارة مسألة مهمة، وهي أن شيخنا العلامة القرضاوي كان قد لاحظ في كلمته الافتتاحية لندوة المقاصد في لندن 2005، أن مقاصد الشريعة الخمس، لوحظ فيها العقوبات الخمس: الردة، والقتل، وشرب الخمر، والزنا، والسرقة. وحين كتب عن الردة قال: إنها “خطر على الضرورية الأولى من الضروريات الخمس التي حرص الإسلام على صيانتها”. وكنت قد أثرت هذه المسألة مع أستاذنا د. طه العلواني الذي يذهب إلى إسقاط القول بحدي الردة والرجم، في أثناء لقائنا في سلطنة عمان 2006، فقلت له: لا بد من الفصل بين فكرة المقاصد والعقوبات، وإعادة بنائها من جديد، فحصْرُها بخمسة من جهة، وإعادة الاجتهاد في بعض الحدود -وأبرزها الردة- من جهة أخرى سيثيران عددا من المشكلات.

اقرأ أيضا:

**باحث سوري